هل يمكن تجنب حرب أميركية إسرائيلية أخرى على إيران؟

هل يمكن تجنب حرب أميركية إسرائيلية أخرى على إيران؟

 

Telegram

تعقد اليوم في جنيف جولة ثانية من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، سبقتها تصريحات تشير إلى أنّ رفائيل جروسني، المدير العامّ للوكالة الدولية للطاقة النووية، سيشارك فيها وأنّ إيران ستقدّم خلالها مسوّدة لاتفاق ترى أنه يساعد من وجهة نظرها على سدّ الثغرات وتسوية الخلافات حول برنامجها النووي، بل وتذهب بعض المصادر الإعلامية إلى حدّ التأكيد أنّ الولايات المتحدة باتت الآن مستعدّة لإبرام اتفاق مؤقت، إن هي وجدت في المسوّدة الإيرانية ما يشجّع على القيام بخطوة تخفّف من حدة التوتر الذي يخيّم على المنطقة وتمهّد لاتفاق نهائي يبرم في مناخ يتسم بقدر أكبر من الثقة المتبادلة.

 

 

ورغم ما توحي به هذه التصريحات أو التسريبات من تفاؤل حذر، إلا أنّ استمرار التدفّق غير المسبوق للحشود العسكرية الأميركية نحو المنطقة، بالتوازي مع انطلاق مناورات عسكرية إيرانية تجرى بالذخيرة الحيّة داخل مضيق هرمز، يوحي بأنّ الصدام العسكري بين البلدين قد يقع في أيّ لحظة وأنّ استمرار المفاوضات بينهما لا يعني استبعاد شبح الحرب، وأنّ كلا الطرفين قرّرا دفع الأمور في اتجاه الحسم، سلماً أو حرباً، ما يعني أنّ جولة المفاوضات الحالية قد تقطع الشكّ باليقين وتحدّد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو التهدئة أم نحو انفجار كبير.

 

 

شواهد كثيرة تدفعنا للاعتقاد بأنّ احتمالات وقوع الانفجار ترجّح على احتمالات التهدئة، أهمّها:

1- اتساع الفجوة بين المطالب الأميركية والمواقف الإيرانية إلى درجة قد يستحيل ردمها.

2- صعوبة التوصّل إلى اتفاق، أياً كان مضمونه، في ظلّ دور تخريبي يتوقّع أن تقوم به “إسرائيل” لقطع الطريق على أيّ اتفاق محتمل.

فـ “إسرائيل” ترى أنّ التهديد الوجودي الذي تواجهه يكمن في النظام الإيراني نفسه، وبالتالي تتصرّف على أساس أنه لا مخرج من الأزمة الراهنة إلا بتغييره أو بفرض الاستسلام عليه، وكلاهما غير قابل للتحقّق عبر المفاوضات، ما يعني أنّ الحرب أصبحت خيارها الوحيد.

3- ضعف النظامين الإقليمي والدولي. فرغم معارضة الدول العربية والإسلامية في المنطقة شنّ حرب جديدة على إيران، إلا أنها لم تتخذ من المواقف الجماعية الموحّدة ما يكفي لردع الدول المتحفّزة، وكذلك حال النظام الدولي الذي يمرّ حالياً بمرحلة سيولة تضعف من قدرته على كبح جماح غطرسة أميركية تجاوزت كلّ الحدود.

 

 

صحيح أنّ روسيا والصين يقدّمان الدعم لإيران، لكن في الحدود التي قد تساعدها على الصمود وليس ما يكفي لردع العدوان أو للحيلولة دون وقوع الحرب.

 

ليس صحيحاً أنّ الهدف الرئيسي للولايات المتحدة هو منع إيران من تصنيع سلاح نووي، فكلّ الدلائل تشير إلى أنّ إيران مستعدة لتقديم كلّ ما يلزم من ضمانات لتأكيد سلمية برنامجها، بما في ذلك القبول بكلّ ما يمكن تصوّره من آليات التفتيش والرقابة على منشآتها النووية.

 

غير أنّ ذلك لا يعني أنّ جميع الإشكاليات بدأت تأخذ طريقها نحو التسوية، فلا تزال هناك عدد من القضايا الجوهرية التي تحتاج إلى حلول توافقية، في مقدّمتها حقّ إيران بتخصيب اليورانيوم على أراضيها، ونسبة التخصيب المسموح بها، ومصير كمية اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% التي أنتجتها إيران عقب الانسحاب الأميركي من اتفاق 2015، ورداً على هذا الانسحاب، وتزن نحو 444 كجم.

 

صحيح أنها أمور قابلة للتسوية من الناحية الفنية، لكنّ التوصّل إلى حلول وسط بشأنها يتطلّب توافر حسن النيّة، وهو ليس متاحاً في الأوضاع الراهنة.

 

فقد بات واضحاً أنّ الهدف الحقيقي للولايات المتحدة لا ينحصر في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وإنما منعها من امتلاك معرفة علمية تمكّنها من الانطلاق نحو آفاق رحبة للتقدّم في مختلف المجالات، خصوصاً حين ترتبط هذه المعرفة بإرادة سياسية مستقلة تسعى لبناء نموذج تنموي يعتمد على الذات، ما يفسّر الإصرار الأميركي على تفكيك برنامج إيران الصاروخي، الذي لا علاقة له بالبرنامج النووي ولا توجد اتفاقيات دولية تضع له سقوفاً تبرّر تقييده أو إيقافه.

 

ولا شكّ أنّ هذا الإصرار، في حال استمراره، سيقود حتماً إلى انفجار كبير في المنطقة، وهنا مكمن الخطر.

 

لو كانت الولايات المتحدة تريد لهذه المنطقة أن تستقر حقاً وأن تنعم بالسلام، كما يدّعي ترامب، لبادرت بدعوة دولها لتأسيس نظام للأمن إقليمي يساعد على الحدّ من سباق التسلّح ويسعى في الوقت نفسه لإخلاء المنطقة برمّتها من أسلحة الدمار الشامل، ولو تدريجياً وعلى مراحل.

 

 

لكن حين تصرّ هذه الدولة المتغطرسة على تجريد إيران وحدها من برنامج نووي سلمي ومن برنامج صاروخي يساعدها على الدفاع عن نفسها، فليس لذلك سوى معنى واحد هو أنّ الولايات المتحدة لا تسعى لتحقيق أمن المنطقة واستقرارها وإنما لإفساح الطريق أمام “إسرائيل”، “الدولة” الوحيدة التي تملك ترسانة نووية ومنظومات أسلحة تعدّ من بين الأكثر تطوّراً في العالم أجمع، للهيمنة على المنطقة بأسرها.

 

 

لذا فإنّ عدم التوصّل إلى اتفاق مع إيران حول برنامجها النووي في جولة المفاوضات التي ستعقد اليوم في جنيف سيؤكّد أنّ الولايات المتحدة لا تزال تصرّ على مطالبها غير المبرّرة تجاه إيران، ما سيفتح الباب واسعاً أمام انفجار كبير في المنطقة عليها أن تتحمّل المسؤولية الكاملة عن كلّ ما قد ينجم عنه.

 

 

يدّعي ترامب أنه ملك إبرام الصفقات لا شنّ الحروب، وأنه يجيد فنّ التفاوض تحت التهديد وقادر على أن يحصد من ورائه كلّ ما يرجوه من نتائج، لكنه شديد الحرص في الوقت نفسه على عدم الزجّ بالولايات المتحدة في حروب ممتدة، كتلك التي خاضها أسلافه من قبل. لذا يعتقد أغلب المتابعين لسياسة ترامب الخارجية أنّ أقصى مدى يمكن أن يذهب إليه، في مواجهته الحالية مع إيران، لا يخرج عن واحد من بديلين:

 

الأول: شنّ حرب محدودة عليها، عبر توجيه ضربات جوية أو صاروخية أو سيبرانية لفترات قصيرة قد تمتد لأيام أو لأسابيع قليلة، مثلما حدث في حرب الـ 12 يوماً في حزيران/يونيو الماضي، ما يعني أنه لن يفكّر مطلقاً في شنّ حرب برية كتلك التي شنّها بوش الابن على كلّ من أفغانستان والعراق، حتى ولو كان هدفه الحقيقي إسقاط النظام الإيراني.

والثاني: القيام بعملية عسكرية خاطفة لاغتيال المرشد الأعلى أو اختطافه، كتلك التي قام بها في فنزويلا، وهو ما صرّح به ترامب نفسه. غير أنّ احتمالات نجاح عملية من هذا النوع في تحقيق الأهداف المرجوة منها تبدو ضعيفة تماماً.

فإيران ليست فنزويلا، فضلاً عن أنّ خطف المرشد الأعلى أو اغتياله لن يؤدّي تلقائياً إلى سقوط النظام أو إجباره على تغيير سياساته، كما حدث في فنزويلا، ما يعني أنّ الإقدام عليه قد يتسبّب في حدّ ذاته في إشعال الحرب التي قد تتحوّل بسرعة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، وهو ما يسعى ترامب لتجنّبه.

يعتقد على نطاق واسع أنّ إيران استخلصت دروساً مستفادة من تجربتين سابقتين مريرتين، الأولى: حين شنّت عليها “إسرائيل” حرباً في حزيران/يونيو الماضي، شاركت فيها الولايات المتحدة في وقت كانت الاستعدادات تجري على قدم وساق لبدء جلسة مفاوضات تمّ الاتفاق على موعدها سلفاً، ما يملي على إيران ضرورة التحوّط والحذر والاستعداد لكلّ الاحتمالات والمفاجآت. والثانية: حين جرت محاولة أميركية إسرائيلية مشتركة للتحريض العلني على قلب نظام الحكم في إيران، عبر استغلال الاضطرابات الداخلية التي اندلعت منذ أسبوعين بسبب المعاناة الناجمة عن العقوبات الأميركية والأوربية، ما كرّس في عقل النظام الإيراني ما يشبه اليقين بأنه يواجه تهديداً وجودياً دائماً ويفسّر في الوقت نفسه تصريحه الصاخب بأنّ أيّ عدوان جديد يرتكب ضدّ إيران، مهما كان محدوداً، سيقابل هذه المرة بردّ عسكري واسع النطاق لن يقتصر على القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة وإنما سيمتدّ ليشمل “إسرائيل” فحسب وجميع الدول التي ستقدّم أيّ نوع من التسهيلات للعدوان، ما يعني أنّ أيّ ضربة أو حرب محدودة قد تشنّ على إيران ستتحوّل هذه المرة إلى حرب إقليمية شاملة على الفور.

 

 

لا شكّ في أنّ العالم كلّه سيتابع مفاوضات جنيف اليوم وهو يحبس أنفاسه. غير أنّ هناك دولة واحدة ووحيدة في هذا العالم الفسيح، هي “إسرائيل”، تتمنّى أن تفضي هذه المفاوضات إلى أحد بديلين، الأول: إعلان صريح بالفشل، ما يعني توقّف المفاوضات وبدء الاستعداد لمواجهة عسكرية باتت حتمية، وهو البديل الذي تفضّله.

 

الثاني: رضوح النظام الإيراني واستسلامه التامّ للمطالب الأميركية، بالموافقة على عدم تخصيب اليورانيوم على أراضيه، والقبول بتسليم اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% لطرف ثالث، والالتزام بفتح باب التفاوض مستقبلاً حول برنامجه الصاروخي وعلاقته بالفاعلين من غير الدول في المنطقة، وهو بديل قد تقبله “إسرائيل” على مضض لكنها لن تتحمّس له لأنه يبقي على النظام الذي تصرّ على إسقاطه.

 

ولأنّ رضوخ النظام الإيراني الحالي لجميع المطالب الأميركية يبدو مستبعداً تماماً، فقد تفضي مفاوضات جنيف اليوم إلى بديل ثالث، ألا وهو قبول الولايات المتحدة بتنازلات إيرانية تكفي لحفظ ماء وجه ترامب، كتجميد التخصيب لبعض الوقت، أو تخفيض نسبة التخصيب إلى حدود دنيا، وتسليم جزء من اليورانيوم المخصّب لدولة ثالثة تحظى بالثقة، مقابل موافقة الولايات المتحدة على رفع كامل للعقوبات وتقديم ضمانات قوية بعدم الانسحاب من الاتفاق مستقبلاً. حينئذ فقط سيتنفّس العالم الصعداء، لأنّ شبح الحرب سيبتعد عن المنطقة.

 

شخص واحد في العالم سوف يجهش بالبكاء في هذه الحالة، هو نتنياهو.

حسن نافعة-الميادين

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram