فيما نظراتنا شاخصة عبر زجاج النافذة نحو قبّة الصخرة وأضواء البلدة القديمة، تخيّلت عينيها التي ستطلّ على الدمار والرمادي بدرجاته المختلفة بعد أيام، عبر نافذة دون زجاج. أرتجف وأنا أتمثّل الريح الباردة التي ستتسلّل، بعد أن تعجز شوادر النايلون عن صدّها، حولتُ نظري عن القدس إليها، سألتها وأنا أحاول أن أخفي قلقي: ألستِ خائفة من العودة؟ قالت والبِشر يملأ وجهها: لا… ما مصدقة وأرجع!
قبل لحظات وصفَت لي كلّ الدمار الذي نزل ببيتها بعد الاقتحام الأخير، حيث لم يبق إلّا الجدران دون نوافذ ولا أبواب ولا أثاث صالح للاستعمال. حاولتُ أن أعزيها وهي تفصّل تدمير حاجياتها، بتواجد عائلتها بين جدران منزلهم، فهذه صارت ميّزة قلّما تتوفر لمعظم سكان قطاع غزّة، ومهما كان حال البيت سيبقى أفضل بكثير من الخيمة.
نعود لشرودنا وتأمل أسوار المدينة، أتخيّل حال الحيّ وسط كلّ الدمار… قالت أنّ عمارتهم هي الوحيدة التي بقيت في الحيّ الذي كان مكتظًا بالعمائر والحياة قبل الحرب. أتخيّلها وسط رمادية بقايا الحياة هناك بعد أيام، على الأرجح لن أراها مرّة أخرى، يعتريني القلق الشديد… أحاول أن أكتم قلقي كي لا أخيفها أو أفسد فرحتها بالعودة. لكن أليس من الطبيعي أن أقلق وقد صرتُ أشعر أنّها ابنتي؟ في حين أنّها أقرب عمرًا لأن أكون ابنتها. لكنّه القدر الذي جمعني بها مصادفة، في رحلة علاج من القطاع إلى القدس، وشعوري بنوع من المسؤولية اتجاهها، مما نمّا شعور الأمومة كذلك، لأصبح أقرب من لها في القدس خلال العامين.
تودّعنا أكثر من مرّة خلال عامي الحرب، مع إخطارات كانت تصلها وغيرها من مرضى غزة العالقين في القدس، بالتجهّز للعودة، وفي كلّ مرّة ألغي الترحيل. حتّى تحوّل هذا إلى مؤشر عندي، لعدم انتهاء الحرب. في جلستنا هذه، كان قد مرّ أكثر من شهر على إعلان وقف إطلاق النار، لكنّي حتّى حينها كنت في توجس، متسائلة: هل انتهت الحرب حقًا؟
تودّعنا في مدخل الفندق التابع للمشفى، في لقاءٍ أقلّ درامية من سابقيه، بحدسي أنّ العودة المنتظرة لمكانها وعائلتها لن تكون بعد يومين كما أخبروها. لكن حين يأتي الإخطار التالي بعد أيام، لن تبلغني لخشيتها أن يكون كاذبًا كما سابقيه، ليصدق هذه المرة!
سأدرك مصدومة من وسائل الإعلام أنّ أمّ عادل (اسم مستعار)، قد غادرت مع بقيّة المرضى إلى غزّة العالقين في القدس، دون أن أودّعها. أحاول أن اتصل… لا من رنين ولا من ردّ… أجدني فقدت شخصًا يخصّني نحو المجهول، دخلتُ دون أن أتحكم بنفسي في نوبة هستيرية من البكاء، لم أهدئ حتّى وصلت رسالة منها، تبلغني أنّها في خان يونس، وقد مرّ على مغادرتها القدس 15 ساعة ولم تصل بعد.
ظلام دامس وسط انقطاع الكهرباء، تقلّب وسيلة النقل يمينًا ويسارًا وسط الحفر، التعب المتسلل إلى الجسد، كلّها تلوح في مخيّلتي وأتصوّرني مكانها هناك… تُرى متى ستصل بيتها وتطمئنني؟ غفوت وأنا أنتظر انتهاء سفرة من القدس الى غزة طالت حتى 19 ساعة، في مدّة يمكن اليوم أن يقطع المرء فيها نصف الكرة الأرضية، لكنّ وقت الفلسطيني، يختلف عن أوقات وحسابات باقي الشعوب في زمن العولمة.
عادت أم عادل وتغيّرت ممارسات حياتها وحصولها على الحاجيات الأساسية، مثلما انقلبت حياة الأصدقاء في القطاع منذ اندلاع الحرب. تمرّ ثلاثة أشهر على وقف إطلاق النار، ونقف على عتبة عام جديد، لكنّ الحرب لم تتوّقف وتحمل لعناتها وتنجلي عن حياة من لي هناك، ولا أخذت آلامها وذاكرتها عنّي، بل ما زالت في روحي تنهشها، وما زال السؤال ذاته منذ وقف إطلاق النار يلاحقني: هل انتهت الحرب؟
يأتي صوت أمّ عادل برسالة مسجّلة، بنفس متقطع مع صفير يشبه هبوب ريح باردة، متسلّلة عبر أغطية النوافذ: «مش قادرة أحكي، نزلة برد، رضى من رب العالمين».
مطر وبردٌ وبين نزلة برد هنا، ونزلة برد هناك، يفوق الواقع الخيال بمسافة أعلى أكثر فأكثر، فإن كانت صدمتها بالواقع الفائق للخيال، كما وصفت بعد وصولها، وهي متابعة للأحوال وتفاصيلها طيلة الوقت عبر زوجها وأبنائها، فماذا عن خيالنا نحن الذين نتابع ما يحصل عبر الأصدقاء والأقارب ووسائل الإعلام؟
وقف إطلاق النار ضمن مئات من الخروقات، والحياة وسط مدن وقرى تحوّلت إلى جثّة… فإن كان استيعاب المرء للموت والبدء بتخطي حزنه بدفن عزيزه، فكيف سيمكن البدء بتخطي الحزن وقد أحالت المقتلة، بلادًا كاملة إلى جثة؟ جثة لا يمكن دفنها بل يجب العيش معها، وإعادة إدارة الحياة من جديد وسطها بكلّ النقص الموجود من الموارد. هذا دون انتهاء أخبار موجعة تفوق الخيال من السجون، ولتبقى يومياتنا في الضفة والقدس ترتبط بالحواجز واعتداءات المستوطنين وتفقّد أخبارها، ويومياتنا في الداخل بأخبار القتلى الجدد.
ربّما توقّفت الحرب ونجا من نجا بحياتهم، فهل نجت أرواحهم وهم يكافحون لبقاء أجسادهم؟ يصرخ الغزي المتألّم رافضًا أن يتحوّل إلى دور البطولة، ليذكّرنا من حين لآخر أنّه إنسان، إنسان مثلنا، ليست مسألة صموده، لنتفاخر به في المقاهي وصالونات الشَعر، ومنصات الشِعر، بل حيٌّ وسط طين قهره، لأنّها حياة فُرض عليه عيشها، دون متّسع من الخيارات الأخرى.
ربّما توقّفت الحرب، وربّما هي مهلة لاستجماع الأنفاس، لكن خلال ذلك لم تستعد الروح أنفاسها وآمالها التي كانت قبل الحرب، خلال كلّ مسيرة الألم والشيب التي مرّت به. إذ ما زالت جثة لصديق شاعر وعائلته لم تستخرج وتدفن رغم مضي أكثر من عامين على استشهاده، وتشرّد الكثير من أبناء الوطن وبينهم أدباء ومثقفين من غزة ومن الأسرى المحرّرين في بقاع الأرض وسط مرحلة تهجير، ستساهم في تشكيل أدب منفى فلسطيني جديد، يقابل أدب الأسرى. أدبٌ يحمل قهر العجز والاغتراب والحنين، بذاكرة مقصوفة اجتثت أماكنها وحياتها الاجتماعية.
ربّما توقّفت صافرات الإنذار وصدى سقوط الصواريخ والاهتزازات في الجليل، لكن لم يغب صوت الطيران كليًا، ولا التلويح والوعيد بحرب أخرى قريبة. ولم تغب عيون القناصة عن طريقي إلى الجامعة من القدس إلى رام الله، ما زال العدّ مستمرًا، كم مرّة كنتُ هدفًا محتملًا خلال اليوم، لبندقية تتأمل مروري. ما زال التنقل بين مدن الضفة، محكومًا بالزمن الممتد بين حاجز وحاجز، وعلى أثره تتعلّق حياتنا بمعظم جوانبها ونحن نرهنها لأمل بزمن أفضل، تعود فيه المسافات إلى امتدادها الطبيعي.
كيف يستعيد قلب اعتاد الألم والعجز المتواصل يوميًا طيلة عامين ونيف، أنفاسه؟ كيف يستطيع الكاتب الفلسطيني في أماكنه الموجوعة أن يزرع الأمل وسط ألمه الشخصي؟ الممتد من جنوب فلسطين إلى جنوب لبنان وجنوب سوريا، وهو ليس إلا مكوّنًا صغيرًا من حقيبة الجنوب العالمي المثقلة بالتعب؟
كيف يرحل بتعبه ويصدّره ليسمعه العالم، وسط قيود الجدران المرئية والمخفيّة؟ وعدسات القناصة على تنوّعهم بين شمال وجنوب؟ فهل من طوق نجاة؟
قالت صديقة شاعرة من مخيّم النصيرات: أحبّ أن تتاح لي فرصة لمغادرة قصيرة ألملم فيها أنفاسي، لكنّي سأريد أن أعود، حتّى من غادروا يتألمون ومرهقين جدًا، رغم كلّ الدمار لن أترك غزة هل تفهمين أسبابي؟
سألت صديقة من الناصرة: أيّ خُطط توضع لنا؟ دورنا آتٍ… السؤال كيف سيكون شكل تهجيرنا؟
قال صديق من الرامة: يكبر عدد المهاجرين من الجليل… ماذا سيخسر المهاجر إن ترك البلاد؟ حياتنا ليست بحياة… هل هذه الحياة وسط الحروب وانتشار العنف والقتل والعنصرية حياة؟
تساءل فنان من البعنة: إلى متى سيبقى الحال هكذا؟ إلى متى سنبقى مخنوقين ونحن نحاول أن نمرّر رسائلنا؟
سأل شاعر طالب لجوء في أوروبا: أنا غريبٌ وحيدٌ أتشظى هنا بكلّ الألم الذي هناك، هل تملك اللغة أن تعبّر عن كلّ القهر والوجع الذي في غزة؟ لمن نكتب؟ من يقرأ؟ ومن يسمع صوتنا؟
صرخ رجل هدموا بيته في القدس: إلى أين أذهب أيّها العالم؟
صرخ الشهيد الفلسطيني الأول قبل ألفي عامٍ من على الصليب سائلًا: إلهي… إلهي لماذا تركتني؟
كتبت شاعرة من غزة استشهد جميع أطفالها: لمن أراد أن يحصل على إحدى كتبي، سأهديها له، انتظروني…
وأنشدت عجوزٌ في الشتات ترث اللجوء منذ النكبة: يا أهل فلسطين شدوا بعضكم…
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :