في الظاهر، يبدو أن وزير الاتصالات شارل الحاج خضع لقانون الشراء العام، عبر إعلانه على موقع هيئة الشراء العام عن «إصدار مرسوم ترخيص لشركة ستارلينك لبنان بتقديم خدمات توزيع الإنترنت على كامل الأراضي اللبنانية عبر الأقمار الاصطناعية المشغلة من قبل شركة SpaceX».
حصل ذلك بعد أن طرح إقرار المرسوم في مجلس الوزراء خلال جلستين متتاليتين، من دون أن يتمكن من إقراره نظراً إلى ما يشوبه من مخالفات قانونية، أولها اعتبار الحاج أن هذا الترخيص لا يوجب عليه المرور بالشراء العام. ولكن نتيجة تردّد الوزراء، ولا سيما أن رئيس الهيئة جان العلية أرسل كتاباً واضحاً إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء وقبلها إلى الوزير نفسه يعلمهما فيه بضرورة الالتزام بالقوانين، طلب وزير الاتصالات إرجاء البتّ بالموضوع لمزيد من المشاورات.
لكن الإعلان عن مرسوم الترخيص على موقع الهيئة لا يكفي ولا يسدّ الثغرات القانونية والأمنية في ملف «ستارلينك»، خصوصاً أن وزارة الاتصالات لم تُعدّ أي دفتر شروط ولا أطلقت مزايدة، بل ذهبت مباشرة إلى عقد اتفاق رضائي من دون تبرير أو نشوء حالة طارئة تستدعي ذلك.
في حين أن شروط الشراء العام في ما خص الاتفاق الرضائي واضحة، إذ تنص الفقرة الأولى من المادة 46 على اللجوء إلى الاتفاق الرضائي في الظروف الاستثنائية كـ«عدم توافر موضوع الشراء إلّا عند مورّد واحد أو مقاول واحد ويتعذر اعتماد خيار بديل أو بديل آخر». وهو ما لا ينطبق على الوضع الراهن، إذ أبدت شركتان على الأقل (أوتلسات وأرابسات) نيتهما تقديم عروض مشابهة، مع تأكيد مصادر مطلعة أن «أوتلسات» تقدمت بعرض إلى الوزارة، لكنه لم يُضمّ إلى ملف العروضات.
إلّا أن الفائدة من نشر إعلان الترخيص تكمن في منح الشركات الأخرى والمتضررين مهلة 10 أيام لتقديم اعتراضات وتجميد الملف، وتنتهي هذه المهلة في 8 أيلول المقبل.
أبدت شركتا
«أوتلسات» و«أرابسات» على الأقل نيتهما تقديم عروض مشابهة لعرض «ستارلينك»
وبحسب القانون، تعترض الشركات أمام هيئة الاعتراضات في هيئة الشراء العام، التي لم تُشكّل بعد. لذلك، ستقدّم الشكاوى لدى «مجلس شورى الدولة» وفقاً للفقرة الثالثة من المادة 103، على أن يكون للمجلس صلاحية البت بالطعون وإبطال الترخيص في حال رأى ضرورة لذلك. كذلك، يحق للهيئة «الاعتراض على أي إجراء أو قرار صريح أو ضمني تتخذه أي من الجهات المعنية بالشراء لنفاذ العقد».
المعترضون كُثر
وبالتالي، فإن محاولة الوزير «التحايل» على القانون عبر الاكتفاء بوضع الإشعار على الموقع لاكتساب ضوء أخضر حكومي لن يمر بسهولة، فالمعترضون كثر من الهيئة إلى ديوان المحاسبة إلى لجنة الإعلام والاتصالات النيابية. ففي الجلسة الأخيرة للجنة التي حضرها وزير الاتصالات والقاضيين زينب حمود وعبد الرضا ناصر من الديوان، إلى جانب العلية، أعرب هؤلاء بوضوح عن معارضتهم لطريقة عقد الاتفاق مع «ستارلينك».
وتلا ذلك مؤتمر لرئيس اللجنة النائب إبراهيم الموسوي ومقررها النائب ياسين ياسين فنّدا خلاله كل المخالفات التي تشوب الملف. كذلك، أرسل ياسين كتاباً إلى الهيئة والديوان يسأل فيه عما إذا أحالت وزارة الاتصالات ملف التلزيم إليهما، بما فيه جميع العروض والمراسلات الواردة إلى الوزارة، وطالبهما بالحصول عليه رسمياً في حال عدم وجوده، ثم إصدار تقرير أو مذكرة رسمية لإيضاح ما إذا كان هذا التلزيم يخضع لأحكام الشراء العام.
فالترخيص يتعلق باستثمار في الدولة اللبنانية يقضي بتلزيم «ستارلينك» حصرياً لخدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية على كل الأراضي اللبنانية لقاء تقاضي الدولة نسبة 25% من مجموع الاشتراكات سنوياً في مقابل فرض مبلغ 100 دولار أميركي شهرياً على المواطنين الراغبين في الاشتراك.
لكن تحديد هذه النسب والمبالغ تمّ من دون إعداد دراسة جدوى اقتصادية؛ فالملف المقدم من وزارة الاتصالات إلى مجلس الوزراء أتى خالياً من الدراسات المالية التي بنيت عليها شروط الترخيص، إذ اكتفى الوزير بالإشارة إلى أنه «بعد إصدار الترخيص سوف يصدر قراراً يتضمّن الشروط التقنية والتشغيلية والاستثمارية للترخيص الممنوح لستارلينك».
الأمر الذي يضاعف الشكوك حول هذه العملية برمتها ويطرح سؤالاً رئيسياً حول قرار الوزير السير «بالمقلوب» في ملف يتعلّق بمصلحة الدولة المالية والأمنية على حدّ سواء. ومن المرجح أن تقوم الهيئة بالاعتراض على طريقة إدارة هذا الاتفاق قانونياً وتطلب من الوزير إيداعها كل الدراسات التي قام بها قبيل الشروع بعقد اتفاق رضائي بهذا الشكل. وهو ما ينطبق على الديوان أيضاً في إطار رقابته المسبقة على الصفقات.
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegramنسخ الرابط :