منذ عام 2004، أغرقت شركات التكنولوجيا الأميركية العالم بمنصّات التواصل الاجتماعي، وراكمت عبرها بيانات البشر، ثم باعتها في كثير من الأحيان، وبنت فوق هذه الكتلة الهائلة من البيانات أنظمة ذكاء اصطناعي تحصد من الأفراد معلومات لم يكن أي جهاز استخباري في العالم يحلم بالوصول إليها.
هذا كلّه في كفّة، و«إكس» في كفة ثانية. المنصّة المملوكة للملياردير المعادي للنقابات العمالية إيلون ماسك، تحوّلت إلى سيفٍ إمبراطوري مشحوذ بعناية، يُستخدم لضرب حقوق المستخدمين رقمياً، وزجّهم في متاهات وأوهام خوارزميات التضليل، وتحويلهم إلى وقودٍ دعائي يُسهِم في إسقاط الدول، ويغذّي ماكينة البروباغندا التابعة للآلة الحربية الأميركية، في خدمة الترامبية الفاشية، ضمن نموذج إمبراطوري يُعيد إنتاج الهيمنة بأدوات رقمية.
إدمان «إكس»
خارج الخطاب الذي يُسوَّق على منصّة «إكس» باعتبارها فضاءً مفتوحاً للنقاش الحرّ وتبادل الآراء، تُدار المنصّة فعلياً بصيغة بنية رقمية مصمَّمة لاستدراج المستخدم إلى البقاء الدائم. تُراكم التفاعلات، ويُهندس الانتباه، ويُدفع الفرد إلى الوجود المستمر عبر إيقاع متسارع من الصدام، والاستفزاز، والتحديث الذي لا ينتهي.
يتغذّى هذا التعلّق من القلق، ومن الإحساس بأن ترك المنصّة يعني الغياب عن المجال العام، وفقدان الاطّلاع على ما يحدث في الساحة الدولية، والخروج من مكان يُقدَّم فيه كل شيء على أنه عاجل ومصيري.
يكتسب هذا الدور وزنه من الحجم الفعلي للمنصّة وتأثيرها العالمي، إذ تشير أرقام حديثة نشرها موقع «ستاتستا» إلى أنّ عدد مستخدمي «إكس» حول العالم يتجاوز 415 مليون مستخدم، يتمركز قرابة 99 مليوناً منهم داخل الولايات المتحدة وحدها، ما يجعلها الدولة الأكثر حضوراً على المنصّة.
يُضاف إلى ذلك بُعد شخصي رمزي لا يقلّ تأثيراً، يتحوّل معه الوجود على «إكس» إلى محاولة تقارب مع ماسك نفسه، وإلى رهان ضمني على لفت انتباهه، أو نيل إعادة تغريدة منه، في منصّة أُعيد بناؤها حول شخص ماسك وهالته التكنولوجية.
دخل تومي روبنسون على خط الاحتجاجات في إيران
ولأن القلق وحده لا يكفي، عاد سؤال المحتوى الإباحي على «إكس» إلى الواجهة خلال الأيام الأولى من كانون الثاني (يناير) الجاري، مع تراكم شكاوى وتقارير تتحدث عن اتساع تداول مواد إباحية، جزء منها «مسموح» به وفقاً لسياسة المنصّة التي تتيح نشر العري والمحتوى الجنسي المُنتج بالتراضي، وجزء آخر يدخل في خانة الانتهاك، مثل العري غير الرضائي.
وفي هذا السياق، انفجرت فضيحة «غروك» (ذكاء اصطناعي يملكه ماسك مدمج مع «إكس») بعد توثيق استخدامه لإنتاج صور «تعرية» غير رضائية لنساء، وأحياناً لقاصرات، ثم تداولها على المنصّة، ما دفع دولاً وهيئات رقابية إلى التحرّك، إذ أعلنت إندونيسيا تعليق «غروك»، بينما صعّدت بريطانيا التلويح بالغرامات أو الحجب ضمن إطار قانون السلامة على الإنترنت، وفتحت أستراليا تحقيقاً بشأن صور مُولَّدة نُشرت عبر «إكس»، في وقت تدرس فيه أستراليا وكندا وبريطانيا خيارات حجب المنصّة.
بيت اليمين الرقمي
منذ استحواذ إيلون ماسك على منصّة «تويتر» في أواخر عام 2022 وتغيير اسمها إلى «إكس»، هجرت شرائح واسعة من النخب الفكرية والإعلامية، ومعها أصوات لا تُصنَّف ضمن اليمين، إلى منصّات أخرى، أهمّها «بلو سكاي» Bluesky و«سابستاك» Substack. قدّمت هذه البدائل بيئات أقلّ صخباً وأكثر قابليةً للاستخدام، مع هامش أوسع من الأمان والتحكّم بالمحتوى، وتجربة تواصل أخف حدّة سياسياً وغرائزياً.
مع هجرة كل تلك النخب، وإعادة ماسك تفعيل حسابات أقطاب اليمين التي كانت متوقّفة بقرار من الإدارة السابقة، أصبحت «إكس» منصّةً مفضّلة لنخب اليمين الشعبوي والفاشي، التي وجدت فيها بيئة أقلّ تقييداً وأكثر قابلية لنشر خطابها.
في أوروبا، ظهرت شخصيات مثل تومي روبنسون، المعروف بخطابه المعادي للمسلمين، الذي استخدم منصّة «إكس» لإعادة بناء حضوره السياسي بعد فترات من الحظر والملاحقات القضائية، ولتأجيج احتجاجات معادية للمهاجرين والمؤسسات داخل بريطانيا. وقد حظي هذا الحضور بدعم مباشر من ماسك، الذي أعاد نشر بعض تغريداته، ما منحها انتشاراً أوسع.
وفي أميركا الجنوبية، تحوّلت «إكس» إلى أداة أساسية داخل شبكات اليمين الشعبوي المرتبطة بحركات مناهضة للدولة والنخب التقليدية، وأدّت دوراً في تضخيم الدعوات الاحتجاجية خلال أزمات سياسية متلاحقة، كما ظهر في البرازيل والأرجنتين وفنزويلا، وفقاً لتقارير بحثية وإعلامية غربية.
أمّا في إيران، ورغم الحجب الرسمي، فقد استُخدمت المنصّة لتداول محتوى تعبوي وتحريضي موجَّه من الخارج، مع انتشار أدوات كسر الحجب مثل شبكات الـVPN. اللافت في هذا السياق دخول روبنسون نفسه على خط التفاعل مع الاحتجاجات قبل أيام، سواء عبر تغريدات نشرها، أو عبر ظهوره على قناة يوتيوب تديرها الناشطة الإيرانية الكندية Goldie Ghamari (گلسا قمری). وتزداد دلالة هذا المشهد مع وصول خطاب روبنسون، صاحب السجل القضائي الذي يشمل إدانات بالاعتداء والاحتيال وتزوير وثائق وأحكام ازدراء المحكمة، إلى شرائح من شباب بلدان غرب آسيا.
وفقاً لموقع «وورلد بوبوليشن ريفيو»، تضمّ منصّة «إكس» نحو 35 مليون مستخدم عربي، باحتساب المستخدمين داخل بلدانهم فقط، ما يشير إلى أنّ العدد الفعلي أعلى من ذلك. تتصدّر السعودية القائمة بحوالى 15 مليون مستخدم، تليها مصر بنحو 4.5 ملايين، ثم الإمارات بنحو 3 ملايين، والعراق بحوالى 2.8 مليون مستخدم، فيما يُقدَّر عدد المستخدمين في لبنان بنحو نصف مليون. إلى جانب ذلك، يُقدَّر عدد المستخدمين الإسرائيليين على المنصّة بحوالى مليون مستخدم.
حان وقت الرحيل
ملايين العرب حاضرون على منصّة تُلحق بهم أذى نفسياً متراكماً، وتُقزّم ثقافتهم ولغتهم وأفكارهم ضمن بيئة عدائية لا تعترف بهم إلا بوصفهم مادة تفاعل. تُغريهم أحياناً بتقاطعٍ عابر بين أجوبة «غروك» وبعض قناعاتهم، قبل أن تُدخِلهم في دهاليز بروباغندا تُلوّح بضرب بيوتهم وأوطانهم، وتُدار عبر شبكات بوتات وأجهزة استخبارات وغرف مُظلمة.
هكذا تُرفع مستويات التوتّر، ويُستنزف الانتباه، ويُدفَع المستخدمون إلى حالة استنفار دائم، يتبادلون الشتائم، ويخوضون معارك كلامية ضدّ بعضهم وضدّ خصوم وهميّين وطواحين لا وجود لها خارج الشاشة.
البديل من «إكس» موجود، والاستمرار فيها يعني القبول بدور المستخدم المستنزَف داخل منظومة لا تعمل لمصلحته ولا تعترف به. تتوافر اليوم أدوات عدّة، من بينها ما تقدّمه منصّة «بلو سكاي»، التي تتيح الانتقال إليها مع نقل منشورات المستخدم التي كتبها على «إكس». آن أوان مغادرة منصّة خطفها ماسك، وترك جمهور اليمين يصرخ وحيداً أمام مرآته الرقمية.
«غروك» يدخل رسمياً وزارة الحرب الأميركية
قال وزير الحرب الأميركي بيت هيغسث، يوم الإثنين، إن نموذج الذكاء الاصطناعي «غروك»، المملوك لإيلون ماسك والمُدمج مع منصة «X»، سيبدأ العمل داخل شبكات وزارة الحرب الأميركية، إلى جانب نماذج توليدية أخرى مثل محرك «غوغل»، في تحول كبير في طريقة إدارة البيانات العسكرية الأميركية.
وجاء الإعلان خلال خطاب ألقاه هيغسث في مقر شركة «سبايس إكس» في جنوب تكساس، أكد فيه أن البنتاغون يتجه إلى نشر «أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي في العالم» على جميع شبكاته، العسكرية والأمنية. وبحسب هيغسث، ستجري إتاحة كمّ واسع من بيانات أنظمة تكنولوجيا المعلومات العسكرية، إضافة إلى بيانات من قواعد استخباراتية، لاستخدامها في ما سمّاه «استثمار الذكاء الاصطناعي».
بهذا القرار، تحولت منصة «إكس» رسمياً إلى جزء من البنية التحليلية للمؤسسة العسكرية الأميركية، عبر «غروك» وقدرته على التعامل مع تدفقات معلومات آنية ودمجها مع بيانات تشغيلية وعسكرية. ويمنح هذا الدمج وزارة الحرب أفضلية معلوماتية واضحة، من خلال تسريع التحليل، وجمع المعلومات اللحظية والمنشورات المتداولة على «إكس»، ودعم اتخاذ القرار.
يمثل هذا المسار قطيعة واضحة مع نهج إدارة الرئيس السابق جو بايدن، التي وضعت أواخر عام 2024 إطاراً تنظيمياً يقيّد استخدام الذكاء الاصطناعي في الأمن القومي، ويحظر تطبيقات تمسّ الحقوق الدستورية أو تؤدي إلى أتمتة الأسلحة النووية. وحتى الآن، لا يزال مصير هذه القيود غير واضح في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :