خاص Icon News
إيران: صمود دولة في وجه عدوان همجي... والعالم يتشظى على حافة الهاوية
---
بيروت – واشنطن – طهران – الخرطوم – كييف – هافانا
تتسارع الأحداث في العالم بوتيرة تصاعّدية غير مسبوقة، فيما يبدو أن عام 2026 سيُسجَّل كعامٍ مفصليٍّ في تاريخ العلاقات الدولية المعاصرة. ففي لبنان، حيث تتصاعد الغارات الإسرائيلية على الجنوب وتستهدف محيط النبطية، تُعقد في العاصمة الأمريكية جولة مفاوضات ثالثة بين بيروت وتل أبيب وسط هدنة هشّة. وفي الوقت ذاته، يحترق السودان بحربٍ أهلية تُعيد إلى الأذهان صور رواندا، وتتصاعد التوترات في أوروبا على خلفية التجديد النووي وغزو روسيا لأوكرانيا، بينما تتشبث كوبا بروابطها مع الصين رغم العقوبات الأمريكية المتجددة. لكن الحدث الأبرز الذي يُعيد رسم خريطة النظام الدولي هو العدوان الهمجي الذي تعرّضت له الجمهورية الإسلامية الإيرانية في 28 فبراير 2026.
---
إيران: دولة صامدة في وجه عدوان يخالف القانون الدولي
في صبيحة يوم السبت 28 فبراير 2026، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل عدواناً جوياً منسّقاً على أراضي الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في خرق صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. فقد استهدفت الغارات الجوية – التي أُطلق عليها عملية "الغضب الأسطوري" أمريكياً و"زئير الأسد" إسرائيلياً – قيادات سياسية وعسكرية إيرانية رفيعة المستوى، من بينها المرشد الأعلى علي خامنئي، ورئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، وقائد الحرس الثوري محمد بكبور، ووزير الدفاع أمير ناصرزاده، وعدد من كبار المسؤولين الأمنيين.
لكن ما يُثير الاستنكار الدولي هو أن هذا العدوان وقع في خضم مفاوضات دبلوماسية كانت تُظهر بوادر نجاح. فقد أكد الوسيط العماني بدر البوسعيدي – الذي كان يتوسط المحادثات الأمريكية الإيرانية – أن "اتفاقاً على التواصل قد تم التوصل إليه"، وأن إيران وافقت على "التزام صفري بتخزين المواد النووية" يتجاوز اتفاق 2015، مع السماح بتفتيشات كاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية. وكان من المقرر أن تُستأنف المفاوضات الفنية في فيينا الأسبوع التالي. ثم فجأة، بدأ القصف.
وقد أدان أكثر من 100 خبير دولي في القانون الدولي هذا العدوان، معتبرين أنه "خرق واضح لميثاق الأمم المتحدة"، وأن تصرفات القوات الأمريكية "تُثير مخاوف جدية من انتهاكات القانون الإنساني الدولي، بما في ذلك جرائم حرب محتملة". وأشاروا إلى أن تصريحات مسؤولين أمريكيين وصفوا فيها قواعد الاشتباك بأنها "غبية" وأن "القتالية" تتقدم على "الشرعية"، وهو ما يُعدّ "مقلقاً بشكلٍ عميق".
صمود إيران: دولة لم تنهَار رغم محاولة "قطع الرأس"
رغم محاولة "قطع الرأس" التي استهدفت قيادتها السياسية والعسكرية، ورغم مقتل أكثر من ألفي مواطن إيراني وتدمير البنية التحتية، لم تنهَر الجمهورية الإسلامية. بل على العكس، أظهرت إيران قدرةً مُذهلةً على الصمود والمقاومة. فقد ردّت إيران بضربات صاروخية وبالستية استهدفت قواعد أمريكية في ثماني دول خليجية، ونجحت في إغلاق مضيق هرمز – الشريان الحيوي لـ20% من التجارة العالمية للنفط – مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط إلى 120 دولاراً للبرميل.
وقد أبرزت مجلة "ذا أتلانتيك" – في تقريرٍ لها بعنوان "صمود إيران غير المتوقع" – أن إيران، رغم تدمير قواتها البحرية والجوية وانهيار اقتصادها، تمكنت من "ابتكار أشكال جديدة من النفوذ"، فأصبحت تُشرف على حركة الملاحة في مضيق هرمز وتفرض رسوماً بالعملات المشفرة واليوان الصيني. وكتبت المجلة: "حتى في حالتها المُنْهَكة، تمكنت القوات الإيرانية من ردع السفن المعادية ومناورة أنظمة الدفاع الجوي، محافظةً على سيطرتها على المضيق".
وقد ساهمت 47 عاماً من العقوبات الأمريكية في جعل إيران "ذاتية الاكتفاء"، حيث يتم تصنيع 90% من احتياجاتها الغذائية محلياً، ولا تعتمد على محطات التحلية للمياه إلا بنسبة 3%، مقارنةً بدول الخليج التي تعتمد عليها بنسبة تتراوح بين 70% و100%. كما أنها لا تملك قروضاً نشطة لصندوق النقد الدولي أو ديوناً مستحقة، مما منحها مرونةً اقتصاديةً رغم الدمار.
الجريمة التي هزّت الضمير الإنساني: مدرسة "شجرة طيبة"
لم يكن العدوان مجرد استهداف عسكري، بل شمل جرائم ضد الإنسانية لا تُغتفر. ففي إحدى أولى الضربات، دُمّرت مدرسة "شجرة طيبة" في مدينة ميناب جنوب إيران، مما أدى إلى مقتل 175 فتاةً تتراوح أعمارهن بين 7 و12 عاماً، وإصابة 95 آخرين بجروح خطيرة. وقد أكد تحقيق لـ"الجزيرة" أن المدرسة كانت "مبنى مدنياً واضحاً، منفصلاً عن أي موقع عسكري منذ أكثر من عشر سنوات"، وأن الضربة وقعت في الساعة العاشرة صباحاً أثناء بدء اليوم الدراسي.
لبنان: بين النار والمفاوضات
لم يَعُد الجنوب اللبناني مجرّد ساحة مواجهة عابرة، بل بات رمزاً لاستحالة التسويات السريعة في منطقة تفتقر إلى الاستقرار. فبينما تُطلق مسيّرات حزب الله ضرباتها صوب شمال إسرائيل وتُصيب عشرات الجنود، يُخصّص نتنياهو 700 مليون دولار لتطوير منظومات دفاعية جديدة لمواجهة ما بات يُعرف بـ"كابوس المسيّرات".
ويحاول العدو الاسرائيلي تسجيل نقاط في الجنوب كأحتلال قلعة الشقيف كونها نقطة استراتيجية كي يستفيد منها في الميدان ويفرض شروطه على طاولة المفاوضات.
وفي المقابل، تتشبّث بيروت بوقف إطلاق النار الكامل والانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، بينما تشترط تل أبيب نزع سلاح الحزب كشرطٍ مسبق لأي تسوية. وتتراجع السلطة اللبنانية بين فكّي كماشة: فوليد جنبلاط يحذّر من أن "نزع السلاح قد يقود لحرب أهلية"، والجيش اللبناني يتعرض لحصار غربي غير مسبوق فيما المقاومة في الميدان تسطر اسمى آيات البطولات.
السودان: حرب أهلية تُعيد رسم الخريطة
لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع بين الجيش و"الدعم السريع"، بل باتت كارثة إنسانية تهدّد بتمزيق الدولة. ففي أبريل الماضي، أعلنت محكمة العدل الدولية أنها ستنظر في دعوى السودان ضد الإمارات العربية المتحدة بتهمة تمويل "الدعم السريع"، وهو قرار أثار توتراً دبلوماسياً بين الخرطوم وأبوظبي.
وفيما تتزايد المخاوف من تفكيك الدولة، تتصاعد أعمال العنف في دارفور والخرطوم، وتقدّر الأمم المتحدة أن أكثر من 15 مليون سوداني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة. وفي ظل انسداد الأفق السياسي، يبدو أن السودان يتجه نحو تقسيمٍ فعلي، مع سيطرة "الدعم السريع" على غرب البلاد والجيش على شرقها.
أوكرانيا: حرب متجذرة وسلامٌ بعيد المنال
بعد أكثر من ثلاث سنوات على الغزو الروسي، لا تزال أوكرانيا تدفع ثمناً باهظاً. فقد أصدر الرئيس زيلينسكي في مايو الجاري أمراً بحظر سفر جميع الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و60 عاماً، وهو قرار يعكس حجم الاستنزاف البشري الذي تعانيه البلاد.
وفيما تتعثر المفاوضات بين موسكو وكييف، تتصاعد التوترات بين روسيا والغرب. فقد أعلنت روسيا في مايو الجاري عن توسيع قدراتها النووية التكتيكية، فيما تسعى دول أوروبا – وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا – إلى تعزيز حضورها العسكري في أوكرانيا. وفي ظل تباطؤ المساعدات الأمريكية، يبدو أن الحرب قد تستمر لسنوات أخرى.
أوروبا: بين التجديد النووي والانقسام السياسي
لا تخلو الساحة الأوروبية من تحولات عميقة. ففي فرنسا، أعلنت الحكومة في مايو الجاري عن خطط لبناء 14 مفاعلاً نووياً جديداً بحلول عام 2050، وهو مشروع يهدف إلى تقليل الاعتماد على الغاز الروسي.
وفي ألمانيا، تتصاعد المخاوف من تباطؤ الاقتصاد، فيما تتزايد الضغوط على الحكومة لزيادة الإنفاق الدفاعي. وفي بريطانيا، يواجه رئيس الوزراء كير ستارمر تحديات داخلية جمة، خصوصاً بعد إعلانه عن إرسال قوات بريطانية إلى أوكرانيا. وفي الاتحاد الأوروبي، تتصاعد الخلافات حول سياسة الهجرة واللجوء، فيما تتزايد المخاوف من تداعيات الحرب التجارية مع الولايات المتحدة.
كوبا: أزمة اقتصادية تاريخية وتحالف صيني متعمق
تعيش كوبا أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخها الحديث. فقد أدى انهيار السياحة – التي كانت تمثل 10% من الناتج المحلي الإجمالي – إلى تفاقم الأزمة، فيما تتصاعد العقوبات الأمريكية بوتيرة متسارعة.
وفي ظل هذا الانهيار، تتعمق العلاقات الكوبية الصينية بشكلٍ غير مسبوق. فقد أعلنت بكين في مايو الجاري عن تقديم مساعدات اقتصادية طارئة بقيمة 500 مليون دولار، بالإضافة إلى استثمارات في قطاعي الطاقة المتجددة والاتصالات. وفي المقابل، تتصاعد التوترات مع واشنطن، التي تتهم كوبا بالسماح بوجود قوات صينية سرية على أراضيها – وهو ما تنفيه هافانا بشدة.
سوريا: دولةٌ على حافة الانهيار
ليس لبنان وحدها من يعيش على حافة الهاوية. ففي سوريا، حيث يسعى الرئيس أحمد الشرع إلى ترسيخ سلطته، تتفاقم الاشتباكات بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية في ريف حلب، وتتصاعد الغارات الإسرائيلية في الجنوب. وقد كشف هجوم دموي قرب تدمر عن "تصدعات عميقة" داخل النظام الأمني الجديد، وأثار شكوكاً حول قدرة الشرع على ضبط الفصائل المسلحة التي باتت مندمجة في بنية الدولة.
غزة: سلامٌ بعيد المنال
في القطاع المحاصر، يبقى وقف إطلاق النار هشاً وعرضة للانهيار. فالمرحلة الثانية من "خطة السلام" تعثّرت، وحماس ترفض نزع السلاح، وإسرائيل ترفض أي دور للحركة في الحكم. وفي غياب قوة استقرار دولية تتقدّم الدول لتشكيلها، يبقى القطاع رهين "البرزخ" بين الحرب والسلام.
الخلاصة:
إن العالم في عام 2026 لا يعيش مرحلة انتقالية عادية، بل يشهد "إعادة تشكيل" جذرية لخرائطه السياسية والعسكرية والاقتصادية. من لبنان إلى إيران مروراً بالسودان وأوكرانيا وكوبا وأوروبا، تتداخل الحروب مع المفاوضات، والتهديدات مع الوعود. لكن الدرس الأبرز الذي تُقدّمه إيران هو أن الشعوب التي تُواجه العدوان بصمودٍ وإرادةٍ لا تُقهر، تستطيع أن تُحوّل الهزيمة إلى نصرٍ أخلاقي وسياسي، وأن القانون الدولي – رغم انتهاكه – يظل السلاح الأقوى في يد المظلومين.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :