مغادرة بلا عودة… لماذا تصاعدت الهجرة من إســ..ـرائيل ومن هم الذين يحزمون حقائبهم؟

 مغادرة بلا عودة… لماذا تصاعدت الهجرة من إســ..ـرائيل ومن هم الذين يحزمون حقائبهم؟

 

 

 

 

 

ICON NEWS | تقرير خاص | 18 آب 2026

لم تعد الهجرة من إسرائيل مجرد ظاهرة هامشية مرتبطة بأفراد يبحثون عن فرص أفضل في الولايات المتحدة أو أوروبا. منذ عام 2022، ثم بصورة أكثر حدة بعد الانقسام الداخلي حول التعديلات القضائية وحرب 7 تشرين الأول 2023 وما أعقبها من حروب طويلة، بدأت الأرقام ترسم تحولاً ديموغرافياً وسياسياً واقتصادياً لافتاً.

والأكثر حساسية بالنسبة إلى إسرائيل ليس عدد المغادرين وحده، بل هويتهم: شباب، علمانيون، أصحاب دخول مرتفعة، عاملون في التكنولوجيا والطب والهندسة، وحملة جنسيات أجنبية؛ أي شرائح يعتمد عليها الاقتصاد الإسرائيلي في الضرائب والابتكار وسوق العمل المتخصص.

وفي حزيران الماضي وصل القلق إلى الكنيست نفسه، حيث عقدت لجنتان جلسة مشتركة لمناقشة الارتفاع الكبير في هجرة الشباب، فيما استخدم أحد المشاركين تعبيراً شديد الدلالة لوصف الظاهرة: «تدمير الصهيونية».

الأرقام… ماذا حدث فعلاً؟

قبل موجة السنوات الأخيرة، كان المعدل السنوي للمغادرين أقل بكثير. وتظهر بيانات مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست أن المتوسط بين 2009 و2021 بلغ نحو 40.5 ألف مهاجر سنوياً وفق السلسلة الإحصائية المستخدمة في تقريره الأحدث.

ثم حدث التحول.

في 2022 ارتفع العدد إلى نحو 59.4 ألفاً.

وفي 2023 قفز إلى نحو 82.8 ألفاً.

وفي 2024 بلغ وفق البيانات المحدّثة التي عرضها الكنيست في حزيران 2026 نحو 69.5 ألفاً. 

وهنا يجب تسجيل ملاحظة تحريرية مهمة: توجد منشورات إسرائيلية سابقة تضع رقم 2024 عند 82.7 ألفاً، بسبب اختلاف توقيت البيانات والمنهجية والتعريف الإحصائي المستخدم. لذلك الأفضل في المادة الصحافية الاعتماد على أحدث سلسلة متجانسة نشرها الكنيست وعدم جمع أرقام من تعريفات مختلفة وكأنها سلسلة واحدة. 

أما الدراسة الأحدث التي نشر باحثون من جامعة تل أبيب نتائجها في مطلع آب 2026، فتستخدم بيانات السفر لتقدير الهجرة الطويلة، وتشير إلى أن نحو 45 إلى 50 ألف إسرائيلي غادروا لأكثر من سنة في كل عام من الأعوام الثلاثة 2023 و2024 و2025. أي أن المستوى المرتفع لم يكن قفزة مؤقتة لسنة واحدة، بل استمر ثلاث سنوات متتالية.

وفي مقياس أوسع، أفادت «هآرتس» بأن نحو 90 ألف إسرائيلي غادروا لمدة ثلاثة أشهر على الأقل خلال 2025، مقارنة بمتوسط سنوي يقارب 60 ألفاً قبل 2023. 

لماذا يغادرون؟

لا يوجد سبب واحد.

بل هناك تراكم بدأ قبل الحرب.

المحطة الأولى كانت الأزمة السياسية الداخلية في 2023 ومحاولة حكومة بنيامين نتنياهو تعديل النظام القضائي، والتي فجرت احتجاجات غير مسبوقة وانقساماً عميقاً داخل المجتمع الإسرائيلي.

وبحسب تحليل حديث لصحيفة «فايننشال تايمز»، بدأ عدد المغادرين بالارتفاع مع اشتداد أزمة التعديلات القضائية، ثم قفز بعد هجوم 7 تشرين الأول والحرب التي أعقبته؛ وسُجل في تشرين الأول 2023 وحده خروج نحو 14 ألف شخص. 

وهذا يعني أن الهجرة بدأت كأزمة ثقة سياسية قبل أن تتحول أيضاً إلى أزمة أمنية.

الحرب الطويلة غيّرت الحسابات

بعد 7 تشرين الأول، دخل العامل الأمني بقوة.

سنوات من الحرب والإنذارات والصواريخ والملاجئ والاستدعاء العسكري والقلق على الأطفال حولت السؤال بالنسبة إلى بعض العائلات من «هل نحب العيش هنا؟» إلى «هل نريد لأطفالنا أن يعيشوا بهذه الطريقة لعشر سنوات أخرى؟».

وتشير الدراسة الإسرائيلية الجديدة إلى أن الحرب الممتدة والتوتر السياسي الداخلي كانا من العوامل التي ساهمت في بقاء الهجرة عند مستويات قياسية خلال السنوات الثلاث الأخيرة. 

وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية: الهجرة ليست بالضرورة موقفاً أيديولوجياً ضد إسرائيل. كثير من المغادرين لا يقطعون علاقتهم بها، وبعضهم قد يعود إذا تغيرت الظروف.

لكن المشكلة بالنسبة إلى الدولة هي أن «المغادرة المؤقتة» يمكن أن تتحول تدريجياً إلى استقرار دائم عندما يحصل الفرد على وظيفة، ويدخل أطفاله المدارس، وتستقر الأسرة في الولايات المتحدة أو أوروبا.

من يغادر؟ هنا تكمن المشكلة الأكبر

بيانات الكنيست في نهاية 2025 كشفت نمطاً واضحاً في الأشخاص الأكثر استعداداً للتفكير في الهجرة.

الشباب بين 18 و34 عاماً أكثر ميلاً للتفكير في المغادرة بنحو ضعفي الفئة بين 35 و54 عاماً، وبخمسة أضعاف من هم فوق 55 عاماً.

العلمانيون اليهود أكثر ميلاً إلى التفكير بالهجرة بمرتين من التقليديين غير المتدينين، وبأربعة أضعاف المتدينين والتقليديين المتدينين، وبنحو 30 ضعف الحريديم.

كما أن أصحاب الدخول المرتفعة أكثر ميلاً للتفكير في المغادرة بـ1.8 مرة من أصحاب الدخول المنخفضة، وحملة الجنسيات الأجنبية أكثر ميلاً بنحو 1.7 مرة ممن لا يحملون جنسية أخرى. 

وهذه التركيبة أخطر اقتصادياً من الرقم الإجمالي نفسه.

نزيف العقول

الدراسة التي تناولتها «فايننشال تايمز» هذا الأسبوع تشير إلى تزايد صافي خروج الإسرائيليين العاملين كأطباء ومهندسين أو الذين يمتلكون تعليماً مرتبطاً بالتكنولوجيا والعلوم والهندسة والرياضيات.

كما خلص تحليل لسلطة الضرائب الإسرائيلية إلى أن معدل مغادرة الإسرائيليين الأثرياء، وبينهم عاملون في التكنولوجيا المتقدمة والرعاية الصحية، خلال 2023 و2024 كان يقارب ضعف مستواه في 2019.

وإذا استمر النمط نفسه، يمكن أن تصل الخسارة السنوية في الإيرادات الضريبية بعد خمس سنوات إلى نحو 3.5 مليارات دولار وفق الدراسة. (Financial Times)

هذه هي نقطة الضعف الحقيقية.

إسرائيل تستطيع تعويض العدد السكاني جزئياً عبر الولادات والهجرة اليهودية إليها.

لكن من الأصعب بكثير تعويض طبيب متخصص أو مهندس أو باحث أو مؤسس شركة تكنولوجية يمتلك خيار الانتقال إلى نيويورك أو لندن أو برلين أو لشبونة.

المفارقة: مهاجرون جدد يغادرون أيضاً

هناك جانب آخر لا يجوز تجاهله حتى تكون الصورة دقيقة.

جزء مهم من ارتفاع أرقام المغادرة لا يتعلق بإسرائيليين ولدوا في إسرائيل، وإنما بأشخاص هاجروا إليها حديثاً ثم غادروها.

وأفاد الكنيست بأن 15 في المئة تقريباً من نحو 200 ألف مهاجر جديد وصلوا بين 2019 و2023 غادروا إسرائيل خلال 2024، وكانت النسبة الأكبر بين مهاجرين جدد من روسيا وجورجيا وبيلاروسيا.

وقال بنك إسرائيل في تقريره السنوي الأخير إن جزءاً مهماً من الزيادة في المغادرة خلال 2024 و2025 يعود إلى أشخاص قدموا على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية وكان بعضهم ينظر إلى إسرائيل باعتبارها ملجأً مؤقتاً.

لكن البنك يؤكد أيضاً أن هذه الظاهرة لا تفسر كل شيء. فحتى بعد استبعاد أثر هذه الهجرة المؤقتة، يبقى هناك تدهور واضح في ميزان الهجرة مقارنة بسنوات ما قبل الأزمات الأخيرة. 

ميزان الهجرة انقلب

وهذا ربما أهم رقم في التقرير كله.

بحسب بنك إسرائيل، بلغ متوسط ميزان الهجرة خلال 2016–2019 فائضاً إيجابياً بنحو 20 ألف شخص سنوياً.

أما في 2024–2025، فتحول إلى عجز بمتوسط يقارب 20 ألفاً سنوياً.

أي أن التحول بين الفترتين يساوي نحو 40 ألف شخص سنوياً في الميزان الديموغرافي. 

حتى عند تعديل الأرقام لاستبعاد جزء من الهجرة المرتبطة بروسيا وأوكرانيا، يبقى الفرق كبيراً: من فائض يقارب 27 ألفاً سنوياً قبل الأزمة إلى نحو 7.5 آلاف فقط في 2024–2025. 

وهذا أكثر دلالة من عنوان «كم إسرائيلياً غادر؟».

لأن الدولة تستطيع تحمل خروج عشرات الآلاف إذا كان عدد مماثل أو أكبر يعود أو يهاجر إليها.

المشكلة تبدأ عندما يصبح الاتجاه في اتجاه واحد.

«المغادرة بلا عودة»… هل العنوان دقيق؟

سياسياً هو عنوان قوي، لكن إحصائياً يحتاج إلى تفسير.

ليس كل من يغادر إسرائيل يغادر نهائياً.

هناك إسرائيليون يعودون، وهناك مهاجرون جدد يصلون أيضاً. وفي 2025 مثلاً شهدت إسرائيل استمرار الهجرة اليهودية إليها من دول غربية، بل سجلت زيادة من فرنسا والولايات المتحدة ودول أخرى. 

لكن المشكلة أن العودة نفسها تراجعت.

وتشير تقارير الكنيست إلى اتجاه متزامن منذ 2022: ارتفاع المغادرة طويلة الأجل وانخفاض عدد الإسرائيليين العائدين بعد إقامة طويلة في الخارج. (Knesset)

لذلك يصبح التعبير الأدق:

«مغادرة تتحول لدى شريحة متزايدة إلى استقرار طويل في الخارج».

هل نحن أمام أزمة ديموغرافية؟

ليس بالمعنى الذي يعني أن عدد سكان إسرائيل سينهار قريباً.

إسرائيل لا تزال تتمتع بمعدل ولادات مرتفع مقارنة بمعظم الدول المتقدمة، كما تستمر الهجرة اليهودية إليها. وهذا يمنع القفز إلى استنتاجات من نوع «انهيار سكاني» أو «هجرة جماعية لكل الإسرائيليين».

لكن نوعية المغادرين تخلق مشكلة مختلفة.

فإذا كان المجتمع الذي يغادر منه الشباب والعلمانيون والأكثر تعليماً وثراءً بوتيرة أعلى، بينما تنمو داخله الشرائح الأقل مشاركة تاريخياً في سوق العمل والخدمة العسكرية، فإن القضية تتحول من مشكلة عدد إلى مشكلة في تركيب المجتمع والاقتصاد.

وهذا بالضبط ما يحذر منه اقتصاديون إسرائيليون، خصوصاً في ما يتعلق بقطاع التكنولوجيا الذي يمثل أحد أعمدة الاقتصاد والصادرات والإيرادات الضريبية. 

ما الذي تقوله الظاهرة سياسياً؟

الهجرة في الحالة الإسرائيلية ليست ملفاً ديموغرافياً فقط.

إنها أيضاً تصويت بالأقدام.

فالشخص الذي يستطيع الانتقال إلى دولة أخرى ولا يرى مستقبله السياسي أو الاقتصادي أو الأمني مضموناً قد لا ينتظر الانتخابات المقبلة ليعبّر عن موقفه، بل ينتقل ببساطة.

وهذا يفسر حساسية الموضوع داخل إسرائيل.

في تشرين الأول 2025، وصف رئيس لجنة الهجرة والاستيعاب والشتات في الكنيست جلعاد كريف الظاهرة بأنها «تسونامي من الإسرائيليين الذين يختارون مغادرة البلاد». 

وفي حزيران 2026، انتقلت المسألة إلى جلسة خاصة بشأن هجرة الشباب تحديداً. 

أي أن الدولة نفسها باتت تتعامل معها باعتبارها مشكلة استراتيجية وليست مجرد دورة هجرة طبيعية.

الخلاصة… الأزمة ليست في عدد من غادروا فقط، بل في سؤال: من سيبقى؟

من السهل تحويل هذه الأرقام إلى عنوان مثير عن «هروب الإسرائيليين»، لكن القراءة الأعمق أكثر أهمية.

إسرائيل لا تواجه حتى الآن انهياراً سكانياً.

لكنها تواجه ظاهرة مختلفة وأكثر تعقيداً: ارتفاعاً مستمراً في المغادرة، تراجعاً في العودة، تحول ميزان الهجرة إلى السالب في السنوات الأخيرة، وميل الفئات الشابة والعلمانية والميسورة وحملة الجنسيات الأجنبية إلى التفكير في الرحيل بدرجة أعلى من غيرهم.

وفوق ذلك، هناك مؤشرات إلى نزيف في قطاعات التكنولوجيا والطب والهندسة.

الحرب سرعت الظاهرة، لكنها لم تخلقها وحدها.

الانقسام السياسي حول هوية الدولة بدأ قبل 7 تشرين الأول، ثم جاءت الحرب الطويلة، وانعدام اليقين الأمني، والاستدعاء العسكري، والضغط الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة لتضيف أسباباً جديدة للمغادرة.

ومن هنا يصبح السؤال الاستراتيجي بالنسبة إلى إسرائيل أكبر من رقم المهاجرين في سنة واحدة:

إذا كانت الدولة تستطيع جذب مهاجرين جدد، لكنها تخسر في المقابل جزءاً من شبابها وكفاءاتها وطبقتها المنتجة، فكيف سيبدو المجتمع الإسرائيلي بعد عشر سنوات؟

المعركة الديموغرافية هنا ليست فقط حول «كم شخصاً يعيش في إسرائيل؟».

بل حول سؤال أكثر حساسية:

«أي إسرائيل ستبقى… ومن سيختار البقاء فيها؟»

ICON NEWS

«الحقيقة مسؤولية في زمن الشائعات»

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي