الوطن قبل كل اسم… والواجب قبل كل انتماء.

الوطن قبل كل اسم… والواجب قبل كل انتماء.

 

 

 

 

خاص ايكون نيوز 

بقلم الدكتور محمود ابو خليل 

ثمة لحظات لا يعود فيها الصمت حيادًا، ولا تصبح فيها أنصاف المواقف ضربًا من الحكمة، بل شكلًا من أشكال التنازل. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون النقاش حول اتفاقٍ بعينه أو وثيقةٍ بعينها، بل حول الفكرة التي يُراد لها أن تتحول إلى نهج، وإلى معيار يُقاس عليه مستقبل الوطن.

 

من هنا، لا يأتي رفض ما سُمِّي «اتفاق الإطار» إغلاقًا لباب الحلول، بل رفضًا لأن يتحول السلام إلى اسمٍ آخر للتنازل، وأن تُختزل السيادة في بنود قابلة للتأويل، وأن يُربط حق الوطن في الدفاع عن أرضه وشعبه بإرادة من لا يعترف أصلًا بحقه في الحياة.

 

فالأوطان لا تُدار بمنطق الاستثناءات، والسيادة لا تُمارس بإذن، والكرامة الوطنية لا تُكتب بحبر التسويات. وكل اتفاق يجعل حق الوطن في حماية نفسه موضع تفاوض، لا يؤسس لسلامٍ عادل، بل يؤجل أسباب الصراع، ويزرع في المستقبل بذور نزاعات جديدة.

 

لقد علمتنا التجارب أن ما يُنتقص من السيادة مرة لا يبقى استثناءً، بل يتحول مع الزمن إلى قاعدة. وأن الأمم لا تفقد أوطانها بهزيمة واحدة، بل بسلسلة من التنازلات الصغيرة، حتى يصبح التنازل سياسة، والصمت حكمة، والاعتراض تهمة.

 

وقيل لنا كثيرًا: جرِّبوا، وانتظروا، وراهنوا على الوقت. لكن الوطن ليس مختبرًا، ولا شعبه حقلًا لتجارب القوى الكبرى. وما يُؤخذ اليوم تحت عنوان الواقعية السياسية، يُفرض غدًا بوصفه أمرًا واقعًا، حتى يغدو ما كان استثناءً حقًا مكتسبًا في عرف من يملكون القوة.

 

وما يؤلمنا أن العدو لم يكتفِ بتجريب أسلحته في أرضنا، بل وجد بيننا من يدعونا إلى أن نجرِّب أوهامه في وعينا أيضًا، وكأن قدر هذا الوطن أن يبقى ساحةً لمشاريع الآخرين، فيما يُطلب من أبنائه أن يدفعوا وحدهم أثمانها.

 

غير أن السلام الذي نريده ليس هدنةً يلتقط فيها المعتدي أنفاسه، ولا استراحةً يُطلب فيها من صاحب الحق أن يتخلى عن أسباب قوته. فسلامنا يبدأ يوم يُسلِّم أعداء أمتنا بحقها في الحياة، وبحقها في الحرية والسيادة والكرامة. فلا سلام بلا حق، ولا حق بلا سيادة، ولا سيادة بلا قدرة على حمايتها.

 

والسلام الحقيقي لا يقوم على تجريد الشعوب من حقها في الدفاع عن نفسها، بل على الاعتراف بهذا الحق. فالأمم لا تحفظ كرامتها بالوعود، ولا تصون مستقبلها بالانتظار، وإنما بإرادة تعرف أن الحقوق لا تُستجدى، وأن الحرية لا تُمنح، وأن السيادة لا تكون كاملة إلا إذا امتلك أصحابها القدرة على صونها.

 

ومن هذا المبدأ، يصبح حق الدفاع عن الوطن حقًا طبيعيًا لا تمنحه سلطة، ولا ينتزعه ميزان القوى. فإذا فُرض العدوان، لم يعد الدفاع خيارًا سياسيًا، بل واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا وإنسانيًا، لأن الحياة الحرة لا تستقيم إلا بقدرة أصحابها على حمايتها.

 

ومن يضحِّ دفاعًا عن أرضه وشعبه لا تُعلَّق على صدره التهم، بل النياشين. ومن قدَّم أبناءه في سبيل حماية وطنه لا يجوز أن يصبح موضع تشكيك أو تشويه، لأن الوفاء لا يكون بالخطب وحدها، بل بالإنصاف أيضًا.

 

وليس المطلوب أن تقوم أي قوة وطنية مقام الدولة، بل أن تقوم دولة قوية، عادلة، سيدة القرار، تحتضن كل طاقة وطنية صادقة، وتضعها في خدمة المصلحة الوطنية العليا. فالدولة التي تعجز عن حماية حق شعبها تترك فراغًا تملؤه الأخطار، أما الدولة التي تستمد قوتها من وحدة شعبها وإرادته، فهي وحدها القادرة على حماية السيادة وصون الاستقرار.

 

ولا يقل خطورة عن العدوان أن يُترك الوجدان الوطني نهبًا لمن يهوِّن من جرائمه، أو يستخف بتضحيات من دافعوا عن الأرض. فحرية الرأي حق راسخ، لكنها لا تعني حرية تبرير العدوان، ولا تحويل معاناة الوطن إلى مادة للتشويه والمزايدة. فالكلمة التي تنتقص من كرامة المدافعين عن الوطن لا تسيء إليهم وحدهم، بل تُصيب فكرة الوطن نفسها.

 

إن الدولة القوية ليست تلك التي تُجيد إدارة التوازنات فحسب، بل تلك التي تعرف كيف تحمي حق شعبها في الكرامة والسيادة، فلا تساوي بين المعتدي والمعتدى عليه، ولا تقف على الحياد بين الحق والعدوان، لأن الحياد بينهما ليس عدلًا، بل تخليًا عن جوهر الدولة ورسالتها.

 

والوطن الذي نؤمن به ليس وطنًا تختزل هويته الطوائف ومخاوفها، ولا ساحةً تتنازعها أطماع الخارج، بل وطن المواطنين، حيث يكون الواجب فوق العصبيات، والانتماء للوطن قبل كل انتماء، وتكون المصلحة الوطنية العليا فوق كل اعتبار.

 

لهذا، فإن القضية ليست رفض اتفاق أو قبول آخر، بل الدفاع عن مبدأ لا تستقيم الأوطان من دونه، أن السيادة ليست بندًا تفاوضيًا، وأن حق الوطن في الدفاع عن نفسه ليس امتيازًا تمنحه الظروف، بل حقًا يلازم وجوده.

 

إننا لا نرفض السلام، بل نرفض أن يُختزل معناه. ولا نرفض التسويات، بل نرفض أن تكون على حساب الحق. ولا نرفض المستقبل، بل نرفض أن يُبنى على تنازل يمس كرامة الوطن وسيادته.

 

فإذا اعترف أعداء أمتنا بحقها في الحياة، عرفنا طريق السلام. أما إذا أُريد للسلام أن يكون مرادفًا للتخلي عن السيادة، وتجريد الوطن من أسباب قوته، فلن يكون سلامًا، بل استسلامًا.

 

فالأوطان لا تبقى بما يُكتب في الاتفاقات وحدها، بل بما يرسخ في ضمير أبنائها من إيمان بحقها في الحياة والحرية والسيادة.

 

ومن يصون الوطن لا يُدان، ومن يحفظ الكرامة لا يُنسى، ومن يكتب بدمه معنى البقاء لا يطويه الزمن.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي