مؤتمر ميونيخ للأمن: أشكال وألوان

مؤتمر ميونيخ للأمن: أشكال وألوان

 

Telegram

من يكتفي بالتركيز على الموقف الأمريكي من مؤتمر ميونيخ الأمني لن يتقدم كثيرا. أو بالأحرى قد يتقدم إذا ما غرس تحليله في وثيقة تاريخية ثمينة تعود لسنة 1987ذكرها الصحافي السويسري ريتشارد فيرلي في كتابه “أمريكا، تلك التي تكرهنا” وهو كتاب سنعود إليه في مقال خاص. يتحدث فيرلي عن “رسالة إلى أوروبا والأوروبيين” كتبها ترامب داعياً، وقد عدنا هنا إلى وقت بعيد، الأوروبيين إلى سداد ديونهم المستحقة على “الحماية” العسكرية الأمريكية.
هذا يعني أن المنعرج منعرج تهيأت له أسبابه منذ زمن طويل، ضاربا جذوره في تصور لليبرالية يتطابق تماما مع المتغير التجاري الذي جعلته إدارة ترامب غالبا على العقيدة الليبرالية.
فبمجرد أن رأينا ترامب ينطلق من مبدأ الرسوم التجارية، كان بالإمكان حينها أن نبحث عن جذور سياسية ستجمل محاورها بل ستصهرها داخل النموذج الأمني- وإن بدا الأمر مفارقا. ونتحدث هنا عن “النموذج” بالمعنى الأصلي للكلمة، أي البراديغما – البوتقة التي تصدر عنها كل القرارات المصيرية التي تهيكل توجهات دولة.
من هذا المنطلق، يجب قراءة طلب ترامب الموجه للمجموعة الأوروبية بأن تلتزم للولايات المتحدة بحصتها من الإنفاقات العسكرية، أي الـ3,5 في المئة من ناتجها الداخلي الخام الذي طالما دار بشأنه الحديث. وإذا كان الحديث ذا شجون – والشجون مفردها “شجن” تفيد لغة “مفترق الطرق” – فيجب أن نتذكر هنا أنه ليس هناك أي “مفترق طرق” يمكن قراءته في البنية المؤسسة لخط ترامب، بنية الصفقات التجارية.
وما يستصعب على العقلية الأوروبية استيعابه هو إرساء “الصفقة” (deal) كثابت يحكم كل المتغيرات. بالتالي، لا داعي للاستغراب عندما ترى الدبلوماسية الأمريكية نفسها تخترق مفهومي الأمن والسلام بمقاربة اقتصادية بحتة تعتبرها أساسية وأولية، يقودها كبير الوكلاء العقاريين ستيف ويتكوف متبوعا للدبلوماسي الحرفي ماركوروبيووليس العكس.
“من أوروبا كمحل للسوق والتبادل التجاري، إلى أوروبا قوية”. هذا هو الشعار الذي يضع ماكرون تحته المستقبل الأوروبي، في دافوس أولا ثم في ميونيخ. وكل المشكلة تكمن في هذا المفهوم. مفهوم القوة الذي هو مفهوم جيوسياسي محوري. والإشكالية التي تنجر عن مركز القوة وبنيته هي كل الإشكالية الأوروبية، إشكالية يعيد نظام ترامب رسمها تماما ولا تجد المجموعة الأوروبية طريقا إلى هيكلتها. فالأمر قائم على بناء قوة جيوسياسية أوروبية تكسبها الأدوات الإجرائية التي ستمكنها من تدبير علاقة عابرة للأطلسي (transatlantic trust) جديدة.
أجل. تمثل العلاقة العابرة للأطلسي، أو عبر الأطلسي، التي تنظم توازن القوى بين المجموعة الأوروبية والولايات المتحدة أكثر المحاور على المحك الآن. نتحدث هنا عن” المجموعة الأوروبية”، ما يعني أن محددات علاقة جديدة عابرة للأطلسي لا يمكن أن تنطلق من موقف “الاتحاد”، موقف بروكسيل، لانقسامه العضوي ولا حول مبدأ الحكم الذاتي الاستراتيجي الواجب اتباعه في مجال الدفاع، وثانيا، وحتى ولو كان موقف الاتحاد يتسم بوحدة الصف في هذا المجال، فلا يملك حاليا الإمكانيات لتحقيق هذه الغاية.

 لا تملك المجموعة الأوروبية القدرة الراهنة على الانفصال عن منظمة حلف شمال الأطلسي

قلب المفارقة طرحته تصريحات المستشار الألماني فريدريش مرس: “الهدف: بناء الجيش الأوروبي التقليدي الأكثر قوة، لكن، في الوقت نفسه، استعادة “الأفضلية التنافسية” بين أمريكا والاتحاد الأوروبي. وهنا بيت الداء. فقد تتحقق هذه الأفضلية في مجال التجارة نسبيا لكن لا يمكن أن ترى النور في مجال الدفاع. بعبارة أخرى، لا تملك المجموعة الأوروبية القدرة الراهنة على الانفصال عن منظمة حلف شمال الأطلسي. فما يسمى بالركن الأوروبي لحلف شمال الأطلسي لا يمكن أن يقف مستقلا، وعندما نقول “مستقلا” نعني مستقلا عن امريكا. فالدنمارك التي تحذر أمريكا من المضي قدما في مشروع ضم غرينلاد هي نفسها التي تستعمل طائرة إف35التي تعتمد على نظام عمل أمريكي كليا لا يمكن تفعيله دون فحص وتشغيل أمريكيين. في سياق متصل تماما، الإشكالية نفسها تطرحها صواريخ باتريوت التي تستعملها اوكرانيا في صراعها مع روسيا. وحدها أمريكا تملك القدرة على ضبطها.
حينها، أعطى الصراع الروسي الأوكراني نقطة الانطلاق لضرورة المضي قدما في مشروع المواءمة بين صناعة السلاح واستقلالية منظومة الدفاع في أوروبا.
من غير المتوقع أن نعود رأسا إلى زمن القرارات الجذرية التي كان قد اتخذها الجنرال ديغول عندما أعلن عن خروج فرنسا من قيادة حلف شمال الأطلسي. لكن، في المقابل، هناك رهان على المدى القصير يندرج في تغيير الرؤية الأوروبية للحلف، نظريا وعمليا، يقوم على أساس تطوير ما يسمى بالركن الأوروبي للمنظمة. من هنا تبدأ إعادة رسم ملامح العلاقة العابرة للمحيط، تحت شعار إعادة توزيع القوى عبر إقامة تحالفات أوروبية، مثل “تحالف المتطوعين” الذي يتم العمل به في الصراع الروسي الأوكراني – وإن باستقلالية نسبية.
صحيح. مؤتمر ميونيخ ذو أشكال وألوان، أساسا للتناقض الظاهر الذي يحكمه، وهو التناقض نفسه الذي يحمله حلف شمال الأطلسي في النهاية: رعاية أمريكية، وفي الوقت نفسه طلب أمريكي وأوروبي مشترك بفصل التبعية. هذا التناقض قابل للحل، تحديداً بالتفريق بين الرعاية والتبعية. أن تكون الرعاية الأمريكية قائمة ومحفوظة أمر لا تناقشه القوى الأوروبية في الوقت الراهن على أساس أن الردع النووي في أوروبا – باستثناء فرنسا المتوفرة على قوة الردع النووي – تنظمه امريكا. فيكفي هنا أن نتذكر عشرات القنابل النووية الأمريكية المدفونة في الأرض الأوروبية حتى ندرك أن الاتجاه نحو تحقيق ما يسمى بالمظلة النووية، أي تمديد الرعاية النووية الفرنسية على مستوى القارة، أمر لا يمكن تحقيقه في الوقت الراهن.
أشكال وألوان هي أيضا مظاهر مؤتمر ميونيخ لأنها تتيح فرصا لاستعراض العضلات وتحليل الخطاب السياسي الموجه للحاضرين وغير الحاضرين كالخطاب الأمريكي السائد، خطاب ماركو روبيو الذي بدا واضحا أنه لم يفترق عن خطاب جي دي فانس في مؤتمر السنة الماضية عبر دعوة موجهة للطرف الأوروبي بإعادة التنظيم والهيكلة، دعوة تخفي لدى البعض إعادة ترتيب جذرية للأولويات الأمريكية باتجاه المحيط الهادئ، حيث يكمن الآن قلب الرهانات الاقتصادية

بيير لوي ريمون…باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram