تقرير خاص ICON NEWS
لبنان يصدّر أبناءه ويستورد دولاراتهم
دولة تتعطّل، و"دولة المصالح العميقة" تعمل كالساعة
هناك دولة في لبنان تتعطل كثيراً. وهناك "سيستم" نادراً ما يتعطل.
في لبنان، لم تعد الهجرة خياراً بحثاً عن الأفضل، بل أصبحت هروباً من جحيم يومي يتسع يوماً بعد يوم. إنها مأساة مزدوجة الوجع: وجع المغترب الذي يبيع عمره وشبابه في الغربة ليرسل دولارات تنقذ عائلته من الانهيار، ووجع المقيم الذي بقي ليواجه انهيار الخدمات، غلاء المعيشة، وفقدان الأمل، دون أن يجد من يسمع صرخته.
بين من رحل اضطراراً ليصبح "مصنعاً للدولارات"، ومن بقي ليكتوي بنار دولة فاشلة تعجز حتى عن توفير أبسط مقومات الحياة، يتحول المجتمع اللبناني إلى ساحة معاناة إنسانية مفتوحة. فالسلطة لا ترى في أبنائها سوى مصدر للعملة الصعبة، ولا تراعي في الباقين إلا كرامتهم التي سُلبت منذ سنوات. إنه مشهد قاتم لدولة تتخلى عن مسؤوليتها تجاه شعبها، فتصدر شبابها وتستورد صمتهم وألمهم.
تتراجع الكهرباء، فيحضر المولد. يحتاج المولد إلى المازوت، فتدخل فاتورة المحروقات. ترتفع الطاقة، فتدخل كلفتها في النقل والغذاء والإنتاج والخدمات. يتآكل دخل الأسرة، فيرن الهاتف في أفريقيا أو الخليج أو أوروبا أو أميركا. وبعد ساعات، تصل الحوالة. تُدفع الفواتير. وتستمر الحياة. ثم تبدأ الدورة من جديد.
هذه ليست حكاية مبلغ يرسله مغترب إلى والدته. إنها قصة نموذج اقتصادي كامل. والسؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس فقط: كم يدخل لبنان من دولارات المغتربين؟ بل: أين تذهب هذه الدولارات، ومن يستفيد من اقتصاد أصبح فيه المواطن يدفع ثمن الدولة وثمن البديل عنها في آن واحد؟
المغترب: شبكة الأمان التي لم تبنها الدولة
لا تحتاج أهمية الاغتراب اللبناني إلى مبالغة؛ الأرقام الرسمية كافية وحدها. فبحسب أحدث تقديرات البنك الدولي لعام 2024، شكّلت التحويلات الواردة إلى لبنان نحو 17.7% من الناتج المحلي الإجمالي، بعدما كانت قد بلغت 30.7% في عام 2023 — وهو تراجع لافت في النسبة، لكنه يعكس بشكل أساسي تقلّب حجم الناتج المحلي الاسمي أكثر مما يعكس انخفاضاً حاداً في قيمة التحويلات نفسها بالدولار، التي بقيت قريبة من معدلها التاريخي (نحو 5.8 مليار دولار في 2024 مقابل 6.7 مليار في 2023).
ومهما اختلفت النسبة الدقيقة من سنة إلى أخرى، تبقى الحقيقة الثابتة أن لبنان من أكثر عشرين اقتصاداً في العالم اعتماداً على تحويلات مواطنيه في الخارج. والأهم أن هذه الأرقام الرسمية، بحسب البنك الدولي نفسه، لا تلتقط كل الصورة: فالأموال الداخلة عبر القنوات غير الرسمية — ومنها النقد الذي يحمله القادمون معهم يدوياً — لا تظهر كاملة في هذه التقديرات. أي أن الدولار الذي يضخه الاغتراب في الاقتصاد اللبناني قد يكون أكبر مما تقوله الإحصاءات الرسمية.
هذه الأموال لا تدخل خزينة الدولة مباشرة. إنها دولارات جناها لبناني في اقتصاد آخر، ثم اقتطعها من دخله ليسند بها عائلته في وطنه. ومن هنا تبدأ القصة الحقيقية.
تعالوا نتتبع الحوالة
لنفترض أن مغترباً أرسل مبلغاً إلى أسرته. إلى أين يذهب؟
جزء للغذاء، وجزء للدواء، وجزء لقسط مدرسة أو جامعة، وجزء للمحروقات والاتصالات. وهناك جزء شبه ثابت في ميزانية عدد كبير من الأسر: الكهرباء. لكنها ليست فاتورة واحدة بالضرورة؛ هناك كهرباء الدولة، وهناك كهرباء المولد. وهنا ندخل إلى واحدة من أكثر المفارقات اللبنانية قسوة.
الدولة لا تنتج الكهرباء الكافية… لكن الكهرباء لا تختفي
وثّق البنك الدولي أن متوسط التغذية من مؤسسة كهرباء لبنان هبط خلال الأزمة إلى ساعات محدودة يومياً، وأن الأسر اتجهت بصورة متزايدة إلى مصادر بديلة لتعويض النقص. الحاجة إلى الكهرباء لم تختفِ حين تراجعت الدولة؛ الذي تغيّر هو الجهة المنتجة والكلفة التي يتحملها المواطن. فالساعة التي لا تؤمّنها الشبكة العامة يحتاج المنزل أو المتجر أو المؤسسة إلى تعويضها من مصدر آخر، وهنا يظهر المولد، والمولد يحتاج مازوتاً، والمازوت مستورد. وبذلك تتشابك أزمتان كان يفترض التعامل معهما كقطاعين منفصلين: الكهرباء والمحروقات.
المواطن يدفع ثمن النفط أكثر من مرة
حين ترتفع أسعار المحروقات، لا يدفع اللبناني الزيادة عند محطة الوقود فقط. يدفعها في سيارته، وفي فاتورة المولد، وضمن كلفة سيارة الأجرة، وفي السلعة التي نُقلت بالشاحنة، وفي المتجر الذي يحتاج إلى الطاقة والتبريد، وفي المصنع والمطعم والمستشفى وسائر حلقات الإنتاج والخدمات. زيادة واحدة في كلفة الطاقة تدخل ميزانية الأسرة من أبواب متعددة في آن واحد. وحين لا يعود الراتب كافياً لتغطية هذه الأبواب مجتمعة، تعود العائلة إلى المصدر الوحيد المتاح: المغترب.
هكذا تتحول أموال أنتجها اللبناني في الخارج إلى وسيلة لشراء بدائل عن خدمات لم تنجح الدولة في توفيرها بصورة مستقرة في الداخل.
هنا تبدأ قصة "السيستم"
الخطأ الشائع هو الاعتقاد بأن كل شيء في لبنان معطل. الحقيقة أكثر تعقيداً: الدولة قد تتعطل، لكن اقتصاد البدائل يعمل. تتعطل الكهرباء، فيوجد البديل المدفوع. تضعف خدمة عامة، فتظهر خدمة خاصة لمن يستطيع الدفع. تنهار الثقة بالمصارف، فيتوسع الاقتصاد النقدي. تتآكل الرواتب، فتحضر تحويلات الخارج. لكل أزمة تقريباً سوق أو آلية تكيّف معها.
هذا لا يعني أن صاحب مولد أو مستورد محروقات أو صاحب مدرسة خاصة هو من صنع الأزمة. لكن استمرار الأزمة لعقود يخلق مصالح اقتصادية حقيقية حول البدائل التي أنتجتها. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: من يخسر إذا نجح الإصلاح؟
السؤال الأهم ليس "من يربح؟"
من السهل الوقوع في نظرية المؤامرة، والتحقيق الجاد يجب أن يتجنبها. لا حاجة لافتراض اجتماع سري يقرر إبقاء الكهرباء مقطوعة؛ فالاقتصاد قادر على إنتاج منظومته بنفسه. حين تستمر أزمة سنوات طويلة، تنشأ حولها شركات وعقود وموردون ومستفيدون ووظائف ومصادر دخل ونفوذ. ومع الوقت، يصبح الإصلاح الحقيقي عملية إعادة توزيع للمصالح لا أكثر ولا أقل:
- إذا تحسّنت الكهرباء، يتقلّص سوق البديل.
- إذا أصبحت المنافسة حقيقية، يخسر صاحب الامتياز.
- إذا حُصّلت حقوق الدولة، يدفع من اعتاد ألا يدفع.
- إذا طُبّق القانون على الجميع، يخسر صاحب الحماية.
لذلك، السؤال الأذكى ليس "لماذا لم يحصل الإصلاح؟" بل: من سيدفع ثمنه إذا حصل؟
أين أموال الدولة؟ ملف الأملاك العامة
الدولة اللبنانية تملك عقارات وأملاكاً بحرية ونهرية وأصولاً هي ملك اللبنانيين جميعاً. وفي عام 2026، وضعت الحكومة بنفسها ملف تحصيل المستحقات المرتبطة بالأملاك العامة والمخالفات في دائرة البحث. وهنا يصبح السؤال سؤال مواطنة لا مزايدة سياسية: قبل أن تطلب الدولة من اللبناني مزيداً من الضرائب والرسوم، هل استوفت كل حقوقها ممن يستثمرون أملاكها؟ من يشغل الملك العام، وبأي بدل، وهل يتناسب هذا البدل مع القيمة الحقيقية؟ من سدد كامل مستحقاته، ومن تخلف، ومن سمح له بذلك؟
فالملك العام ليس أرضاً بلا صاحب. صاحبه هو المواطن.
حين يدخل الجبل على خط الفاتورة
لم تتوقف القصة عند المال؛ الطبيعة نفسها دفعت ثمناً. ناقشت لجنة البيئة النيابية في حزيران 2024 ملف المقالع والكسارات، وأشارت إلى وجود مئات المواقع من هذا النوع منتشرة في لبنان، معظمها يعمل خارج الضوابط والمعايير المحددة — وهو رقم يستحق التحقق منه وتوثيقه بمصدره الرسمي المباشر قبل اعتماده في أي تقرير نهائي، نظراً لتفاوت الأرقام المتداولة بين المصادر. لكن حجم الظاهرة وحده كافٍ لتحويل القضية من مخالفات فردية إلى ملف بيئي واقتصادي وطني: جبال قُضمت، ومساحات تغيّرت معالمها، وأضرار تحتاج إعادة تأهيل.
التطور الأكثر دلالة جاء لاحقاً: بحسب بيانات رسمية صدرت مطلع عام 2026 عن اجتماع لرئاسة الحكومة مع وزيري المالية والبيئة لمتابعة الضرر البيئي وكلفة إعادة التأهيل في قطاع المقالع والكسارات، أنجزت وزارة البيئة عدداً كبيراً من أوامر التحصيل المرتبطة بالضرر البيئي، فيما كانت وزارة المالية تستكمل إرسالها إلى المكلفين. هنا لم نعد أمام منظر جبل مشوّه فحسب، بل أمام ضرر له قيمة مالية محددة، وله مسؤول، وله كلفة تأهيل، وله حقوق يفترض أن تحصّلها الدولة. والسؤال الملّح: كيف وصلنا إلى هذا الحجم من المخالفات أصلاً؟ ومن راقب، ومن لم يراقب، ومن منح التراخيص، ومن نفّذ قرارات الإقفال، ومن لم ينفذها؟
سجل موازٍ: ملفات أخرى تُغذّي المنظومة نفسها
الكهرباء والمحروقات والمقالع ليست الملفات الوحيدة التي تكشف كيف يتحول ضعف الدولة إلى مورد دخل لشبكة مصالح. هناك ملفات أخرى تسير على المنطق نفسه، كل واحد منها يستحق تحقيقاً مستقلاً، لكنها جميعاً تصب في المعادلة ذاتها: خدمة تتراجع، وبديل أو ثغرة تحل محلها، ومن يستفيد من استمرار الثغرة يقاوم إقفالها.
الاتصالات: فاتورة أعلى مقابل خدمة أدنى
قطاع الاتصالات في لبنان، وهو قطاع تحتكره الدولة عبر شركتي "ألفا" و"تاتش" وشركة "أوجيرو" للخط الثابت والإنترنت، شهد منذ بداية الأزمة سلسلة من رفع التعرفات ربطتها الحكومة تباعاً بأسعار صرف متحركة بدل السعر الرسمي الثابت، ما رفع الفاتورة الشهرية للمشترك عدة أضعاف خلال فترة قصيرة. والمفارقة أن هذا الارتفاع في الكلفة لم يقترن بارتفاع مواكب في جودة الخدمة أو سرعة الإنترنت، بل جاء أساساً لتغطية عجز تشغيلي متراكم في قطاع لم يُستثمر في تحديث بنيته التحتية لسنوات. وسبق لجمعيات حماية المستهلك أن نظّمت حملات احتجاجية على غلاء التعرفة اللبنانية مقارنة بدول الجوار، في مؤشر على أن المشكلة ليست جديدة بل متكررة عبر عقدين على الأقل. وهنا يتكرر السؤال نفسه المطروح على قطاع الكهرباء: لماذا تبقى شركتان مملوكتان للدولة عاجزتين عن تقديم خدمة تنافسية رغم احتكارهما الكامل للسوق؟ ومن يستفيد من غياب الترخيص لمشغل ثالث قد يكسر هذا الاحتكار؟
التهرب الجمركي: الباب الذي يُفترض أن يكون الأكبر تمويلاً للخزينة
يُفترض أن تكون الجمارك، ومرفأ بيروت تحديداً الذي يمر عبره الجزء الأكبر من حركة الاستيراد، أحد أكبر روافد خزينة الدولة. لكن تقديرات متكررة نقلتها تقارير اقتصادية لبنانية تشير إلى أن خسائر الخزينة الناتجة عن التهرب الجمركي والتقييم المُخفَّض للبضائع عند الحدود والفوترة الوهمية تتراوح بين مليار ومليار ونصف المليار دولار سنوياً، فيما قدّرتها تقارير أقدم بما لا يقل عن 700 مليون دولار سنوياً وفق التقديرات الرسمية المتحفظة، وبما قد يصل إلى 1.2 مليار دولار وفق تقديرات غير رسمية. هذا التفاوت الكبير بين التقديرات المختلفة هو بحد ذاته مؤشر على غياب شفافية موثوقة في القطاع. وقد سجلت الحكومة في الأشهر الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في الإيرادات الجمركية عقب تشديد الرقابة على المعابر غير الشرعية، وهو ما يطرح سؤالاً مباشراً: إذا كان من الممكن مضاعفة العائدات بمجرد تشديد الرقابة، فما الذي كان يمنع هذا التشديد طوال السنوات السابقة؟ الجواب، كما في ملفات أخرى، غالباً ما يكون شبكة تهريب وتزوير عابرة للانتماءات السياسية والطائفية، تتقاسم أدوارها ومكاسبها عند المعابر والمرافئ.
استباحة الأسواق: من التسعير الحر إلى غياب الرقابة
مع انهيار سعر الصرف وتفكك آليات التسعير الرسمية، فقدت الدولة قدرتها الفعلية على ضبط أسعار السلع الأساسية في السوق، فانتقلت عملياً صلاحية "التسعير" من وزارة الاقتصاد إلى التاجر والمستورد، في غياب شبه كامل لرقابة رادعة أو معايير موحدة للربح المسموح به. النتيجة أن السلعة الواحدة قد تختلف كلفتها من محل إلى آخر ضمن الحي نفسه من دون مبرر واضح غير غياب المحاسبة. وهذا الملف، مثل غيره، لا يعني اتهام التجار جميعاً، إذ يواجه كثير منهم كلفاً حقيقية مرتبطة بالطاقة والنقل والاستيراد؛ لكنه يكشف فراغاً رقابياً تُستغَل مساحته من قبل من لا كلفة حقيقية تبرر تسعيرته.
نهش الجبال: الرمل والحصى والباطون
إلى جانب ملف المقالع والكسارات المرخصة وغير المرخصة الذي تناولناه أعلاه، هناك ملف أضيق لكنه لا يقل حدة: استخراج الرمل من الشواطئ والأنهر ومجاري المياه، وهو نشاط غالباً ما يجري خارج أي ترخيص بيئي، ويغذي بدوره صناعة الباطون والإسمنت التي تعتمد عليه. تدمير الشواطئ الرملية ومجاري الأنهر له كلفة بيئية طويلة الأمد تتجاوز بكثير أي عائد مالي مباشر يحصّله من يقوم بالاستخراج، بينما تبقى كلفة إعادة التأهيل، إن حصلت أصلاً، على عاتق الدولة لا على عاتق من استفاد من الاستخراج.
الأملاك البحرية: الشاطئ الذي لم يعد للجميع
الأملاك البحرية، بحكم القانون، ملك عام لا يجوز التصرف به إلا بترخيص وبدل يعكس قيمته الحقيقية. لكن الواقع الساحلي اللبناني يعكس صورة مختلفة: منتجعات ومنشآت أقيمت على الشاطئ العام، بعضها من دون ترخيص أصلاً، وبعضها الآخر بموجب تراخيص قديمة ببدلات إيجار لا تتناسب مع القيمة السوقية الفعلية للموقع بعد عقود من التضخم العقاري. وقد أُثير هذا الملف مراراً في النقاش العام والبرلماني حول ضرورة "تسوية" الأملاك البحرية، لكن التسوية بحد ذاتها أثارت جدلاً موازياً حول ما إذا كانت تكرّس المخالفة القائمة بدل معالجتها، عبر شرعنة وضع قائم بأثر رجعي وبأثمان تفضيلية.
الإيجارات المنتفخة والعقارات غير المستثمرة
من الملفات الأقل حضوراً في النقاش العام، لكنها لا تقل دلالة: عقود إيجار لعقارات ومساحات تستأجرها الدولة أو مؤسسات عامة بأسعار تفوق قيمتها السوقية الفعلية، بعضها لمساحات لا تُستخدم أصلاً أو تُستخدم جزئياً فقط. هذا النمط من الإنفاق يستنزف موازنات المؤسسات العامة من دون أن ينتج عنه أي خدمة إضافية للمواطن، ويثير سؤالاً مباشراً حول العلاقة بين الجهة المستأجِرة (الدولة) والجهة المؤجِّرة، ومعايير اختيار العقار، وآلية تحديد بدل الإيجار.
القطاع العقاري: رخصة البناء كسلعة
قطاع العقارات في لبنان يشهد بدوره ملفات متكررة حول رشاوى مرتبطة برخص البناء ومخالفات التنظيم المدني، حيث يتحول الحصول على رخصة أو غض الطرف عن مخالفة إلى معاملة يسهّلها الدفع غير الرسمي بدل الإجراء الإداري الشرعي. وهذا النمط ليس حكراً على لبنان، لكنه في السياق اللبناني يتقاطع مع ضعف عام في قدرة البلديات والأجهزة الرقابية على الملاحقة، ما يجعل المخالفة العقارية خياراً "مربحاً" لمن يملك القدرة على الدفع أو النفوذ الكافي لتجاوز المراقبة.
ملاحظة منهجية مهمة: الملفات المذكورة في هذا القسم موثقة بمستويات متفاوتة من الدقة. بعضها، كالتهرب الجمركي وغلاء الاتصالات، مدعوم بتقديرات رقمية من مصادر اقتصادية واضحة يمكن إسنادها بدقة. وبعضها الآخر، كالإيجارات المنتفخة أو رشاوى رخص البناء، معروف كنمط عام موثق في نقاشات عامة وبرلمانية، لكنه يفتقر إلى أرقام إجمالية موثوقة على مستوى القطاع، ويحتاج، في حال إدراجه ضمن تحقيق صحافي منشور، إلى ملفات فردية موثقة بأسماء ووقائع ومصادر مباشرة بدل التعميم. الفارق بين "نمط معروف" و"واقعة موثقة بالاسم والرقم" هو ما يفصل بين المقالة الرأي والتحقيق الاستقصائي.
أحياناً المشكلة ليست غياب القانون
هذه من أهم خلاصات الملف اللبناني. لبنان ليس بلداً بلا قوانين؛ في كثير من الملفات توجد قوانين ومراسيم ووزارات وأجهزة رقابية وقضاء وقرارات إقفال ومحاضر مخالفات. المشكلة تظهر عند نقطة التنفيذ: هل يُطبَّق القانون على الضعيف والقوي بالدرجة نفسها؟ هل يصل قرار الوزير إلى صاحب النفوذ؟ هل تستطيع الإدارة تحصيل أموال الدولة أياً كان اسم المكلف؟ هنا يبدأ الامتحان الحقيقي للدولة.
المصارف: الوجه الآخر للمعادلة
تأتي الأزمة المصرفية لتزيد المشهد سخرية. لبناني عمل داخل لبنان وأودع مدخراته في المصرف، ثم وجد نفسه بعد عام 2019 عاجزاً عن التصرف بها بصورة طبيعية. وشقيقه الذي هاجر أصبح يرسل إليه دولاراً "طازجاً" ليستطيع الاستمرار. أموال قديمة موجودة داخل النظام المصرفي، لكن الوصول إليها تعرّض لقيود وانهيار كبير في قيمتها الفعلية، بينما يحتاج الاقتصاد في المقابل إلى دولار جديد قادم من الخارج. وهكذا يصبح المغترب، مرة أخرى، جزءاً من جهاز الإنعاش.
لبنان يصدّر الإنسان ويستورد دخله
شاب يتعلم في مدرسة لبنانية، ويدخل جامعة لبنانية، وتساهم أسرته والدولة والمجتمع في تكوينه، ثم يتخرج طبيباً أو مهندساً أو ممرضاً أو صاحب اختصاص، فلا يجد الاقتصاد فرصة تناسبه، فيغادر. يستفيد اقتصاد آخر من إنتاجيته، وبعد سنوات يبدأ بإرسال جزء من دخله إلى لبنان. لبنان خسر العامل المنتج، لكنه استعاد جزءاً من راتبه؛ صدّر الإنسان واستورد الحوالة. ولعل هذه أقسى معادلات النموذج اللبناني.
من "السيستم" إلى "دولة المصالح العميقة"
بعد الكهرباء والمحروقات والمولدات والمصارف والأملاك العامة والكسارات، يصعب اعتبار كل ملف جزيرة منفصلة. هنا يظهر مصطلح مثير للجدل: "الدولة العميقة". لكن استخدامه يقتضي دقة: لا يوجد دليل على وجود قيادة سرية واحدة تدير كل هذه القطاعات، ولا يحتاج التحقيق إلى الادعاء بذلك. الوصف الأدق ربما يكون: "دولة المصالح العميقة" — شبكة متراكمة من المال والسياسة والإدارة والنفوذ، قد يختلف أطرافها في الانتخابات والتحالفات والطوائف، لكن المصالح المتجذرة تستطيع مقاومة التغيير كلما هدد الإصلاح امتيازاتها.
الوزير يتغيّر… والمصلحة تبقى
حكومة تأتي وأخرى ترحل، وزير يدخل وآخر يغادر، مدير يتقاعد، تحالف سياسي يولد وآخر ينتهي. لكن أزمة الكهرباء تعبر العقود، وملف الأملاك العامة يعبر الحكومات، والمقالع والكسارات تعود إلى الطاولة مرة بعد أخرى، والقطاع المصرفي ينتظر حلاً شاملاً منذ انفجار 2019. السؤال الأهم من أسماء الحكومات: كيف تتغير الوجوه ويبقى الخلل؟ ربما لأن تغيير الشخص أسهل بكثير من تغيير شبكة المصالح التي يعمل داخلها.
الأخطر في منظومة كهذه أنها قد لا تحتاج إلى قيادة موحدة أصلاً: الموظف يعرف الخط الأحمر، وصاحب النفوذ يعرف بمن يتصل، وصاحب المصلحة يحتاج السياسي، والسياسي قد يحتاج صاحب المال أو النفوذ. تنشأ مع الوقت قواعد غير مكتوبة، فيستطيع "السيستم" الدفاع عن نفسه من دون أن يصدر أحد أمراً مركزياً بذلك. هذه ليست حقيقة قضائية مقررة سلفاً، بل فرضية سياسية واقتصادية يجب اختبارها بالوثائق: من استفاد؟ من منح الترخيص؟ من عطّل القرار؟ من وفّر الحماية؟
المواطن خارج "السيستم"… لكنه يموّله
هنا المفارقة الكبرى: المواطن يدفع الضريبة، ثم يدفع ثمن الخدمة البديلة. يدفع للكهرباء وللمولد معاً. يدفع ثمن المحروقات مباشرة وغير مباشرة. يدفع للتعليم والصحة والنقل من جيبه حين لا تكفي الخدمة العامة. وإذا عجز، طلب من ابنه في الخارج أن يرسل المال.
وهكذا تصبح قدرة اللبناني المذهلة على التكيف جزءاً من أسباب استمرار النموذج نفسه: لا كهرباء؟ مولد. لا مياه؟ صهريج. لا نقل عام كافٍ؟ سيارة خاصة. دخل لا يكفي؟ هجرة وحوالة. لقد ابتكر اللبناني حلاً فردياً لكل مشكلة جماعية، فنجا الفرد، لكن المشكلة الجماعية بقيت.
في هذه المعادلة، لا يدفع المواطن وحده: المودع يدفع من مدخراته، والمغترب يدفع من غربته، والخزينة تدفع من المال العام، والطبيعة تدفع من جبالها وأنهارها ووديانها. والأجيال المقبلة قد تكون الطرف الوحيد الذي سيسدد الفاتورة من دون أن يكون قد شارك في صناعة النظام الذي أنتجها. فالمال يمكن تعويضه، والطريق يمكن تعبيده، والمبنى يمكن ترميمه؛ أما الجبل الذي أُزيل، فلا يعيده قرار وزاري.
الخارج قام بدوره… فماذا فعلت السلطة؟
من الإنصاف القول إن الحكومة الحالية بدأت فتح عدد من الملفات والإصلاحات، وملف تحصيل أضرار المقالع والكسارات مثال واضح على محاولة استرداد حقوق عامة. لكن المعيار ليس صدور القرار، بل النتيجة: كم حُصّل فعلياً؟ كم موقعاً أُعيد تأهيله؟ كم مخالفة أُقفلت فعلاً لا على الورق؟ كم تحسّنت ساعات التغذية الكهربائية؟ وكم مغترباً قرر أن يحوّل تحويلته من مساعدة إغاثية شهرية إلى استثمار حقيقي؟ هذه هي أرقام النجاح الوحيدة التي تستحق أن تُقاس.
يجب أيضاً تثبيت حقيقة أساسية: الدولارات التي يرسلها المغترب ليست إنجازاً لأي حكومة؛ هي إنجاز اللبناني نفسه الذي عمل ونجح واقتطع من دخله ليسند عائلته. إنجاز الدولة الحقيقي يبدأ حين يتحول دولار الاغتراب من دولار إنقاذ إلى دولار استثمار — حين يرسل المغترب المال لبناء مصنع بدلاً من دفع فاتورة مولد، وحين يعود ليستثمر لأنه يثق بالمصرف والقضاء والكهرباء والقانون، وحين يجد ابنه سبباً للبقاء في لبنان بدلاً من أن يرث عنه طريق الهجرة.
سلطة ما بعد "الزلزال": إصلاح مؤجل أم امتصاص داخل "السيستم"؟
هناك ملاحظة لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن "دولة المصالح العميقة"، وهي تتعلق بالسلطة التي تشكّلت في لبنان بعد المواجهة الكبرى مع إسرائيل وارتقاء قيادات بارزة في حزب الله، وما تلاها من تحولات إقليمية حادة.
فمطلع عام 2025، انتُخب جوزاف عون رئيساً للجمهورية وكُلّف نواف سلام تشكيل الحكومة، في مسار حظي بدعم أميركي وغربي واضح ومعلن، وحمل معه وعوداً بمساعدات دولية مشروطة بتنفيذ إصلاحات داخلية وبإرساء حصرية السلاح بيد الدولة. ومنذ ذلك الحين، تصدّر ملف نزع سلاح حزب الله سلّم أولويات هذه السلطة بشكل شبه كامل، خصوصاً بعد التصعيد الإقليمي الذي شهده مطلع عام 2026 والمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية غير المباشرة برعاية أميركية.
هنا يطرح سؤال مشروع، ويستحق أن يُطرح بصراحة: هل انشغال هذه السلطة شبه الكامل بملف السلاح والمفاوضات الخارجية جاء على حساب ملفات الإصلاح الداخلي والفساد وبناء الدولة المترهلة التي تناولها هذا التقرير؟ بمعنى آخر: هل الأولوية المطلقة لملف "الحرب والسلم" تركت مساحة ضئيلة، زمنياً وسياسياً، لمعالجة ملفات الكهرباء والجمارك والأملاك العامة والمقالع؟
فرضيتان تستحقان الفحص، لا فرضية واحدة تُعتمد كحقيقة
الفرضية الأولى، وهي التي يطرحها كثيرون: أن هذه السلطة تدرك أنها وصلت إلى الحكم في لحظة إقليمية ودولية معينة، وأن استمرارها أو رحيلها مرتبطان إلى حد كبير بموقف الراعي الخارجي الداعم لها، وأن هذا الإدراك يدفعها إلى تركيز كامل طاقتها السياسية على إرضاء ذلك الراعي عبر ملف السلاح تحديداً، بينما تُترك ملفات الإصلاح الداخلي لمرحلة لاحقة، إما لأنها غير ذات أولوية بالنسبة لمن يمنحها الغطاء الخارجي، أو لأن السلطة نفسها تتجنب فتح معارك داخلية موازية قد تُضعف موقعها في المعركة الكبرى التي اختارت خوضها أولاً.
الفرضية الثانية، وهي مكملة للأولى لا نقيضة لها بالضرورة: أن العائق ليس فقط أولوية خارجية مفروضة، بل أن السلطة الجديدة، رغم خطابها الإصلاحي المعلن، دخلت -مثل كل من سبقها- في السيستم اللبناني القائم منذ عقود، بتوازناته الطائفية ومراكز نفوذه وشبكات مصالحه المتجذرة في الإدارة والقضاء والبلديات، ووجدت نفسها، ولو بحسن نية، تدير هذا السيستم بدل أن تفككه، تماماً كما فعلت حكومات سابقة رفعت شعارات الإصلاح دون أن تغيّر جوهر المعادلة.
الفرضيتان ليستا متناقضتين، وقد تتفاعلان معاً: سلطة مثقلة بملف وجودي (السلاح والحرب والسلم) لا تترك لها هامشاً زمنياً كافياً، وفي الوقت نفسه سلطة تصطدم، حين تحاول التحرك على الملفات الداخلية، بمقاومة شبكة مصالح راسخة لا تقل قوة عن أي تعقيد خارجي.
ما يمكن قوله بالوقائع، وما يبقى تفسيراً سياسياً
من المهم هنا الفصل بين ما هو موثق وما هو تفسير أو فرضية سياسية:
الموثق: أن الحكومة الحالية حظيت بدعم أميركي وغربي معلن منذ تشكيلها؛ وأن ملف حصرية السلاح ونزع سلاح حزب الله تصدّر بياناتها الوزارية وتصريحات رئيسها ورئيس الجمهورية بشكل شبه يومي طوال عامي 2025 و2026؛ وأن مفاوضات غير مباشرة بين لبنان وإسرائيل جرت برعاية أميركية مباشرة خلال هذه الفترة؛ وأن وعوداً بمساعدات دولية بمليارات الدولارات بقيت مشروطة بتقدم متزامن على مسارَي السلاح والإصلاح.
أما القول بأن هذه السلطة "ممنوعة" من القيام بإصلاحات جوهرية قبل حسم ملف السلاح، أو أنها "دخلت في السيستم" بمعنى تماهت معه، فهو تفسير سياسي يحتاج إلى دليل مباشر لا إلى استنتاج من توقيت الأحداث وحده. فقد سجّل هذا التقرير نفسه، في أقسامه السابقة، خطوات فعلية بدأت بها الحكومة الحالية تحديداً في ملفات الأملاك العامة والمقالع والكسارات وتشديد الرقابة الجمركية -وهي خطوات، وإن بقيت غير كافية بمعيار النتيجة، تصعب المصالحة بينها وبين فرضية "المنع الكامل" من الإصلاح. في المقابل، يبقى وزن ملف السلاح في الأجندة السياسية والزمن السياسي المتاح لافتاً بما يكفي لطرح السؤال بجدية.
السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً
ربما يكون الجواب الأصدق ليس "نعم" أو "لا" حاسمة، بل الاعتراف بأن هذه السلطة تواجه معادلة مزدوجة: التزام خارجي ثقيل الوزن السياسي يستهلك جزءاً كبيراً من رأسمالها ووقتها، وسيستم داخلي عصيّ على التفكيك أثبت عبر عقود قدرته على استيعاب كل من حاول تغييره أكثر من قدرته هو على التغيّر. وبين هذين الثقلين، يبقى السؤال الذي طرحه هذا التقرير من عنوانه الأول قائماً بلا إجابة نهائية بعد: هل تنتظر ملفات الكهرباء والجمارك والأملاك العامة دورها فعلاً، أم أنها ببساطة ليست في سلّم أولويات أي سلطة، أياً كانت هويتها أو من دعمها إلى الحكم؟
المعادلة التي يجب كسرها
يمكن تلخيص جانب كبير من النموذج الذي ترسّخ خلال سنوات الأزمة بهذه السلسلة:
دولة ضعيفة ← خدمة ناقصة ← بديل خاص ← كلفة مرتفعة ← دخل لا يكفي ← هجرة ← تحويلات ← تمويل كلفة البديل — ثم تعاود الدورة من جديد.
كسر هذه الحلقة لا يعني محاربة القطاع الخاص، ولا اتهام كل صاحب مولد أو مستورد أو مؤسسة تعليمية خاصة بصناعة الأزمة. يعني بناء دولة تجعل البديل خياراً لا ضرورة: دولة تؤمّن الخدمة، وتفرض المنافسة، وتمنع الاحتكار حيث يثبت، وتحصّل حقوقها، وتنشر المعلومات، وتنفّذ قراراتها، وتحاسب المخالف مهما كان غطاؤه.
السؤال الذي يجب أن يبقى للتاريخ
بعد عشرين عاماً، حين يعود الباحث إلى هذه المرحلة من تاريخ لبنان، قد يقف أمام مفارقة يصعب تفسيرها: بلد يملك واحداً من أوسع الانتشارات البشرية في العالم، وأبناؤه يرسلون إليه مليارات الدولارات سنوياً، ويملك موقعاً جغرافياً استثنائياً وأملاكاً عامة وطاقات بشرية وجامعات وأطباء ومهندسين ورجال أعمال منتشرين في العالم — وفي الوقت نفسه، كانت عائلة فيه تحتاج إلى مولد خاص للحصول على الكهرباء، وإلى ابن في الخارج كي تستطيع دفع الفاتورة.
عندها لن يكون السؤال: كيف استطاع اللبناني الصمود؟ فاللبناني أثبت مراراً أنه يعرف كيف يصمد. السؤال سيكون: كيف استطاعت منظومة الأزمات نفسها أن تصمد كل هذا الوقت؟ من استفاد، ومن حمى، ومن عرقل، ومن واجه، ومن حوسب؟ ولماذا تغيرت الحكومات والوزراء والتحالفات، فيما بقيت أزمات عمرها عقود على حالها؟
وهنا نصل إلى السؤال الأخطر: هل عجزت الدولة عن تفكيك "السيستم"، أم أن "دولة المصالح العميقة" أصبحت، مع مرور الزمن، جزءاً من الطريقة التي يعمل بها النظام نفسه؟
فالخارج قام بدوره، والمواطن قام بدوره، والمودع دفع الثمن، والمغترب دفع من غربته، وحتى الجبل دفع من صخره. ويبقى أمام السلطة أن تثبت أن الدولة تستطيع أن تعمل، يوماً ما، بالدقة نفسها التي عملت بها منظومة المصالح.
فالحقيقة الأكثر إيلاماً ليست أن الدولة اللبنانية تعطلت كثيراً — بل أن الفاتورة لم تتعطل يوماً.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :