كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
لم تعد عودة سعد الحريري إلى الحياة السياسية اللبنانية مجرّد حدث عاطفي أو استعادة رمزية لمرحلة مضت، بل تحوّلت إلى فعل سياسي مكتمل العناصر، يفرض نفسه كلاعب ثقيل الوزن في المعادلتين السياسية والانتخابية، حتى ولو قرّر عدم ترشيح نفسه شخصيًا.
فالحشد الشعبي الذي استقبله، والخطاب الذي ألقاه، أعادا تثبيت حقيقة أساسية: الحريري حاضر كقوّة توجيه لا كاسم على لائحة، وكمرجعية قرار لا كمرشّح يبحث عن مقعد. وهو بذلك ينتقل من موقع المنافس داخل اللعبة إلى موقع من يؤثّر في شكل اللعبة نفسها، جاعلًا منه عمليًا «بيضة القبان» القادرة على ترجيح الكفّة في أكثر من دائرة وأكثر من استحقاق.
انتخابيًا، الرسالة أوضح من أن تُفسَّر: لا إمكانية لإنتاج أكثرية وازنة من دون المرور بقواعده الشعبية، ولا قدرة على بناء لوائح متماسكة في البيئات السنّية من دون احتساب مزاجه وخياراته. كل محاولات القفز فوق هذا الواقع سقطت تباعًا، وكل المشاريع التي حاولت تصنيع بدائل عنه تهاوت، لأنّ لبنان بحاجة إلى صوت يشبه صوت الحريري، وإلى مدرسة سياسية تعرف كيف تجمع بين الواقعية والاعتدال، بين التسوية وحماية الخطوط الحمراء. الفراغ الذي تركه لم يكن تقنيًا ولا مرحليًا، بل فراغًا في المعنى والاتجاه، ولذلك استعصى على التعبئة.
إقليميًا، الأهم أنّ عودته لا تُقرأ في خانة الاصطفاف، بل في خانة التحرّر. لم يأتِ من كنف السعودية، ولم يُسجَّل كامتداد لسياسات الإمارات، بل بدا وكأنه يختار مسافة واعية من الخلافات الخليجية، ليبني استقلالية قرار تستند إلى لبنانيّته قبل أي شيء آخر. وهذا التموضع يمنحه هامش حركة نادرًا في زمن المحاور، ويجعله قادرًا على مخاطبة أكثر من جهة من موقع الندّية لا التبعية.
في هذا الإطار، يقدّم الحريري نفسه كرئيس حكومة محتمل يرى أنّ حماية طائفته لا تكون بربطها بقيادة خارجية، بل بإدخالها كشريك كامل في معادلات الإقليم، لا كأداة ولا كملحق. مقاربة تتجاوز الحسابات المذهبية إلى منطق الدولة، وتعيد تثبيت فكرة أنّ لبنان لا يُحكم بالاستقواء، بل بالتوازن.
ولعلّ أخطر ما في عودته، وأكثره إحراجًا لخصومه، أنّه أعاد فتح ملف اتفاق الطائف من زاوية ذكية: لا كمادّة اشتباك، بل كأرضية إنقاذ. قراءة مدروسة، متماسكة، تجعل رفضها مكلفًا سياسيًا، وتجعل القفز فوقها مغامرة غير محسوبة النتائج.
في الكواليس، لا يتصرّف الحريري كمن يختبر حظوظه الانتخابية، بل كمن يعيد رسم حدود الدور. والسؤال الذي يُطرح همسًا: هل تكون هذه العودة مقدّمة لتكريس زعامة من خارج الصندوق التقليدي، أم خطوة أولى نحو رئاسة حكومة تُبنى قبل صناديق الاقتراع… لا بعدها؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :