الجنوب على فوهة «علي الطاهر»… الـ..ـعـ.ـدو يهدم القرى ويختبر حدود الهدنة قبل معركة أكبر

الجنوب على فوهة «علي الطاهر»… الـ..ـعـ.ـدو يهدم القرى ويختبر حدود الهدنة قبل معركة أكبر

 

 

 

 

الجنوب على فوهة «علي الطاهر»… العدو يهدم القرى ويختبر حدود الهدنة قبل معركة أكبر

تقرير ميداني حتى فجر الأربعاء 19 آب 2026

لا يعيش الجنوب اللبناني وقفاً فعلياً لإطلاق النار، بل مرحلة انتقالية شديدة الخطورة بين حرب لم تنتهِ واحتلال يحاول تثبيت نفسه فوق الأرض. فما جرى خلال الساعات الأخيرة لا يندرج في إطار خروقات متفرقة، بل يكشف عملية إسرائيلية مركّبة تجمع بين القصف، وهدم المنازل، وتجريف الأراضي، وقطع طرق العودة، وتدمير مرافق المياه، بالتوازي مع الضغط لانتزاع مرتفعات «علي الطاهر» الاستراتيجية.

المشهد الميداني خلال الساعات الأخيرة

شهد مساء الثلاثاء سلسلة عمليات هدم واسعة نفذتها قوات الاحتلال في تلوسة وزوطر الشرقية وكونين وحولا، فيما دوّت أصوات التفجيرات في القرى المحيطة، بالتزامن مع قصف مدفعي وتمشيط بالرشاشات الثقيلة طال محاور ميفدون، حدثا، عيتا الجبل، زوطر الشرقية ومحيط تلال علي الطاهر.

وفي القطاع الغربي، تحولت بلدة المنصوري في قضاء صور إلى نقطة ضغط ميداني متقدمة. فقد استهدفت غارة فجراً مبنيين من ثلاث طبقات، أعقبها قصف مدفعي ونيران دبابات «ميركافا» باتجاه وسط البلدة، ثم نفذت الجرافات الإسرائيلية أعمال تجريف داخل الأراضي البلدية. ولم يتوقف الاعتداء عند المنشآت السكنية، إذ فجّرت قوات الاحتلال خزان المياه العام الذي يغذي البلدة، في خطوة تتجاوز الضرورة العسكرية المزعومة إلى استهداف مباشر لشروط بقاء السكان وعودتهم.

أما في القطاع الأوسط، فقد نفذت قوات الاحتلال تفجيرات داخل عيناتا، وهدمت منازل في كونين، ومشطت بالأسلحة الرشاشة أطراف حدثا وعيتا الجبل، بينما استمر القصف باتجاه زوطر الشرقية وميفدون.

وفي القطاع الشرقي، سُجلت عمليات هدم في تلوسة وحولا ومحيط شبعا، حيث شوهدت جرافة إسرائيلية تعمل قرب بركة النقار بحماية دبابتين من طراز «ميركافا». كما أطلقت المدفعية سبع قذائف باتجاه مجرى نهر إبل السقي، فيما ثبت الاحتلال منذ أكثر من أسبوع بوابة حديدية على جسر عين عرب، مانعاً أهالي البلدة المهجّرة من العودة إليها.

كذلك استهدفت الطائرات الحربية أطراف دير سريان، بينما طاول القصف المدفعي دوحة كفررمان ومرتفعات علي الطاهر. وأظهرت الحصيلة الميدانية أن الاحتلال استهدف خلال يوم الاثنين وحده ما لا يقل عن عشر بلدات، قبل أن تتوسع عمليات الهدم والقصف مساء الثلاثاء. وتوثّق هذه العمليات حتى ساعة متأخرة من الليل.

خريطة التصعيد… أربعة محاور لهدف واحد

يمكن قراءة التحرك الإسرائيلي عبر أربعة محاور مترابطة.

محور المنصوري ومجدل زون غرباً، حيث يحاول الاحتلال توسيع نطاق سيطرته على امتداد الساحل وقطع الطريق أمام عودة السكان.

محور بنت جبيل، ويشمل كونين وعيناتا وحدثا وعيتا الجبل، حيث تتواصل التفجيرات والتمشيط وإحراق الأبنية.

محور مرجعيون وحاصبيا، من تلوسة وحولا إلى عين عرب وشبعا، حيث تُنشأ بوابات وحواجز وتُجرّف طرق وأراضٍ بما يوحي بعمل هندسي طويل الأمد.

ومحور النبطية شمال الليطاني، حيث تقع زوطر الشرقية والغربية وميفدون وكفررمان ومرتفعات علي الطاهر، وهو الأخطر لأنه يمس عمق الجنوب ويتجاوز المنطقة التي يحاول الاحتلال تكريسها تحت اسم «الخط الأصفر».

«علي الطاهر»… العقدة التي قد تفجّر الميدان

تقع مرتفعات علي الطاهر بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، شمال نهر الليطاني، ويبلغ ارتفاعها نحو 600 متر. وتمتد السلسلة باتجاه كفررمان، وتشرف على مدينة النبطية والطرق المؤدية إليها، كما تواجه قلعة الشقيف وتكشف محاور واسعة بين النبطية والليطاني وإقليم التفاح.

لذلك لا تشكل السيطرة عليها مجرد تقدم جغرافي، بل تمنح الطرف المسيطر قدرة على الرصد والنار وتهديد النبطية ومراقبة شبكة الطرق الحيوية في عمق الجنوب. كما أن وصول الاحتلال إليها سيعني توسيع احتلاله إلى شمال الليطاني وخلق نقطة ارتكاز تتجاوز بصورة خطيرة الحدود التي رسمها لنفسه بعد الحرب. وتشرح [المعطيات الجغرافية والعسكرية للمرتفع] سبب تحوله إلى مركز المواجهة.

يزعم العدو وجود منشآت قيادة وأنفاق استراتيجية للمقاومة تحت المرتفعات، لكن هذه الادعاءات لم تخضع لتحقق مستقل، وتستخدمها تل أبيب لتبرير القصف والتحضير لعملية برية محتملة.

في المقابل، أعلن النائب حسن عز الدين أن المقاومة لن تتخلى عن علي الطاهر وستتصدى لأي عدوان يستهدفه، مؤكداً أن الموقع يمثل إحدى النقاط الأساسية في منظومة الدفاع عن الجنوب. وهذا الموقف يرفع سقف المواجهة ويجعل أي محاولة إسرائيلية لاقتحام المرتفعات مرشحة للتحول من عملية موضعية إلى معركة مفتوحة.

من المجزرة إلى التهجير المتجدد

جاءت التطورات الأخيرة بعد المجزرة التي ارتكبها العدو في أنصار ودير الزهراني في 15 آب، وأسفرت عن استشهاد 11 شخصاً، بينهم ثلاثة أطفال وامرأتان، وإصابة 19 آخرين. وكانت تلك الاعتداءات الأكثر دموية منذ وقف إطلاق النار في حزيران، وأدت إلى موجة نزوح جديدة من قرى عاد إليها بعض الأهالي حديثاً. ووفق ، كان استهداف الوادي المحاذي لأنصار من أعمق الغارات منذ شهرين.

كما رصدت «اليونيفيل» ارتفاعاً كبيراً في النشاط العسكري الإسرائيلي، إذ سجلت بين 5 و16 آب معدلاً بلغ 137 مقذوفاً يومياً، بينها 208 مقذوفات يوم السبت و185 يوم الأحد. هذه الأرقام تنفي عملياً توصيف ما يجري بأنه مجرد حوادث أمنية محدودة، وتؤكد أن الجنوب يتعرض لحملة نارية متواصلة ومنظمة. [تحذير اليونيفيل من تصاعد الاعتداءات] شدد على أن المدنيين يدفعون الثمن الأكبر.

هندسة احتلال لا مجرد عمليات عسكرية

تدمير خزان مياه المنصوري، وإحراق منزل في زوطر الشرقية، وتفجير البيوت في تلوسة وكونين وحولا، ووضع بوابة حديدية في عين عرب، وتجريف الأراضي وقطع الطرق، ليست أحداثاً منفصلة.

إنها أدوات ضمن سياسة واحدة هدفها جعل القرى غير قابلة للحياة، ومنع عودة السكان، وتحويل خطوط التقدم العسكري إلى حدود أمر واقع. فالعدو لا يكتفي بالسيطرة النارية، بل يعمل على محو البنية المدنية والزراعية التي تسمح للناس بالبقاء.

ويضاف إلى ذلك إشعال الحرائق وتجريف الأحراج والبساتين واقتلاع الأشجار، وهي سياسة أدت، وفق إفادات الدفاع المدني ومصادر بيئية، إلى احتراق مساحات واسعة في قرى حدودية عدة. وبذلك تصبح الحرب حرباً على الأرض والذاكرة والرزق، لا على مواقع عسكرية مزعومة فقط.

الجيش ينفذ… والاحتلال يعرقل

أكد قائد الجيش العماد رودولف هيكل أن المؤسسة العسكرية تواصل تنفيذ المهمات المتعلقة باتفاق الإطار ضمن الإمكانات المتوافرة، بينما تستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وخروقاتها. وهذا الموقف الرسمي يضع المسؤولية مباشرة على الجانب الإسرائيلي، ويدحض المحاولات الرامية إلى تحميل الجيش اللبناني مسؤولية تعثر تنفيذ الاتفاق. جاء واضحاً في تأكيد استمرار الخروقات الإسرائيلية.

أما تل أبيب، فتربط انسحابها بنزع سلاح المقاومة، بعدما أعلن وزير الحرب يسرائيل كاتس أن جيش الاحتلال يستعد لـ«وجود طويل» داخل الجنوب. وردت واشنطن بأن الوجود العسكري الإسرائيلي الدائم يتعارض مع التعهدات الواردة في الاتفاق. وتؤكد أن إسرائيل تحاول قلب تسلسل الاتفاق: فبدلاً من الانسحاب وفتح المجال أمام انتشار الجيش، تريد بقاء الاحتلال حتى تنفيذ جميع شروطها الأمنية.

ما الذي يريده العدو؟

الهدف الأول هو تثبيت «الخط الأصفر» كمنطقة احتلال فعلية لا كخط عسكري مؤقت.

الهدف الثاني هو توسيع المنطقة غرباً وشمالاً عبر المنصوري ومجدل زون وحدثا وبراشيت، والضغط باتجاه تبنين وبيت ياحون.

الهدف الثالث هو السيطرة على علي الطاهر، بما يمنح العدو إشرافاً مباشراً على النبطية ومحاور شمال الليطاني.

الهدف الرابع هو إفراغ القرى من سكانها وتحويل العودة إلى مسألة تفاوضية يمكن مقايضتها بملفات السلاح والانتشار الأمني.

أما الهدف السياسي، فهو دفع لبنان إلى تقديم تنازلات متتالية تحت النار، فيما تحتفظ إسرائيل بحق القصف والاحتلال والهدم من دون تنفيذ انسحاب متوازٍ.

إلى أين يتجه الميدان؟

السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القصير هو استمرار التصعيد المحسوب: قصف يومي، وتفجيرات، وتجريف، ومحاولات تقدم محدودة، مع إبقاء الحرب الشاملة معلقة كسيف فوق المفاوضات.

السيناريو الأخطر يتمثل في إطلاق عملية برية واسعة للسيطرة على علي الطاهر. معركة كهذه لن تبقى بالضرورة محصورة في التلة، لأن المقاومة أعلنت استعدادها للدفاع عنها، ولأن موقعها يرتبط مباشرة بكفرتبنيت وزوطر والنبطية وقلعة الشقيف.

أما الانفجار الشامل، فيصبح أكثر احتمالاً إذا سقط عدد كبير من الشهداء، أو حاول الاحتلال فرض سيطرته الكاملة على المرتفعات، أو انهارت قنوات الاحتواء الأميركية والإقليمية. وقد تحدثت تقارير إعلامية عن تدخل أميركي لوقف توسع التصعيد خلال عطلة نهاية الأسبوع، لكن ذلك لا يشكل ضمانة، خصوصاً مع استعداد نتنياهو لاستثمار أي إنجاز عسكري قبل الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول.

الخلاصة

الميدان الجنوبي لا يقف أمام خرق جديد للهدنة، بل أمام محاولة لإعادة رسم الجغرافيا بالقوة. العدو يهدم القرى ويقطع المياه ويغلق الطرق ويمنع الأهالي من العودة، فيما يختبر إمكان الوصول إلى علي الطاهر من دون إشعال حرب واسعة.

المشكلة لم تعد في تفسير نوايا إسرائيل؛ أفعالها تشرحها بوضوح. السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الدولة اللبنانية ستواصل الرهان على تفاوض يجري تحت القصف، أم ستطالب بضمانات ملزمة توقف الاعتداءات وتفرض الانسحاب قبل أن يتحول «الخط الأصفر» من تسمية عسكرية مؤقتة إلى شريط احتلال جديد.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي