النوم والتنوير في أوروبا الحديثة المبكرة : تاريخ ثقافي

النوم والتنوير في أوروبا الحديثة المبكرة : تاريخ ثقافي

 

Telegram

حظي النوم في أوروبا الحديثة المبكرة بمكانة تتجاوز كونه حالة فسيولوجية طبيعية، إذ عد ممارسة يومية كثيفة الدلالات، تقع عند تقاطع الطب والدين والأخلاق وتنظيم الحياة المنزلية. فقد نظر إلى النوم بوصفه شرطا أساسيا للحفاظ على الجسد، واستقرار العقل، وسلامة الروح، ومقياسا دقيقا لعلاقة الإنسان بالطبيعة وبإرادة الله. ومن هنا تشكل حول النوم نظام معرفي وعملي معقد، شارك في بنائه الأطباء، ورجال الدين، ومؤلفو الأدلة المنزلية، وربات البيوت، بحيث غدا النوم مجالا من مجالات التدبير اليومي الدقيق، لا يقل أهمية عن الغذاء أو العبادة.
ارتكزت التصورات المبكرة للنوم على الطب الأخلاطي الموروث من العالم القديم، حيث اعتبر النوم عنصرا حاسما في عملية الهضم، فالنوم المعتدل كان يفهم بوصفه اللحظة التي تنسحب فيها حرارة الجسد إلى مركزه، فتقوي المعدة والكبد، وتساعد على «طبخ» الطعام وتحويله إلى غذاء صالح لتوليد الدم والحياة. ولهذا السبب ارتبطت قيمة النوم ارتباطا وثيقا بالمعدة، وتحولت وضعية النوم، وتوقيته، ومدته، وحتى نوع الفراش المستخدم، إلى أدوات طبية تهدف إلى تحسين الهضم وضمان صحة الجسد. وكان أي اضطراب في النوم يفسر غالبا بوصفه نتيجة خلل هضمي، أو إفراط في الطعام والشراب أو سوء تدبير الجسد.
غير أن هذا الفهم لم يكن جامدا، بل بدأ منذ النصف الثاني من القرن السابع عشر يشهد تحولا تدريجيا عميقا. ففي كتابها «النوم في إنكلترا الحديثة المبكرة»، لاحظت المؤرخة البريطانية ساشا هاندلي، أنه ابتداء من ستينيات القرن السابع عشر، أخذ الدماغ والجهاز العصبي يحتلان موقعا مركزيا في تفسير النوم واليقظة، من دون أن يلغيا بالكامل الدور التقليدي للمعدة. أصبح النوم ينظر إليه بوصفه الحالة التي تستعاد فيها طاقة الأعصاب، وتهدأ فيها انفعالات العقل، وتصان فيها قدرات الحكم والتفكير. ولم يعد النوم مجرد خادم للهضم، بل حارسا للعقل، وشرطا أساسيا للعقلانية، والإنتاجية، والاستقامة الأخلاقية.
أسهم هذا التحول في إعادة تعريف النوم كقضية تتجاوز الفرد إلى المجتمع. فالعقل السليم لم يعد شأنا شخصيا، بل ركيزة للنظام الاجتماعي، ما جعل النوم الجيد مسؤولية أخلاقية ودينية، وواجبا مدنيا غير معلن. ومع ازدياد القلق من اضطرابات الأعصاب، صار النوم المنتظم علامة على الانضباط الذاتي، والاعتدال، والحياة الفاضلة، في حين ارتبط الأرق، أو الإفراط في النوم، بالترف، أو الانحلال، أو ضعف الإرادة.
هندسة غرف النوم :


داخل هذا الإطار، احتل البيت موقعا محوريا في إدارة النوم. فقد كانت غرفة النوم، والسرير، والمفروشات، والهواء، والحرارة، عناصر فاعلة في إنتاج النوم الصحي أو تقويضه. لم يكن النوم فعلا فرديا معزولا، بل ممارسة مادية واجتماعية، تتم داخل فضاء منزلي محمل بالمعاني الصحية والدينية. ولهذا السبب استثمرت الأسر وقتا وجهدا ومالا في تنظيم بيئة النوم، بدءا من اختيار موضع السرير داخل الغرفة، وصولا إلى نوع الحشو المستخدم في الفراش.
أولى هذا النظام أهمية كبرى للهواء، الذي اعتبر شرطا أساسيا لصحة الجسد أثناء النوم. فالهواء النقي، البارد نسبيا، والمتجدد، كان ينظر إليه بوصفه عاملا حاسما في تهدئة الأعصاب، وتنظيم حرارة الجسد، ومنع فساد الأخلاط. ولهذا فضلت غرف النوم الواقعة في الطوابق العليا من المنازل، حيث الهواء أنقى وأقل رطوبة من غرف الطابق الأرضي. كما شجع اختيار البيوت المبنية على أراض مرتفعة، بعيدا عن المستنقعات والهواء الفاسد، وتوجيه غرف النوم شرقا للاستفادة من شمس الصباح التي تطرد هواء الليل الضار. وانعكس هذا الاهتمام بالهواء على تصميم غرف النوم نفسها. فقد بدأ التراجع عن الأسرة المحاطة بستائر ثقيلة ومغلقة، التي كانت تعد سابقا رمزا للدفء والخصوصية، لكنها أصبحت تنتقد بوصفها عائقا أمام حركة الهواء. وبدلا من ذلك فضلت الأسرة الموضوعة في أماكن مفتوحة من الغرفة، بعيدة عن الزوايا الرطبة والمظلمة. وحتى عندما فرضت الظروف المعمارية غرفا منخفضة السقف أو سيئة التهوية، سعى الناس إلى تحسينها عبر تقليل الأقمشة الثقيلة، أو استخدام نباتات وأعشاب ذات خصائص مبردة.
غير أن العلاقة مع الطبيعة لم تكن خالية من التناقض. فبينما استخدمت الزهور والأعشاب تاريخيا لتعطير غرف النوم، وتلطيف الأجواء وتهيئة الجسد للاسترخاء، بدأت تظهر في القرن الثامن عشر تحذيرات من إبقاء النباتات قرب السرير، لما قد تطلقه من أبخرة ليلية تفسد الهواء وتضر بالجهاز العصبي. وهكذا نشأ توتر دائم بين تقاليد حسية قديمة ترى في الروائح الزكية عنصرا مهدئا، ومعارف طبية جديدة تحذر من آثارها الخفية. إلى جانب الهواء، شكلت الحرارة محورا أساسيا في تنظيم النوم. فقد اعتبر الإفراط في الدفء خطرا لا يقل عن البرودة أو الهواء الفاسد. ومع مرور الوقت، تراجعت القناعة القديمة بجدوى إشعال النيران في غرف النوم، وحل محلها خوف متزايد من أن تؤدي الحرارة الزائدة إلى إضعاف الأعصاب، وإرخاء الجسد، وإفساد التوازن الداخلي. وصار الاستلقاء الطويل في فراش دافئ جدا ينظر إليه كفعل مضر، يضعف الجسد والعقل، ويفتح الباب أمام أمراض جسدية ونفسية.
انعكست هذه المخاوف على تقييم أنواع الفرش المستخدمة. فقد تعرضت الأسرة المحشوة بالريش لانتقادات لاذعة، إذ قيل إنها تمتص القوة الطبيعية من الجسد، وتحبس الرطوبة، وتفسد الأعصاب، فضلا عن احتفاظها بمخلفات غير مرئية. في المقابل فضلت الحشوات الأبسط، مثل القش أو شعر الخيل، لأنها أبرد وأكثر امتصاصا، وتنسجم مع فكرة النوم المعتدل غير المترف. وهنا تداخل الطب بالأخلاق، حيث صور الترف الجسدي بوصفه خطرا صحيا وروحيا في آن واحد.
يتجلى هذا التداخل بوضوح في نصائح تتعلق بالأطفال، فقد أولى الكتاب الأطباء اهتماما خاصا بوضعيات نوم الأطفال، وموقع المهد، ونوعية الفراش، ليس فقط لتفادي الأمراض، بل لمنع التشوهات الجسدية، وضبط التطور الحسي والنفسي. واعتبر تعريض الطفل للضوء بطريقة غير متوازنة، أو تركه في ظلام دامس لفترات طويلة، خطرا على نموه البصري والعاطفي. كما شجع فصل الأطفال عن أسرة البالغين في أقرب وقت ممكن، حماية لأجسادهم، وتنمية لقدرتهم على تنظيم حرارة أجسادهم بشكل مستقل.

النوم والدين في أوروبا

في كل هذه الممارسات، لم يكن الدين غائبا، بل على العكس، ظل النوم يفهم ضمن إطار مسيحي واسع يرى في الجسد أمانة، وفي الصحة شرطا لممارسة الواجبات الدينية. وكان النوم الجيد علامة على حياة منضبطة، متوافقة مع إرادة الله ونظام الطبيعة، بينما فسرت اضطرابات النوم أحيانا بوصفها نتيجة خلل أخلاقي، أو انغماس في الشهوات، أو تقصير في ضبط الذات. ومع ذلك، لم يلغ هذا الإطار الديني الاعتماد على الوسائل الطبيعية والطبية، بل تداخل معها في مزيج عملي وبراغماتي.
ما يكشفه الكتاب أن النوم في إنكلترا الحديثة المبكرة، وأوروبا عموما، لم يكن فعلا بيولوجيا بسيطا، بل ممارسة ثقافية كثيفة التنظيم. فقد جرى إخضاع النوم لسلسلة من القواعد الدقيقة، التي طالت توقيته، ومدته، وموضعه، وبيئته، وحرارته، ومواده. ومع تطور المعارف الطبية، خاصة العصبية منها، ازدادت كثافة هذا التنظيم، وتوسعت مسؤولية الفرد في إدارة نومه، بوصفه شرطا لصحة الجسد، وسلامة العقل، واستقامة الروح، بل واستقرار المجتمع بأسره. وبالتالي يمكن القول، إن تاريخ النوم في هذه الفترة هو تاريخ لتحول الجسد إلى مجال للضبط والمعرفة، حيث التقت الطبيعة بالإيمان، والطب بالأخلاق، والبيت بالمجتمع، ليغدو النوم فعلا يوميا محملا بالمعاني، لا يقل أهمية عن اليقظة نفسها.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram