رفعَ النائب السابق وليد جنبلاط "الدوز" السياسي. تسلّل من خرم إبرة "الأزمة الحكومية" ليطلق النار على حزب الله! هكذا مضى يعلن من خلال مقابلتَين متزامنتَين: "نحن تحت سيطرة حزب الله المدعوم من إيران". عملياً، هو يقصد أن "لبنان محتل" لكن يتجنب قول ذلك مباشرةً، وهذا يستبطن نوعاً من أنواع التحريض، فالمعادلة تقول: "إن كان ثمة بلداً محتلاً، لوجبَ تحريره!".
لكن من سيتحمل تكلفة "التحرير" المزعومة تلك؟ عملياً لا أحد! معارضو حزب الله وعلى مختلف مشاربهم السياسية يترفّعون عن تلك المواجهة بمعناها العسكري، لعل بعضهم يؤمن أن ثمنها كبير وجنبلاط من المنتمين إلى هذا المذهب، أو أقله هكذا يعلن، فيحيل المسألة إلى غيره. آخرون يعتقدون ان الأوان لم يحن بعد، وهم ينتظرون جني ثمار العقوبات الاميركية (!) والمراكمة على نتائجها في محاولة خلق خواصر رخوة في بيئة الحزب وتقلب رأيها ضده، ويراهنون متى سنحت الفرصة على دعم يأتي من خارج الحدود للقيام بما هو أكبر من "تقليب رأي"!
السؤال المركزي الآن: هل قرّر وليد جنبلاط إفتتاح موسم المواجهة سياسياً مع حزب الله في لبنان؟ سؤال بات طرحه ضرورياً إذاً، في ضوء قراره "التسخين مع الحزب"، ما يعني عملياً إنهيار "ربط النزاع" الذي حكمَ علاقته مع الضاحية تحت رعاية عين التينة.
تطوّر موقف جنبلاط من "محرض" على القرض الحسن إلى "محرتق" على حزب الله في ظرف وقت قصير، وهذا انما ينم عن مواكبته تغييرات على صعيد المنطقة، لذا يعمل على لفت الانظار تجاهه أو تذكير الآخرين بوجوده وقدرته إلى افتعال الشغب ضد حزب الله، فنرى أن وسائل الإعلام الأجنبية عادت لتضعه على رأس اهتماماتها . هو يدرك في قرارة نفسه ان المواجهة المفتوحة مع حزب الله باتت مسألة وقت، لذا قرّر البدء بإعداد العدة عبر تنفيذ "نصف استدارة" تخرجه من منطقة التموضع الحالي مع الحزب المحكومة بربط النزاع، نحو منطقة اخرى أكثر تحرّراً، تمتاز برفع سقف الكلام في مواجهة الضاحية، بما يضمن تأمين موقع "ضروري" في الجبهة المقابلة.
لكن وعلى الرغم من إرتفاع "نبرة المختارة"، ثمة من يتفهّم الموقف من جانب حزب الله وآخرين، إلى حدود معقولة. هؤلاء يعتقدون أن "البيك" محشور ويريد أن "يفرّغ". ثم أن تصعيده مرتبط بالتحولات الجارية في المنطقة وضرورات تأمين الموقع، وربما إلتقطت "انتيناته" إشارة ما صادرة من الخارج حول جهوزية ما، خليجية تحديداً، لمواجهة إيران، فأراد أن يواكب عبر التصعيد السياسي في الداخل إلى حدود معينة ليقول "إنني موجود"، لكن دون ان "يشطح" كثيراً.
مع ذلك كله، ما برحَ رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي موقع الإشارة والتلميح من دون الغوص في صلب الموضوع، محيلاً التفسيرات المعطوفة على ردود الفعل إلى صلاحية غيره. هو يدرك بالضبط ثمن المواجهة الآن وتكلفتها المادية والسياسية والبشرية والاهم تكلفتها على مستوى الموقع والتأثير و"الصيغة" في زمن البحث عن بديل للنظام الذي ما برح جنبلاط يتحدث عن عقمه. وبعد كل ما جرى ويجري لا يبدو "البيك" مستعداً لخوض غمار أي "معركة انتحارية" مجهولة العواقب، لذلك يكتفي يتقمص صورة "الواعظ" أو المنظر السياسي لفريق ما زال يبحث عن نفسه، إلى أقرب أجل.
حتى الآن يلتزم جنبلاط هذا السقف وإحتمالات تطوره مرهونة بالايام المقبلة. يتحاشى الخوض مما هو أكثر من إتهام سياسي في مواجهة حزب الله طالما أن لا بوارد تقود إلى إنتاج "جبهة مواجهة واسعة ومتكافئة"، وهذا واضح، ثم يختار كلماته بعناية ويضعها تحت سقف الاعتراض وفق قاعدة "السهل الممتنع". في الواقع، "البيك" ما زال مسكوناً بعواقب ما حدث في أيار 2008 لذا لا يريد التورّط بأكثر من مواجهة سياسية أو إقحام الجبل بأكثر من ذلك كونه يدرك النتائج سلفاً.
في أكثر من مناسبة ردد جنبلاط أنه "غير مستعد للمواجهة وحيداً" تصرّفاته السياسية توحي بذلك. يكتفي بالتلميح والاستهداف الكلامي من دون أي إجراءات تنفيذية. في مجالسه يقول أن لا أحد لديه القدرة على مواجهة الحزب، وإن توفّرت النية لذلك فلا أحد مستعد أن يتحمل العواقب وحيداً، لذلك الكل يقذف الكرة تجاه الكل. ويزيد أن البعض يطالبه بأن يقود المواجهة تحت عنوان "جبهة"، لكنه يستطرد بأن لا جبهة متوفرة ظروف ولادتها الآن ولا يبدو أن ثمة امكانية لذلك غداً. بهذا المعنى يعود "البيك" إلى الواقعية السياسية ولا يجد أكثر من التعبير عن غضبه من على متن وسائل الإعلام كي لا يقوده الحماس إلى تجربة اخرى قد يندم عليها مستقبلا".
في الوقت الذي يبدو فيه اللبنانيون غير مهتمين للوساطات "التوفيقيّة" الشكلية بين رئيسَي الجمهورية والحكومة المكلّف، بعدما اختل السياسي بالشخصي، متقاطعاً مع مطالب وشروط حزب المقاومة، من تحت الطاولة، أعاد كلام رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، خلط الاوراق السياسية، فاتحاً الباب امام حفلة تراشق اعلامي جديدة، لاقاه فيها "حليفه اللدود" على خلفية الجهة المخولة تفسير الدستور.
فمَع خروج السياسيين من مدار عطلة الاعياد، تحرّكت المياه السياسية الراكدة بسرعة، مع تسجيل مواقف ان دلّت على شيء، فإلى المراوحة السلبية المرشّحة الى الازدياد، بطلاها "بيك" و"استيذ"، في سباق مع مسعى بطريركي توحي المعطيات كلها استحالة تحقيقه اي خرق في ظل تصلّب "الجنرال" و"الشيخ".
فالمختارة التي اعتادت ان "تحيّر" المحللين وتخطف الاضواء، قرّر سيدها لعب الدور نفسه هذه المرة مستبقاً اطلالتَي "السيد" و"الصهر". فما هي اهم النقاط التي" صار الوقت" ان يبوح بها، والاهم كيف يمكن فهمها؟
قالها صراحة وليد جنبلاط، "المشكلة هي مع من هم خلف عون"، المتروك له التلهي وفتح الحروب الضيقة والصغيرة ضد اطراف الداخل، مستدركاً "حزب الله يريد السيطرة الكاملة على كل شيئ لصالح المحور الايراني". موقف شكّل مفاجئة في توقيته ودلالاته. "فالبَيك" الذي تربطه علاقة وطيدة بالادارة "البايدنية" الديمقراطية، كيف له ان يصعد، داعياً الى ترك السلطة لادارة محور الممانعة، في الوقت الذي "يطبل" فيه الكثيرون للاتفاق شبه المنجز مع طهران؟ فما الذي التقطته" انتينات وليد جنبلاط؟ ام ان كلامه يندرج في اطار الابتزاز و"تعلية السقف" لتحسين حصته؟
من هذه النقطة انطلقت المختارة على محورَين متوازيَين، الاول طلب خلاله من الرئيس المكلف الاعتذار، وترك الحكم للمحور بتياره وحزبه" ليغرقوا " وحدهم، وهي نصيحة لن تلقى اذاناً صاغية لدى الحريري اقلّه حتى الساعة والمصرّ على عدم الاعتذار مهما كان الثمن.
أمّا الثاني، فتكرار دعوته الاطراف المسيحية لاطلاق حملة "رحيل الرئيس عون"، لتنضم اليها القوى الاخرى. وهنا يبرز تساؤل مهم، ما هي ضمانات البَيك في ان لا يتم انتخاب شخص "يا محلى الرئيس عون" طالما ان المجلس النيابي هو نفسه، من هنا اولوية الدعوة الى انتخابات نيابية مبكرة.
وسط كل ذلك، وفيما كانت ابنته تطلق هاشتاغ "صاحب القرار" في حملة" تسويقية لاطلالته التلفزيونية، والذي واجهه العونيون المستفزون بآخر بعنوان" صار الوقت تتحاسب"، الذي إكتسح تويتر خلال 10 دقائق بحوالي 3000 تغريدة لم يرحمه فيها الناشطون مذكّرينه، بماضيه الأسود الحافل بالإرتكابات وشراكته في كارتيل الغاز والإسمنت والقمح وإبتزاز الناس، مسلّطين الضوء على فضائح مغارة المهجرين من إختلاسات وامتيازات ورشاوی وتسخير الوزارة للأزلام وهدر المال العام بالمليارات ليتصدر "الترند" بأكثر من 46,000 تغريدة، نجح البَيك بإحباط الحملة البرتقالية، بإعلان استعداده للمثول امام القضاء والمحاسبة. فهل يشكل ذلك هروب الى الامام، وهو الذي يعرف ان رئيس الجمهورية يملك ملفات اعدّها امنيون لفساد وزرائه؟ ام هي تقديم اوراق اعتماد لدى الثورة، الذي حصن منطقته من تاثيرها تاركاً لها ان تلعب عند حدود نفوذه الجغرافي جبلاً وبحراً؟
غير انه في الوقت الذي اعاد البيك التأكيد على ضرورة الاستمرار في التحقيقات في انفجار المرفأ، جازماً بأن وجهة النيترات كانت النظام السوري، متحفظاً عن سبب الانفجار، عرج البيك بشكل عرَضي على مسألة اغتيال جوزيف بجاني في الكحالة، رغم ان منطقة الجريمة متداخلة جغرافياً مع مناطق نفوذه وعلى تماس مباشر معها، باعتباره لا يملك معلومات عنها. فهل سبب ذلك يقينه بأن تنحية القاضي صوان باتت مسألة ايام؟ و هل يعرف البيك ما لانعرفه حول لغز الكحالة، فتجنّب الدخول في الجريمة وتحليلاتها، خصوصاً بعد التسريبات عن اتجاه معين يسلكه التحقيق، ويخشى في ظله الكثيرون الخوض في المسالة نظراً لحساسية السبب والمنفذ؟
غير ان النقطة الاكثر اثارة في حديثه، والتي حملت رسائل في اكثر من اتجاه، كانت في تصويبه على اليرزة في ملف ترسيم الحدود البحرية، والتي عمدت الى "تطيير" نتيجة المفاوضات التي خاضها الرئيس بري على مدى عشر سنوات وانتهت الى اتفاق اطار، كان سيعيد للبنان اكثر من 900 كلم مربع، لتصل اليرزة في خطها الى حيفا مقابل طرح اسرائيل غداً لخط بحري قد يصل الى بيروت. فما الذي اراده البيك من كلامه هذا؟ وهل هو دعم للرئيس بري في معركته ضد رئيس الجمهورية؟ ام هي رسالة غير مباشرة للسلطة بأن المفاوضات الترسيم "طارت"؟
يلي بغيّر عادته بتقلّ سعادته"، متل ينطبق على وليد بيك، حسب "الشاطر حسن"... فسرعة الانقلاب والتقلّب من السمات الاساسية للاستراتيجية الجنبلاطية... انحناء امام الرياح ليضرب بعدها ضربته... هو القائل" اجلس الى ضفة النهر وانتظر مرور جثث اعدائك"... مقولة تصلح في كل زمان ومكان.
تُرى بماذا يوحي له الصديق فيلتمان هذه الايام؟ وما هو دوره الموعود اميركياً في الفترة المقبلة؟
هو وليد جنبلاط يصعبُ التكهّن بحقيقة نواياه وان كانت متابعته تعطي الكثير من المؤشرات...
عبدالله قمح
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :