أن نعتاد على المعاناة

أن نعتاد على المعاناة

 

Telegram

في سعي السياسات الاستعمارية نحو الترسيخ العميق للبنية المسيطِرة داخل العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر، لا يعود الأمر يتعلق فقط في تطبيع العلاقة بين الطرفين، وإنما يتجاوز الأمر ذلك لينتقل إلى مستويات أخرى، تصبح فيها كل السياسات الاستعمارية سياسات قائمة على إنتاج وخلق ليس فقط وقائع جديدة على الأرض، ملموسة وواضحة المعالم، بل تشكيل تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تكاد ترى، تفاصيل لا ملموسة تشرع بالإحاطة بالكائنات المستعمرة لكي تخترقها بالنهاية وتغدو جزءاً مُكوناً من أولويات الصمود والتحدي للمستعمِر.

 

وفي الحالة الاستعمارية الصهيونية، تُعد عملية إنتاج المعاناة، وإحالتها إلى شأن طبيعي مليء بالتفاصيل الصغيرة التي تحيط بالفلسطيني المستعمَر، جزءاً من السياسات القاضية بتعويد هذا الأخير على المعاناة، لتصبح جزءاً من شؤونه الحياتية اليومية، وتستحيل في الخطاب الوطني المقاوم للاستعمار إلى صمود أسطوري، غير أن الصمود في هذه الحالة هو صمود مُزيف وصبر من المفترض ألاّ يكون شأنا طبيعيا، تحديداً عندما يشرع بالتمدد والإقامة منذ أكثر من ثمانين عاماً.

 

إن البنية الاستعمارية الصهيونية، بنية قائمة على أسس واضحة، الهدف منها الإقصاء النهائي للوجود التاريخي للفلسطينيين، وعليه فإن السياسات التي تعتمدها وتبلورها هذه البنية، هي سياسات دقيقة ومكثفة ومتجددة بصورة مذهلة ودائمة، إذ أنها لم تنجح فقط في تعويد الفلسطيني المنهك من التطهير العرقي الزاحف بكل صوره على تحمل المعاناة والتعود عليها، بل جعلت العالم بأجمعه يعتاد على مشاهدة ومتابعة صور الدمار والإبادة الجماعية في غزة والضفة المستعمرتين، على أنها مشاهد تمثيلية، أو مسرحية لا ضير من ذرف قليل من الدموع عليها، والإعراب عن قليل أو كثير من التضامن مع أولئك الذين يعانون.

 

ومن هنا فثمة فرق شاسع بين تحمل المعاناة والاعتياد عليها، وبين رفضها ومقاومتها، فالتعود يمنح الشرعية للمعاناة للبقاء، بل إن التعود يمنح الكائن المستعمَر ضمانات للتمويه والتحايل والالتفاف على سياسات المستعمِر، دون مقاومتها ورفضها، أما المقاومة فهي الرد الطبيعي على اللا طبيعي والإعلان الصريح والواضح عن هذا الرفض.

 

ومن سياسات المستعمر الصهيوني الرامية إلى تكديس المعاناة في وجوه الفلسطينيين، هي سياسة احتجاز زمن الفلسطيني وتعطيل حركته، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه هنا الإبادة الزمنية الممنهجة للزمكان الفلسطيني، من خلال حواجز التفتيش الكولونيالية المنتشرة في أرجاء الضفة المستعمرة، إذ الهدف السري والنهائي من وراء هذه الحواجز، ليس القضاء على التهديد الأمني والمخاطر المحتملة، التي قد يتسبب بها الفلسطيني، حسب الادعاءات الصهيونية، بل خلق حيز زمكاني معين ومحدد وثابت ومتخلف للفلسطيني، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يهدف المستعمر الصهيوني إلى تعزيز حضور حاجز التفتيش في الذهنية الفردية والجماعية للفلسطينيين، وبهذا يشرع الفلسطيني في البحث عن بدائل والتفافات أخرى لحاجز التفتيش، وهجمات واعتداءات المستوطنين الفاشية اليومية على الفلسطينيين أثناء انتقالهم وتحركهم ما بين مدينة وأخرى في الضفة المستعمرة، فعلى سبيل المثال ثمة مجموعات فلسطينية واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي تعمل على تداول المعلومات حول كيفية إيجاد طرق بديلة لحواجز التفتيش، بل إن هناك إذاعات فلسطينية محلية تقوم ببث نشرات سريعة حول أماكن وجود حواجز التفتيش، وما إذا كانت هناك أزمة مرورية لديها، والأمرّ من ذلك فثمة تطبيق إلكتروني فلسطيني جرى اختراعه من أجل تسهيل حركة الفلسطينيين والتحايل على حاجز التفتيش عبر تقديم خدمة الطرق البديلة.

 

هنا يكمن التعود على المعاناة عبر التحايل عليها، من دون الخلاص منها، لتصبح جزءاً من أولويات الصمود الفلسطيني الأسطوري في وجه أعتى استعمار في التاريخ، غير أن هذا ليس صموداً، بل تذويتاً للمعاناة التي تصبح في هذه الحالة شأناً فلسطينياً وطنياً، وعليه لا تعود مشهدية حواجز التفتيش الكولونيالية تزعج الفلسطيني لدرجة تقلب انزعاجه إلى دافع من أجل مقاومة الحاجز اللا طبيعي، فتحمل المعاناة هنا يتطلب التحايل والتمويه وليس المقاومة ورفض المعاناة.

 

إن المعاناة بصورتها الاستعمارية ليست قدراً ومصيراً للفلسطيني محتوماً، ولا مفر منه، وهذا يتطلب من هذا الأخير نزع الطبيعي عن اللا طبيعي، ونزع الشرعية الوطنية أيضاً عن صمود ليس بصمود، وإنما هو تحايل ولربما للأسف هو استسلام في بعض الأحيان. وهناك ايضاً فرق في مستويات الصمود وتحمل المعاناة في السياق الفلسطيني المقاوم، فالصمود والبقاء الفلسطيني للفلسطينيين في غزة في أوج الإبادة الجماعية، أثناء العدوان وإفشال هذا الصمود لكل محاولات إقصاء الوجود الفلسطيني وتهجيره من غزة، هو صمود مقاوم وجزء لا يتجزأ من عملية المقاومة الشاملة، ولكن مشاهد الدمار والخيام الممزقة والغارقة بالمياه، يجب ألاّ تتحول إلى مشاهد معاناة يومية طبيعية، يجري تغليفها بقدرة الغزيين الأسطورية على تحمل المعاناة والصمود في وجه من سمح العالم الحر له بتدمير وإبادة غزة، ليسمح هو للعالم في ما بعد بإدخال خيام ومساعدات شحيحة الإنسانية، ليؤكد عبر سياساته اللا مرئية على أن تدمير غزة هو شيء طبيعي، بل الأدهى والأمرّ من ذلك، أن معاناة الفلسطينيين هناك هي شأن طبيعي يجب أن يعتاده الفلسطيني والعالم بأسره أيضاً.

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram