الولايات المتحدة وصياغة السلام العالمي: من عصبة الأمم إلى مجلس ترامب للسلام

الولايات المتحدة وصياغة السلام العالمي: من عصبة الأمم إلى مجلس ترامب للسلام

 

Telegram

مقدمة .

 
شكلت الولايات المتحدة، منذ بدايات القرن العشرين، فاعلا حاسما في محاولات تنظيم السلام العالمي، سواء عبر مشاركتها غير المباشرة في عصبة الأمم أو من خلال قيادتها لتأسيس الأمم المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية. غير أن هذا الدور يطرح إشكالية أولى تتعلق بمسؤولية الو لايات المتحدة في فشل نظام الأمن الجماعي لعصبة الأمم وحدود التزامها المبكر بالتعددية الدولية كما تبرز إشكالية ثانية حول الكيفية التي أعادت بها الولايات المتحدة صياغة النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وما إذا كانت الأمم المتحدة تعبيرا عن رؤية جماعية أم عن قيادة أمريكية مقنعة أما الإشكالية الثالثة فتتصل بإعلان مجلس السلام العالمي في عهد دونالد ترامب، وما إذا كان يعكس استمرار الدور الأمريكي التاريخي في صناعة السلام أم يمثل تحولا في أدواته ومقاصده.
 
-1- تطور الفكر السلمي الدولي وبدايات تنظيم التسوية السلمية للنزاعات قبل عصبة الأمم
 
تتناول العلاقات الدولية مجمل التفاعلات القائمة بين الدول في حالتي السلم والحرب، وتشمل السياسة الدولية، والتنظيم الدولي، والقانون الدولي ولم تعرف هذه العلاقات طابعها المنظم إلا مع نشوء الدولة الحديثة وتطور القانون الدولي، حيث ظهر التمثيل الدبلوماسي الدائم وبرز مفهوم السياسة الخارجية. وقد انقسم الفكر الغربي في تفسير السياسة الخارجية منذ الثورة الفرنسية بين نهج أيديولوجي يربطها بمعتقدات الدول الداخلية، ونهج تحليلي واقعي يفسرها في ضوء الموقع الجغرافي والمصلحة الوطنية ومتطلبات الأمن، وهو الاتجاه الذي غلب الاحقا.
وشكل مبدأ توازن القوى الأساس التقليدي للعلاقات الدولية منذ القرن السابع عشر، خاصة بعد صلح وستفاليا (2849)، ثم ترسخ في معاهدة أوترخت (1713) ومؤتمر فيينا (1915)، بهدف منع هيمنة دولة واحدة والحفاظ على السلم الأوروبي. وبالتوازي ظهرت مشاريع فكرية مبكرة لإنشاء تنظيم دولي لحفظ السلام، قدمها مفكرون مثل إيمريك كروسيه، وهو جو غروتيوس، وويليام بن وسان بيير وجيريمي بنتام وإيمانويل كانط، إضافة إلى إسهامات غير غربية كالفارابي و الكواكبي. ورغم الطابع النظري والمثالي لهذه المشاريع، فإنها مهدت فكريا لظهور التنظيم الدولي الحديث الذي تبلور فعليا بعد الحروب النابليونية وتسارع مع الثورة الصناعية، حين فرض الترابط الاقتصادي والتقني قيام اليات دولية لإدارة العلاقات بين الدول ذات السيادة هذا ما ورد في كتاب دراسات في تاريخ أوروبا الحديث والمعاصر الصادر عن دار النهضة العربية - ١٨١٥ - ١٩٥٠ ص ٢٥/١٣)
 
2- نشأة عصبة الأمم ودور وودرو ويلسون في تأسيسها (1918-1920)
 
أظهرت وحشية الحرب العالمية الأولى الحاجة الملحة إلى إنشاء منظمة دولية للحفاظ على السلا دم ما دفع الشخصيات والجماعات مثل جمعية فابيان ومجموعة برايس في بريطانيا، ورابطة حقوق الإنسان في فرنسا، ورابطة فرض السلام في الولايات المتحدة إلى دعم فكرة عصبة الأمم ، إضافة إلى مشاريع مماثلة في دول أخرى إلا أن المبادرة الأكثر تأثيرا جاءت من الرئيس الا ميركي وودرو ويلسون الذي دعا في خطابه الشهير «النقاط الأربع عشرة (8) كانون الثاني (1918) إلى تسوية سلمية قائمة على الدبلوماسية العلنية وحرية الملاحة والتجارة ونزع السلاحبما في ذلك إنشاء رابطة عامة للأمم. وقد منح دعم ويلسون العلني لهذه الأفكار زخما سياسيا كبيرا، وجعل تأسيس العصبة أولوية.
 
في عام 1819 اجتمعت القوى المنتصرة في باريس لاعتماد عهد العصية ضمن معاهدة فرساي ومعاهدات السلام الأخرى وصاع العهد لجنة ضمت 18 عضوا من 13 وفدا برئاسة ويلسون و شملت شخصيات بارزة مثل ليون يورجوا عن فرنسا، واللورد روبرت سيسيل وجان سموتس عن بريطانيا، إلى جانب أعضاء آخرين أصبحوا لاحقا أبرز أنصار العصبة بدأت اللجنة أعمالها في كانون الثاني / يناير 1910، وتم إقرار العهد في 28 نيسان / أبريل 1919، وجاء هيكل المنظمة نتيجة تنازلات متبادلة بين القوى الكبرى وشرعت العصبة رسميا في نشاطها في 10 كانون الثاني / يناير 1920، مع دخول معاهدة فرساي حيز التنفيذ، إلا أن الولايات المتحدة لم تنضم إليها بسبب رفض مجلس الشيوخ التصديق على المعاهدة، رغم الدور الحاسم لويلسون في تأسيسها هذا ما ورد على موقع مكتب الأمم المتحدة في جنيف خلفية - عصبة الأمم. 25 يناير 2020
 
3- دور الولايات المتحدة في تأسيس الأمم المتحدة وعلاقاتها بالحرب العالمية
 
الثانية"
 
بدأت جذور الحرب العالمية الثانية في ثلاثينيات القرن العشرين بسبب بؤر توتر في اليابان وإيطاليا، وألمانيا دول كبرى كانت تتمتع بمقاعد دائمة في عصبة الأمم سيطرت اليابان على منشوريا عام 1931 وأنشأت دولة منشوكو"، بينما غزت إيطاليا الحبشة عام 1935 رغم العقوبات الضعيفة من العصبة في ألمانيا، صعد النازيون عام 1933، واستعاد هتلر مناطق مثل النمسا و السوديت، ثم غزا بولندا في سبتمبر 1939، ممهدا اندلاع الحرب...
 
انهار نظام الأمن الجماعي للعصبة وظهرت تحالفات تقليدية بين القوى الكبرى، بينما دخلت الولا يات المتحدة الحرب بعد هجوم اليابان على بيرل هاربر في ديسمبر 1941، ما وسع نطاق الصراع إلى مستوى عالمي، مع تقابل معسكر المحور بقيادة ألمانيا وإيطاليا واليابان، ومعسكر الحلفاء بقيادة بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ممهدا لاحقا لتأسيس الأمم المتحدة كبديل فعال للعصبة لضمان الأمن الدولي.
 
لعبت الولايات المتحدة دورا فريدا في تأسيس الأمم المتحدة مقارنة بالدول الكبرى الأخرى، لعدة أسباب أساسية أولا دخلت الحرب العالمية الثانية متأخرة وبمعزل عن ساحات القتال، ما أتاح لها الوقت للتخطيط العالم ما بعد الحرب فظهرت منظمات وهيئات قبل دخولها الحرب تركز على حفظ السلام، وأسهمت في وضع الصياغات الأولى لمشروع ميثاق الأمم المتحدة ثانيا، ومع شعورها بالاندفاع نحو المشاركة في الحرب حرصت الإدارة الأمريكية على التنسيق جهود الجامعات والمنظمات غير الحكومية والكونغرس الصياغة رؤية مشتركة للعالم بعد الحرب، ما قلل التناقض بين الحكومة والرأي العام ثالثاء أدركت الدول الحليفة أن فعالية أي منظمة دولية مستقبلا " مرتبطة بمشاركة الولايات المتحدة، لذلك جرت المفاوضات التمهيدية داخل أمريكا كما شهدت واشنطن و دامبرتون أوكس وسان فرانسيسكو أهم مراحل إنشاء الأمم المتحدة. وأصبحت نيويورك مقرها الدائم.
 
خلال الحرب، نشأت عشرات اللجان والمنظمات مثل لجنة دراسة تنظيم السلم» و«مجلس اتحاد كنائس المسيح ولجنة الجامعات الدراسة مشكلات ما بعد الحرب ومجلس الشؤون الخارجية، التي ضمت نخبة سياسية وأكاديمية ودينية، وأسهمت في بلورة الأفكار الأمريكية حول فلسفة المنظمة وأطرها التفصيلية واستفادت الإدارة الأمريكية من هذه الدراسات عبر إدارات رسمية في وزارة الخارجية، مثل إدارة التخطيط المرحلة ما بعد الحرب ولجنة الاستشارة السياسة ما بعد الحرب، كما شارك الكونغرس في دعم فكرة مشاركة إيجابية للولايات المتحدة.
 
بما في ذلك التصويت على ميثاق الأمم المتحدة بأغلبية ساحقة.
 
كما شهدت إدارة روزفلت خلافات حول نطاق مهام المنظمة بين التركيز على حفظ السلم والأمن العالمي أو شمول القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وقد ساعدت التجارب الوظيفية والإقليمية في صياغة هيكل الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة لتصبح الولايات المتحدة المستودع الرئيس للأفكار المتعلقة بالنظام الدولي الجديد بعد الحرب ( هذا ما ورد في كتاب الأمم المتحدة في نصف قرن دراسة في تطور التنظيم الدولي منذ 1945 دار المعرفة ص ٦٠/٥٩/٥٣/٤٧)
 
-4- مجلس ترامب للسلام مبادرة دولية جديدة أم تحد للأمم المتحدة؟
اظهرت مسودة ميثاق مجلس السلام الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الأخير سيكون أول رئيس المجلس إدارته على أن يتولى المجلس مهمة تعزيز السلام وحل النزاعات حول العالم وينص الميثاق على أن عضوية الدول ستكون لمدة ثلاث سنوات مع إمكانية الحصول على عضوية دائمة مقابل مساهمة مالية قدرها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس، ما آثار جدلا واسعا حول طبيعته وأهدافه.
 
أعلن عن إطلاق مجلس السلام رسميا من دافوس السويسرية، بحضور عدد كبير من رؤساء الدول والحكومات والمسؤولين من الدول التي وافقت على الانضمام، وكان الهدف المعلن في بدايته المساهمة في إنهاء الحرب على غزة قبل أن تتوسع صلاحياته لتشمل نزاعات دولية أخرى. وخلال كلمته أكد ترامب أن المجلس سيعمل بالتنسيق مع الأمم المتحدة، مشددا على نزع سلاح غزة وإعادة إعمارها، ومتوعدا حركة حماس في حال رفضها تسليم سلاحها. هذا ما ورد على موقع وكالة رويترز للكاتب ستيف هولاند. 
 
عقب الكلمة، وقع الأعضاء المؤسسون على الميثاق التأسيسي لتعلن المتحدثة باسم البيت الا بيض دخول المجلس حيز التنفيذ بوصفه منظمة دولية رسمية. وفي السياق نفسه، أعلنت روسيا استعدادها لتقديم مليار دولار من أصولها المجمدة في الولايات المتحدة لدعم مبادرة مجلس السـ لام، فيما أبدت موسكو اهتماما سابقا بمناقشة هذه الفكرة مع واشنطن.
 
في المقابل رفضت بريطانيا الانضمام إلى المجلس، مبررة موقفها بمخاوف قانونية وسياسية، لا سيما احتمال مشاركة روسيا في المبادرة، وهو ما اعتبرته لندن أمرا إشكاليا. كما أبدت دول أوروبية أخرى تخوفها من أن يؤدي المجلس إلى منافسة الأمم المتحدة أو تقويض دورها.
 
وكان ترامب قد طرح فكرة مجلس السلام لأول مرة في سبتمبر 2025 ضمن خطته لإنهاء حرب غزة، قبل أن يوسع لاحقا نطاق مهامه وكشفت المسودة أن المجلس التنفيذي التأسيسي

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram