كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
في المشهد السياسي والإعلامي الراهن، لم يعد من الصعب على المتابع أن يلحظ ظاهرة تتفاقم بصمتٍ وقاحة: كلما ازداد “القبض”، علا الصوت. وكلما تضخّمت الحوالة، ارتفعت حدّة الخطاب، لا دفاعًا عن قضية ولا انتصارًا لقيمة، بل أداءً لوظيفة مدفوعة سلفًا.
بعض الإعلاميين – لا كلهم – تحوّلوا من أصحاب رأي إلى أبواق موسمية، تتبدّل نبرتهم بتبدّل المموّل، ويشتد صراخهم بقدر ما تمتلئ الجيوب. المفارقة أن هذا الانحدار لا يقتصر على لون سياسي واحد، بل ينسحب على كامل الطيف: من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن شعارات “السيادة” إلى أناشيد “العدالة الاجتماعية”. العناوين تختلف، لكن الآلية واحدة: صوت للإيجار.
الأخطر في هذا المشهد أنه لم يعد يُقدَّم كاستثناء مخجل، بل كقاعدة عمل. المبارزات الإعلامية باتت أقرب إلى مباريات استعراضية، حيث لا يهم من ينتصر بالحجة، بل من يصرخ أعلى، ومن يطلق توصيفًا أكثر حدّة، ومن يحصد تفاعلًا أكثر، ولو على حساب الحقيقة والعقل العام.
وهنا يُطرح السؤال بمرارة لا تخلو من السخرية:
هل نحن أمام ولادة “سوق عكاظ” جديدة؟
هل سنرى قريبًا معلّقات سياسية مدفوعة سلفًا، تُلقى على منصّة مجلس النواب، لا لتشريع القوانين، بل لاستعراض البلاغة الفارغة، وتسجيل النقاط، وإرضاء الرعاة؟
مجلس النواب، الذي يُفترض أن يكون مساحة نقاش عقلاني ومسؤول، مهدّد بأن يتحوّل إلى مسرح مفتوح للمزايدات، حيث تُدار “مباريات” خطابية لا علاقة لها بمصالح الناس، بل بحسابات النفوذ والتمويل والظهور الإعلامي. وفي الخارج، إعلام يصفّق، يهوّل، ويعيد تدوير الصراخ نفسه، كأنه حقيقة مطلقة.
وسط هذا الضجيج، يضيع السؤال الأهم: من يدافع فعلًا عن الناس؟ من يتكلم حين لا يكون هناك ثمن؟ ومن يملك شجاعة الصمت حين يكون الكلام خيانة؟
البلاد لا تحتاج إلى خطباء سوق، ولا إلى معلقات سياسية محفوظة القافية، بل إلى كلمة صادقة، حتى لو كانت هادئة، وإلى موقف لا يُقاس بقيمة العقد، بل بثقل المسؤولية.
أما إذا استمر هذا الانحدار، فلن نكون أمام أزمة إعلام أو سياسة فقط، بل أمام انهيار معنى الكلمة نفسها… وحينها، لن يبقى في الساحة سوى الضجيج.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :