لم تعد أزمة مضيق هرمز تُقاس بعدد السفن التي تعبره كل يوم، ولا بسعر برميل النفط وحده. ما كشفته تقارير حديثة يذهب أبعد بكثير: قطر، أحد عمالقة الغاز في العالم، بدأت تبحث في الولايات المتحدة عن غاز يعوّض ما فقدته بفعل الحرب، ولسنوات لا لأشهر.
وبحسب مصادر في قطاع الطاقة والتجارة، تتفاوض شركة قطر للطاقة للحصول على عقود متعددة السنوات من منتجين أميركيين رئيسيين، على أن تمتد الإمدادات حتى عام 2031. وتبحث الشركة عن تأمين نحو مليوني إلى ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، في خطوة تشير إلى أن الأزمة لم تعد تُدار بمنطق "العاصفة العابرة".
القصة بدأت في رأس لفان. الضربات الإيرانية التي استهدفت المنشأة في آذار أخرجت نحو 12.8 مليون طن سنوياً من طاقة الإنتاج، وقال الرئيس التنفيذي للشركة إن إصلاح الأضرار قد يستغرق ما بين ثلاث وخمس سنوات. وفي الوقت نفسه، ما زال هرمز مضطرباً إلى درجة أن عدد السفن التي عبرته مؤخراً هبط إلى سبع فقط، مقارنة بنحو 125 سفينة يومياً قبل اندلاع المواجهة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
قطر، التي بنت لعقود موقعها كواحدة من أهم الدول المصدرة للغاز، تجد نفسها اليوم تتفاوض لشراء الغاز الأميركي كي تتمكن من الوفاء بعقودها، ولا سيما مع زبائنها الآسيويين الذين يستحوذون عادة على نحو 80 في المئة من صادراتها من الغاز المسال.
الأخطر أن التحول من شراء شحنات فورية إلى البحث عن عقود تمتد لسبع سنوات يعني أن الشركات الكبری لم تعد تتعامل مع الأزمة باعتبارها ظرفاً مؤقتاً. وهنا يجب أن نكون دقيقين: هذا لا يعني أن قطر تتوقع بقاء هرمز مغلقاً حتى 2031. جزء أساسي من المشكلة هو الضرر الكبير الذي أصاب منشآت رأس لفان ويحتاج سنوات لإصلاحه. لكن الجمع بين تضرر المنشآت وعدم اليقين بشأن المضيق دفع الدوحة إلى البحث عن مظلة إمدادات بعيدة المدى تضمن استقرار أسواقها.
والولايات المتحدة، التي تخوض المواجهة العسكرية والاقتصادية مع إيران، تظهر في الجهة المقابلة باعتبارها أحد أكبر المستفيدين المحتملين من إعادة رسم سوق الغاز العالمي. وهكذا تنتج الحرب مفارقة جيوسياسية قاسية:
إيران تضغط على هرمز.
قطر تفقد جزءاً من قدرتها التصديرية.
آسيا تبحث عن بدائل عاجلة.
والغاز الأميركي يتقدم لملء الفراغ.
بالنسبة إلى لبنان، تبدو المسافة جغرافياً بعيدة، لكنها قصيرة جداً اقتصادياً. أي اضطراب طويل في سوق الغاز والنفط والشحن يرفع كلفة الطاقة والتأمين والنقل عالمياً، وهي تكاليف تصل سريعاً إلى بلد يستورد الجزء الأكبر من احتياجاته الأساسية.
أما الصورة الأكبر، فهي أخطر من سعر الغاز اليوم. الحروب عادةً تعيد رسم الخرائط السياسية، وهذه الحرب بدأت بالفعل تعيد رسم خريطة الطاقة العالمية. وعندما يصبح أحد أكبر مصدري الغاز في العالم مضطراً إلى البحث عن الغاز الأميركي حتى 2031، فذلك يعني أن ارتدادات هرمز لم تعد تُحسب بالأيام.
بل بالسنوات.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :