تلة علي الطاهر... تلة في قلب وطن

تلة علي الطاهر... تلة في قلب وطن

 

 

 

 


د. رشا ابو حيدر 


ليست تلة علي الطاهر مجرد مرتفعٍ جغرافي في الجنوب، ولا مجرد نقطة عسكرية تتنافس عليها القوات على خرائط العمليات. ما يجري حولها يكشف، في جانب أساسي منه، جوهر الحرب الدائرة على الجنوب: من يملك الأرض، ومن يملك حق رسم معادلاتها الأمنية والسياسية بعد الحرب؟
لهذا تبدو التلة أكبر من حجمها.
إسرائيل تتعامل معها باعتبارها موقعاً حاكماً في منظومة المرتفعات الجنوبية، يتيح الرصد والإشراف على مساحة واسعة، ويعزز قدرتها على تثبيت وجودها العسكري. ولذلك فإن الإصرار الإسرائيلي عليها لا يمكن فصله عن مشروع أوسع يتجاوز احتلال نقطة أو تلة، إلى محاولة فرض واقع جغرافي وأمني جديد على جنوب لبنان.
أما حزب الله، فخطابه الذي يقلل من الأهمية الاستراتيجية للتلة لا يلغي حقيقة إصراره على منع إسرائيل من تحقيق مكسب مجاني فيها. فالمعادلة بالنسبة إليه ليست: «تلة سقطت أو لم تسقط»، وإنما: هل تستطيع إسرائيل أن تجعل من السيطرة على المرتفعات الجنوبية أمراً واقعاً دائماً؟
وهنا تكمن أهمية المعركة.
إسرائيل تريد أن تحول التفوق العسكري إلى جغرافيا سياسية. فهي لا تبحث فقط عن إبعاد الخطر عن مستوطنات الشمال، بل عن منطقة جنوبية تكون فيها حركتها العسكرية أكثر حرية، ويكون فيها حزب الله أقل قدرة على المناورة والاقتراب من الحدود.
وفي المقابل، يدرك حزب الله أن قبول هذا الواقع يعني، عملياً، انتقال الحرب من مواجهة عسكرية إلى إعادة رسم لقواعد الاشتباك. لذلك يصبح الدفاع عن المواقع، حتى تلك التي قد تبدو محدودة الأهمية بحد ذاتها، جزءاً من معركة أوسع عنوانها منع فرض معادلة إسرائيلية جديدة بالقوة.
ومن هنا يمكن فهم التناقض الظاهري: لماذا يقلل الحزب من أهمية التلة، ثم يتمسك بها ويقاتل حولها؟
لأن الاعتراف بأن التلة «مفتاح الجنوب» يخدم الرواية الإسرائيلية، بينما التخلي عنها بلا كلفة يخدم المشروع الإسرائيلي على الأرض. ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست على قيمة التلة في ذاتها، بل على ثمن السيطرة عليها وثمن الاحتفاظ بها.
وهذا يقود إلى نقطة أكثر أهمية: إسرائيل قد تستطيع السيطرة على مرتفع، لكنها لا تستطيع بمجرد رفع العلم أن تضمن أن يصبح المرتفع جزءاً مستقراً من معادلتها الأمنية. فالاحتلال شيء، وتثبيت الاحتلال شيء آخر. والسيطرة العسكرية شيء، وتحويلها إلى مكسب سياسي دائم شيء مختلف تماماً.
لهذا فإن علي الطاهر ليست اختباراً لحزب الله وحده، بل اختبار لإسرائيل أيضاً.
فإذا تمكنت من تثبيت سيطرتها على التلة وربطها بسلسلة من المواقع والمرتفعات، تكون قد قطعت خطوة إضافية نحو فرض حزام أمني جديد في الجنوب. أما إذا تحولت التلة إلى موقع يحتاج باستمرار إلى الحماية ويستنزف القوات المنتشرة فيه، فإن المكسب الميداني قد يتحول إلى عبء سياسي وعسكري.
وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى علي الطاهر بمعزل عن الصورة الأكبر.
المعركة ليست معركة تلة، بل معركة على الجنوب نفسه: حدوده، أمنه، دوره في المعادلة اللبنانية، وشكل العلاقة بين لبنان وإسرائيل في المرحلة المقبلة.
ولهذا السبب تحديداً تتجاوز أهمية علي الطاهر موقعها الجغرافي. إنها واحدة من النقاط التي ستكشف ما إذا كانت إسرائيل قادرة على تحويل تفوقها العسكري إلى واقع سياسي دائم، أم أن الجغرافيا الجنوبية ستبقى عصية على إعادة تشكيلها بالقوة.
ففي الحروب الكبرى، لا تكون المعركة دائماً على الأرض التي تحت الأقدام؛ أحياناً تكون المعركة على الأرض التي يريد كل طرف أن يرسم عليها مستقبل المنطقة. وعلي الطاهر واحدة من هذه المعارك.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي