آيكون نيوز | تقرير اقتصادي | 18 آب 2026
في وقت تتوزّع فيه الأضواء عادة على أعداد القتلى وخطوط النار في أزمات الشرق الأوسط، يكشف تقرير اقتصادي حديث عن جبهة أخرى أقل صخباً لكنها لا تقل دلالة: سوق السيارات العالمية، حيث أعادت الحرب في المنطقة ترتيب أولويات ملايين المستهلكين من طوكيو إلى ساو باولو، ودفعت مبيعات السيارات الكهربائية إلى قفزة لافتة لم تكن متوقعة قبل أشهر قليلة فقط.
35%… لكن ليس كما يبدو للوهلة الأولى
وفق تقرير صادر عن وكالة الطاقة الدولية، ارتفعت مبيعات السيارات الكهربائية عالمياً بنسبة 35% خلال الربع الثاني من عام 2026 مقارنة بالربع الأول منه، محققة أرقاماً قياسية في 50 دولة حول العالم. غير أن قراءة هذا الرقم تستدعي دقة: فهو نمو ربعي (Q2 مقابل Q1)، وليس نمواً سنوياً — إذ لم يتجاوز النمو على أساس سنوي 4%. والفارق بين الرقمين ليس تفصيلاً هامشياً، بل هو المفتاح لفهم ما جرى فعلاً: الربع الأول من العام شهد تراجعاً حاداً في المبيعات، ناجماً بالدرجة الأولى عن إلغاء الدعم الحكومي للسيارات الكهربائية في الولايات المتحدة وتباطؤ الاقتصاد الصيني وتقليص برامج الدعم فيه — والصين، بحكم كونها أكبر سوق كهربائية في العالم، تسحب معها الاتجاه العالمي بأكمله. فما جرى في الربع الثاني هو، جزئياً على الأقل، تعويض عن ذلك التراجع، بقدر ما هو استجابة مباشرة لصدمة الطاقة.
النفط عند 120 دولاراً… ومضيق هرمز في قلب المعادلة
الدافع الأوضح خلف هذه القفزة هو الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، بعدما قفزت أسعار النفط الخام من نحو 60 دولاراً للبرميل مطلع العام إلى ما يقارب 120 دولاراً، إثر إغلاق إيران مضيق هرمز في سياق التصعيد الإقليمي. وإذ تستحوذ المركبات البرية على نحو نصف الاستهلاك العالمي للنفط، فقد تحوّل أمن الطاقة بين ليلة وضحاها من هاجس استراتيجي بعيد إلى قرار يومي يتخذه المستهلك أمام محطة الوقود. وعلّقت الوكالة في تقريرها بأن السيارات الكهربائية "تحظى اليوم باهتمام كبير باعتبارها جزءاً من الاستجابات السياسية المحتملة"، كونها توفر لدول استيراد النفط مخرجاً لتعزيز أمنها الطاقي، وللمستهلكين والشركات حماية من تقلبات الأسعار.
جنوب شرق آسيا نموذجاً… والدول تتسابق على الحوافز
من بين أبرز تجليات هذا التحوّل، أقرّ عدد من دول جنوب شرق آسيا — وهي من أكثر مناطق العالم اعتماداً على واردات النفط، وبالتالي من أكثرها تضرراً من الأزمة — إعفاءات ضريبية مؤقتة لتحفيز شراء السيارات الكهربائية، في محاولة لامتصاص الصدمة وتسريع التحول عن الوقود الأحفوري. وسجّلت أسواق مثل أستراليا والبرازيل والهند وكوريا الجنوبية وفيتنام تضاعفاً شبه كامل في مبيعات الكهربائية منذ بداية أزمة الطاقة، مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2025، فيما تصدّرت أوروبا الترتيب من حيث الزخم، بنمو تجاوز 30% خلال النصف الأول من العام.
تسع ملايين سيارة… وتوقعات بحصة تقارب الثلث
بلغ إجمالي مبيعات السيارات الكهربائية عالمياً أكثر من 9 ملايين وحدة خلال النصف الأول من عام 2026، مع تسجيل أكثر من 90 دولة نمواً سنوياً في مبيعاتها خلال الفترة نفسها. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يستمر الزخم حتى نهاية العام، لترتفع المبيعات الإجمالية إلى نحو 23 مليون سيارة، أي ما يقارب 29 إلى 30% من إجمالي مبيعات السيارات على مستوى العالم — وذلك في وقت يُتوقع فيه أن يشهد سوق السيارات العالمي ككل تراجعاً عاماً خلال 2026، ما يجعل الكهربائية الاستثناء اللافت وسط مشهد راكد.
قراءة أعمق: أزمة تُنتج تحوّلاً هيكلياً لا موسمياً
ما يميز هذه الموجة عن أي ارتفاع عابر في الطلب هو أنها تترافق مع سياسات حكومية داعمة، لا مع اندفاع استهلاكي عفوي فحسب. فالإعفاءات الضريبية وبرامج إحلال المركبات وخطط كهربة أساطيل النقل التي تبنّتها حكومات عدة لا تُبنى عادة على ردّ فعل آني، بل تعكس قراءة استراتيجية بأن تقلبات الطاقة المرتبطة بالصراعات الإقليمية لم تعد استثناءً عابراً، بل عاملاً بنيوياً يتوجب التحوّط له. بعبارة أخرى: الحرب في الشرق الأوسط لم تُحدث فقط قفزة إحصائية في جدول أرقام فصلي، بل ساهمت في تسريع تحوّل كانت تتّجه إليه صناعة السيارات أصلاً، ولو بوتيرة أبطأ بكثير لولا صدمة أسعار النفط.
الرقم الذي يتصدّر العناوين — 35% — صحيح ومستمَد من مصدر موثوق هو وكالة الطاقة الدولية، لكنه يخصّ مقارنة ربعية لا سنوية، وينبغي قراءته ضمن سياق أوسع: ربع أول ضعيف بفعل تراجع الدعم الحكومي في أكبر سوقين عالميين، تلاه ربع ثانٍ استثنائي بفعل صدمة نفطية غير مسبوقة منذ سنوات. وبين الرقمين، تبقى الخلاصة الثابتة أن أزمة الطاقة الناجمة عن حرب الشرق الأوسط لم تعد شأناً إقليمياً محصوراً، بل تفاعلاً اقتصادياً عالمياً يعيد تشكيل خيارات الاستهلاك اليومي لملايين البشر، من مضيق هرمز إلى معارض السيارات في أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية.
آيكون نيوز
«الحقيقة مسؤولية في زمن الشائعات»
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :