كتب رشيد حاطوم
رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
إذا صحّت المعطيات المتداولة عن الرسالة الصوتية المنسوبة إلى الرئيس سعد الحريري، والتي شدّد فيها أمام مسؤولي الماكينة الانتخابية في تيار المستقبل على رفض «تعويم سمير جعجع انتخابياً» أو منحه أصواتاً سنّية أو غطاءً من حلفاء السنّة، فإننا نكون أمام موقف سياسي بالغ الدلالة، لا تفصيل عابر كما يحاول البعض تصويره.
فهذا الموقف، إن ثبت، لا يستهدف شخص جعجع فحسب، بل يضرب في العمق مشروعاً سياسياً حاول رئيس «القوات اللبنانية» بناءه خلال سنوات غياب الحريري القسري عن المشهد، مستفيداً من فراغٍ سنّي غير مسبوق، ومن تشرذم الساحة، ومن أوهام القدرة على تمثيل «العبور الطائفي» من بوابة الأصوات السنّية.
غياب سعد الحريري لم يكن حياداً، بل تحوّل إلى ثغرة استُبيحت عبرها الساحة السنّية من كل من هبّ ودبّ: مرشحو صدفة، زعامات طارئة، وأحزاب مسيحية اعتقدت أن اللحظة مؤاتية لقطف ما لا يشبهها. وفي طليعة هؤلاء، سمير جعجع، الذي تعامل مع الصوت السنّي وكأنه فائض انتخابي قابل للتوظيف، لا شراكة سياسية متكافئة.
لكن ما يُفهم من الرسالة المتداولة، أن الحريري، حتى وهو خارج الحكم والنيابة، لم يسلّم يوماً بمصادرة قراره أو جمهوره. فـ«لا لتعويـم جعجع» ليست جملة انتخابية، بل تصويب بوصلة: السنّة ليسوا جسراً لعبور مشاريع الآخرين، ولا كتلة احتياط تُستدعى عند الحاجة.
الأهم، أن هذا الموقف – إن تأكّد – يعيد رسم الحدود السياسية داخل المعارضة نفسها، ويضع حداً لمحاولات تقديم جعجع كـ«زعيم وطني جامع» على حساب توازنات دقيقة، أثبت التاريخ اللبناني أنها لا تُدار بالاستقواء ولا بالفراغ.
واللافت أكثر، ما يُتداول همساً في الدوائر الانتخابية المغلقة عن أن عدداً من المرشحين السنّة يقرّون صراحة بأن عودة الحريري الفعلية إلى المشهد ستدفعهم إلى الانسحاب، لأن حضورَه يعيد ترتيب الأحجام، ويُنهي مرحلة «النيابة بالصدفة» و«الزعامة بالغياب».
في الخلاصة، إذا كان هذا الكلام صحيحاً، فإن الرسالة ليست موجهة إلى جعجع وحده، بل إلى كل من ظنّ أن غياب سعد الحريري كان تنازلاً نهائياً، لا استراحة قسرية. فبعض الغياب، في السياسة، يكون أخطر من الحضور… لأنه يختزن العودة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :