فاجأ خطاب الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم حول إيران بعض الخصوم والأصدقاء على حدّ سواء، وأطلق موجة من التكهنات حيال ما سيفعله «الحزب» إذا شنّت الولايات المتحدة الأميركية هجوماً على الجمهوربة الإسلامية الإيرانية او اغتالت مرشدها الإمام الخامنئي.
بينما كان معارضو «حزب الله» يتصرفون على أساس أنّه ضعف كثيراً، وأنّ مسألة نزع سلاحه من شمال الليطاني هي محسومة، سواء طوعاً او بالقوة، أطلّ الشيخ قاسم في خطاب تضامني مع إيران ضدّ التهديدات الأميركية والإسرائيلية، مستخدماً نبرة مرتفعة، وملمّحاً إلى انّ كل الخيارات واردة إذا تعرّضت الجمهورية الإسلامية او قيادتها للعدوان.
ويجدر هنا التوقف عند قول قاسم، انّه «عندما يهدّد ترامب أو غيره القائد (السيد الخامنئي) بالقتل، فهذا أمر لا يمكن السكوت عنه، ونحن معنيون أن نقوم بكل الإجراءات والاستعدادات لمواجهة هذا التهديد، ونعتبر أنّه موجّه إلينا أيضًا، ولنا كل الصلاحية أن نفعل ما نراه مناسبًا حتى نواجه هذا التحدّي». وأضاف: «نحن مستهدفون بالعدوان المحتمل الذي لا يفرّق بيننا، ومصمّمون على الدفاع. سنختار في وقتها كيف نتصرف، تدخّلًا أو عدم تدخّل، أو بالتفاصيل التي تكون متناسبة مع الظرف الموجود في وقتها، لكننا لسنا حياديين، أما كيف نتصرف فهذه تفاصيل تحدّدها المعركة ونحدّدها بحسب المصلحة».
وبذلك، تعمّد قاسم أن يترك الباب مشرّعاً أمام اجتهادات شتى في تفسير كلامه، تاركاً كل الاحتمالات مفتوحة ومن بينها فرضية الانخراط العسكري لإسناد إيران، في حال وجد أنّ الضرورة تقتضي ذلك، علماً انّ تعريف «الضرورة» سيخضع لتقديراته ربطاً بطبيعة اللحظة.
وهكذا يكون «الحزب» قد حسم مبدأً أساسياً، وهو انّ أي معركة ضدّ إيران تعنيه بالصميم، أما كيف سيتعامل معها فهذا أمر يقرّره في حينه، تبعاً لمجريات المواجهة وحجمها وتوازناتها واتجاهاتها، مفضّلاً حتى إشعار آخر إحاطة تحضيراته الميدانية وخياراته العملانية بستارة من الغموض البنّاء، حيث يؤكّد العارفون انّ «الحزب» نجح في إخفاء كثير مما يُعدّه ويفعله عن الكيان الإسرائيلي، الذي سيتلقّى أي ردّ فعل محتمل على استهداف إيران.
صحيحٌ انّ تل أبيب لا تزال تملك قدرة نسبية على تنفيذ اغتيالات او توجيه ضربات استناداً إلى «داتا» تملكها، لكن هذه «الداتا» أصبحت محدودة بالمقارنة مع ما كان في حوزتها قبلاً، تبعاً للمطلعين الذين يشيرون إلى انّ الجانب الإسرائيلي يدرك انّ ما خفي عنه منذ أكثر من عام أعظم مما يعرفه ويستهدفه، الأمر الذي يدفعه إلى عدم الاستهتار بما تحويه رسالة قاسم التنبيهية بين سطورها.
وإذا كان خصوم «الحزب» قد اعتبروا انّ تلويحه بفرضية التدخّل العسكري إلى جانب إيران هو أقرب إلى إبداء الاستعداد للانتحار، لأنّ موازين القوى بعد حرب 2024 اختلّت لغير مصلحته، ولم تعد تسمح له بتوسيع أدواره، الّا انّ القريبين منه يلفتون إلى انّ العكس هو الصحيح، إذ انّ اكتفاءه بالتفرّج على ضرب إيران سيكون هو الانتحار في حدّ ذاته، أولاً لأنّ طهران هي الداعم الأساسي له، وإضعافها او إسقاطها سيلحق الضرر المباشر به، وثانياً لأنّ الدور سيأتي عليه حُكماً بعدها وفق الحسابات الأميركية - الإسرائيلية، وبالتالي يعتبر «الحزب» انّه سيكون بالدرجة الأولى في موقع الدفاع المشروع عن النفس، في حال قرّر المشاركة في الحرب إن وقعت.
وهذا تحديداً ما لفت إليه قاسم عندما أوضح انّ الحزب تبلّغ من الوسطاء بأنّ إسرائيل وأميركا يفكران في أيهما أفضل: ضرب «حزب الله» اولاً ثم إيران، أم ضرب إيران ثم «حزب الله»، أم ضرب الاثنين معاً؟
من هنا، يتصرّف «الحزب» على أساس انّ الحرب المقبلة المحتملة على إيران تختلف عن حرب الـ12 يوماً التي ظلّ في منأى عنها، كونها هذه المرّة ستتخذ الطابع الوجودي الذي لا تنفع معه الخيارات الرمادية.
ولعلّ «الحزب» يفترض انّ الإعلان عن موقفه التحذيري في هذا التوقيت تحديداً، قد يفيد في التأثير على قرار استهداف إيران لناحية محاولة دفع أصحابه نحو التمهل في اتخاذه وتغليب التعقل على التهور، خصوصاً انّ أمن الكيان الإسرائيلي سيكون اول المتضررين وأكبرهم، والمنطقة بمجملها قد تشتعل، ما يتعارض مع مصلحة كياناتها، ومن ضمنها تلك الحليفة للولايات المتحدة الأميركية.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :