كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
في لحظةٍ يختلط فيها الدم بالصمت، وتُقاس فيها القيم بمقدار الوقوف إلى جانب الضحية لا الجلّاد، يصبح الصمت خيانة، ويغدو التبرير جريمة أخلاقية لا تقلّ بشاعة عن الفعل نفسه. فالفنّ، الذي وُلد ليكون مرآة للوجدان الإنساني، لا يمكن أن يتحوّل إلى منصّة لتبييض المجازر أو منح الشرّ شهادات حسن سلوك. من هنا، تأتي هذه المقارنة القاسية والواجبة بين فنّانين حملوا وجع الناس في قلوبهم، وآخرين اختاروا الاصطفاف في الجهة الخطأ من التاريخ.
نموذج السقوط الأخلاقي
في مقابلة مع برنامج Viral على منصة السياسة بتاريخ 10 شباط 2026، أطلق الممثل المغمور أسعد رشدان سلسلة مواقف صادمة، دافع فيها عن إسرائيل، مانحًا إياها شرعية قتل اللبنانيين واصطيادهم، ومؤيدًا مجزرة “البيجر” الإرهابية في 17 و18 أيلول 2024.
وعندما رفع مقدّم البرنامج صورة الطفل علي حسن جابر، الذي قُتل في بلدة يانوح الجنوبية، وسأل رشدان عمّا إذا كان قاتله إرهابيًا، جاء الجواب بالنفي، مضيفًا أنّ لإسرائيل الحق بامتلاك سلاح نووي، وأنّ رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو ليس إرهابيًا.
كلمات قليلة، لكنها كافية لإسقاط آخر أوراق التوت عن خطاب يبرّر الجريمة ويشيطن الضحية.
الفنّانون الحقيقيون: حين يتقدّم الضمير
في المقابل، يبرز وجه آخر للفنّ اللبناني، وجه لم يتخلَّ عن إنسانيته ولا عن وطنيته:
كارمن لبّس نشرت صورة الطفل علي جابر وكتبت:
"إسرائيل كانت ولا زالت وستبقى الشرّ المطلق."
ريتا حايك كتبت في 21 كانون الثاني 2026:
"مع سِلِم أو بلا سِلِم، مع سلاح أو بلا سلاح هيّي نفسها الحياة مع إسرائيل. ذلّ وقتل وإرهاب. إسرائيل لا تعترف بالقانون. لم، لا ولن تريد السلام طالما وُجدت."
سيرين عبد النور نشرت صورة الطفل الشهيد مع قلب متصدّع تعبيرًا عن الحزن.
نادين نجيم دوّنت في 6 حزيران 2025:
"لن نركع ولن نستسلم. لبنان بيجمعنا، وبقلب كل لبناني فينا أمل وحلم بلبنان السلام والأمان… لبنان يستحقّ منا كل التضحية."
هؤلاء لم يحتاجوا إلى تنظير أو مزايدات. اكتفوا بالوقوف في صفّ الإنسان.
نبذٌ مستحق
ما صدر عن رشدان حوّله تلقائيًا إلى شخص منبوذ اجتماعيًا. وفي هذا السياق، علّق الناقد الفني والصحافي جمال فياض قائلًا:
"بصراحة وبالمباشر وبدون لفّ ولا دوران: أي دعوة لأي مناسبة عامة يكون فيها شخص كان صديقي اسمه أسعد رشدان لن ألبّيها، وإذا تواجدتُ في أي احتفال فيه أسعد رشدان، سأغادره فورًا… هو عبّر عن مواقفه بحرّية، وأنا أعبّر عن رأيي أيضًا."
ولم يتوقّف خطاب رشدان عند تبرير جرائم العدو، بل شمل شتائم وتحريضًا ضد أطراف لبنانية عدة، في مشهد يعكس عقلية إقصائية لا تمتّ للفن ولا للثقافة بصلة.
الفنّ ليس لقبًا يُمنح، بل مسؤولية تُحمل. ومن يسقط أخلاقيًا، يسقط فنيًا مهما ظهر على الشاشات. أمّا أولئك الذين اختاروا الإنسان قبل أي حسابات، فهم وحدهم من يستحقون صفة “فنّان”.
في بلدٍ أنهكته الحروب والانقسامات، لم يعد السؤال: من معنا؟ بل: من بقي إنسانًا؟ والجواب، كما يبدو، يكتبه الأطفال الشهداء بدمهم… ويوقّعه الفنّانون الشرفاء بمواقفهم.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :