«مأساة الحلاج»: شعر أم كوميديا صوفية

«مأساة الحلاج»: شعر أم كوميديا صوفية

 

Telegram

يعد النص المسرحي «فضاء شعريا» بالمعنى الواسع لكلمة شعر، أي «الشعرية» أو مطلق الشعر، حيث يتم فيه تدبر اللغة وتصريفها على نحو مخصوص، وليس مجرد «نص» يُعد للتمثيل. وسؤالي ما إذا كان الحوار في «مأساة الحلاج» لصلاح عبد الصبور الشاعر «المؤسس»، شعريا أو مسرحيا، في هذه الأصوات التي تتداخل وتتقاطع. وهل قوتها من قوة الشعر؟ أم هل هي من قوة الدراما؟ وهل فيها من حركات «الشفهية» في الكلمة، أو التركيب أو الجملة ما يمنحها إيقاعها المسرحي الخاص، أو «التلاعب» بالروابط والفواصل النحوية، حيث الصوت في المسرح مجسد في ممثل يتحرك في فضاء مرئي، وليس شخصية «من ورق». والمقصود الكتابة، التي تنطوي في داخلها على بعد مسرحي، أي على إمكانات التمثيل دالا وجسدا وصوتا. والمعروف أن «السينوغرافيا» المميزة للمسرح هي الحوار في الكلمات الموزعة بين الشخصيات المتحاورة. والسؤال: هل هي مكتوبة لتقال؟ أم هل هي مكتوبة لتقرأ؟

لعل أبرز ما في لغة المسرح هو بعدها البصري، لأنها موجهة إلى جمهور متعدد، وليس إلى قارئ، يقرأ النص في صمت أو في خلوة، وفي مواقيت يختارها بنفسه. والأمر يتعلق من هذا الجانب بطقوس استقبال هذه اللغة مسرحيا، أي الحضور الجماعي المباشر: حضور من يمثّل، ومن يتفرج معا. لكأن المسرح يحرر اللغة الشعرية، أو يضاعفها ويجددها؛ أو ينقلها إلى بنيته اللغوية الخاصة، حيث يقف الممثل لا الشخصية كما في المسرحية مكتوبة أو في الرواية. واللغة في «مأساة الحلاج» تنتسج في نوع من «النظم» الصوفي، الذي برع فيه عبد الصبور، من حيث» اللعب النحوي والمعجمي» بالمعنى الإيجابي الإنشائي لكلمة «لعب». ولعل هذا ما يجعلها تستجيب لمعايير العرض. ولو لم يكن ذلك كذلك، لما خاطر البعض بإخراجها للمسرح. هذا ما يستدعي تنسيب الحكم، فثمة تجاوب بين الكتابة الشعرية والكتابة الدرامية، التي تأخذ بزمام الشفهية، حيث حاسة السمع من حاسة البصر، أي هما في علاقة حسية. وقد صاغ الشاعر والناقد الفرنسي هنري ميشونيك هذه العلاقة في عبارة بليغة، فالاستماع في المسرح هو «رؤية – سمع»: «عندما ننظر بكل آذاننا، وتتبعنا عيوننا، فإن كل واحد منا ممثل ومتفرج على خشبة المسرح، بالقدر نفسه وأكثر». والتجاوب بهذا المعنى ليس إعادة إنتاج الكلمة المكتوبة، أو التلفظ بها، وإنما التقاط إيقاعها وأوزانها.

وتقديري أن الأصوات «تتحرك» في الفضاء النصي، بواسطة الإيقاع الشعري والوزني المتنوع، وتوزيع الكلام على الصفحة، من حيث النقاط والفواصل وكل ما يتعلق بـ»الترقيم»؛ وهو ضرب من الإيقاع البصري. وهذا ما يستدعي شواهد كثيرة من النص، يضيق عنها المقال، حتى إن شابها شيء من الغموض المرجعي، بحكم أنها لغة صوفية «مزدوجة» تقول «ما لا ينقال» بعبارة النفري.

 

وأحاول في ما يأتي أن أنفذ إلى النص وهو شعر موزون، من هذه «التمسرحية» عسى أن نتبين الطريق الذي تسلكه اللغة الصوفية الشعرية، عبر عنصر الحوار (الأداء الشفهي في المسرح)، من أجل «التحييز» أو إضفاء «المكانية» النصية على المشهد، أي تحديد المكان مرئيا مسموعا. وأقدر أن في إجراء اللغة أو تصريفها، حتى تطابق شروط الحيز أو المكان، يكمن «التجاوب» بين الدرامي والشعري؛ وهو الذي يجدد نظرتنا إلى اللغة الصوفية؛ وليس أصعب من تحويلها إلى لغة مسرحية؛ بحكم أنها لغة إشارات ورموز تكاد تكون «تجريدية». وهذه «افتراضات» على العلاقة بين المسرح والشعر، تعززها الكتابة المسرحية نفسها، لا منذ نشأتها الضاربة في الزمن في اليونان، حيث كانت شعرا تواصل من إسخيلوس إلى كلوديل؛ وليس هنا مجال الخوض في تاريخ المسرح؛ وإنما بناء على ما يقوله المعاصرون من أن هذه الكتابة، جوهرها شعري، والكوميديون الكبار من أمثال: أريستوفانيس، وشكسبير، وموليير هم شعراء، كتبوا كثيرا من أعمالهم شعرا، وإذا كان المسرح بعدهم تحول إلى النثر، فهذا معناه أن النثر لاحق على الشعر، أو هو متولد منه.

 

والمسرح في تقدير هؤلاء هو «عرْض القصيدة [بيانها]» في إشارة دالة إلى الإنشاد، أو الإلقاء؛ وهو مبحث قائم بنفسه. بل يضيفون أن المسرح «يحل الصورة البلاغية محل الوصف المؤثر»، أو يعلقها بهذا الوصف، حيث الاستعارات المسرحية أو التمثيلية المشهدية تصنع شعراً ماديا يُرى ويُسمع. وهذا يضطلع به الناقد/ المتفرج الذي يواكب العرض المسرحي أداء وإخراجا وتمثيلا وعرضا وجمهورا؛ وهو ما لا ندعيه، فأنا هنا في مقام قارئ لـ»مأساة الحلاج»؛ وأتعامل معها من حيث هي نص شعري/ مسرحي لا غير. وقصارى جهدي أن ألتقط منها ما يفيد هذا التجاوب بين الجنسين: الشعر والمسرح من حيث هو أدب وليس مكانا أو فرجة. والمسألة أشد تعقيدا، وهي تحتاج إلى تفصيل العلاقة بين المسرح الشعري والمسرح النثري من جهة، وهذا ليس من المسائل المطروحة، لكن نشير فقط إلى أن الاتجاه إلى النثر في المسرح، أو في الشعر عندنا نحن العرب أو عند غيرنا، بعيد البعد كله عن إنكار العلاقة بين الكتابة النثرية والشعر، فيما كل منهما يَجري في قرينه على نحو ما؛ أو هو يتحقق فيه وبه؛ ويحتاج أيضا إلى تفصيل القول في المصطلحات المسرحية الوافدة على ثقافتنا مثل «كوميديا» و»تراجيديا» من جهة أخرى، فـ»كوميديا» تترجم بمسرحية، أو ملهاة، أو هزلية ومسرح أيضا. ومن معانيها المجازية مكر وتظاهر بما لا يضمر وتصنع ورَاءَى ومضحك. والكوميدي هو الممثل عامة أو الممثل الهزلي.

 

وتترجم «تراجيديا بمأساة، وتعرف بكونها قصيدة مسرحية تعبر عن صراع شخصيات تجاه قدر قاس لا يرحم ولا يرد. ومن معانيها المجازية: الفاجعة، أو المأساة عامة، ويسوق دينيس جينون ملاحظة لافتة مفادها، أن «كوميديا» تتسع للمسرح كله بما في ذلك «المأساة الهزلية، التي تجمع بين المأساة والمهزلة، فيما كلمة «تراجيديا» وقف على «المأساة» بالمعنى الذي سقناه. ونحن نسوق هذا الملحظ، ولا مسوغ له سوى السؤال: لِمَ اختار عبد الصبور أن يسم مسرحيته بـ»مأساة الحلاج»، وليس بـ»الكوميديا الصوفية»، قياسا على «الكوميديا الإلهية» لدانتي؟ والحق نحن ننوع على سؤال الفيلسوف الإيطالي جيورجي أجامبين المفتون بـ»الكوميديا ​​الإلهية»: لماذا اختار دانتي تسمية «الكوميديا ​​​​الإلهية» بـ»الكوميديا»؟ ماذا يضمر مثل هذا «القرار» بخصوص ثقافة العصور الوسطى؟ وما هو تأثيره في الذين اتبعوا دانتي؟ ويخلص إلى مناقشة العلاقة بين ثنائية «الذنب» [الجرم أو الإثم] المأساوي، وقرينه الكوميدي من جهة، وثنائية «الذنب» الطبيعي، والشخصي من جهة أخرى. وحاصل رأيه أن هذه الثنائيات [الانقسامات] هي «الأفكار السرية» التي تنطوي عليها الثقافة الإيطالية والغربية عامة. إذ اختار دانتي، وفقا لأغامبين، أنموذج الكوميديا ​​واسمها، فهذا يعني معارضة نوعين من الخطيئة: الخطيئة الهزلية التي يعاقب عليها بالفداء، على حين أن الخطيئة المأساوية جزاؤها اللعنة. ورأيه وهو لافت حقا أن اختيار الكوميديا ​هو خيار الخلاص، والخاتمة السعيدة. وهذا موضوع يتنزل في صميم الثقافة المسيحية. وأما الحلاج والمتصوفة و»عرفانيتهم»، فلهم شأن آخر. على أن «مأساة الحلاج» تضمر أفكارا من نوع آخر، مثل الصراع «الخفي» أو «العلني» بين التصوف والشريعة، أو بين أهل الباطن وأهل الظاهر، أو بين العامة والخاصة. ومع ذلك فإن حركة الشعري فيها تنبض وزنا وإيقاعا بالمسرحي فيها: الحوار، أو هي تهجس به في كل فصولها.

 

ففي المسرحية تتواتر صيغة النداء والأمر والتعجب والاستفهام، بما يرجح القول إن عبد الصبور كان يكتب وفي قصده أنه يكتب مسرحا لا شك؛ ولكن مثل هذه الصيغ أمسّ بالإنشاد، أو فن إلقاء الشعر على المسرح. ولعله من مظاهر التجاوب بين الجنسين، حيث تُنشد القصيدة بصوت عالٍ (صوت الشاعر أو غيره) وتكون مَجْلَى المرئي والمسموع معا. ومثل هذه الحال في نظر دينيس جانون، لا يستأثر بها الشعر الدرامي وحده، وإنما هي تشمل بعض المشاهد المسرحية الخالصة، التي يمكن تصنيفها من حيث هي شعرية أيضا. وهذا مما يثير سؤالا «مربكا»: هل صلاح عبد الصبور في هذا النص هو الشاعر أم هل هو الكاتب المسرحي؟ يعترض جان ـ كلود كرامبارغ وهو كاتب مسرحي وسيناريست فرنسي، على أن يوسم الكاتب المسرحي باسم «الشاعر»، ويشير إلى أنه شعر عندما قيل له ذلك؛ وهو الذي «يمسرح» الحياة العادية بلغة بسيطة، أنه وُضع في مجال غير مجاله. وجوابنا، وإن على حذر، أن الكتابة المسرحية في «مأساة الحلاج» هي التي استدعت الشعر؛ وقد كان بإمكان عبد الصبور أن يكتبها نثرا. ونقدر أنه تخير الشعر، لمعرفته بأن جوهر المسرح هو الشعر، أو وربما كان ذلك رغبة منه في «تجريب» شعرية التفعيلة ونقلها إلى المسرح.

 

منصف الوهايبي .. كاتب تونسي

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram