في الآونة الأخيرة، أقدمت رئاسة الجمهورية على ملاحقة الصحافي حسن عليق على خلفية فيديو انتقد فيه رئيس الجمهورية اللبنانية، سواء من زاوية تقصيره في أداء مهامّه الدستورية أو بسبب كلام اعتبره الأستاذ علّيق غير وطني وصادراً عن موقع يُفترض به أن يكون حامياً لوحدة البلاد وسيادتها.
هذه الملاحقة لا تطرح فقط إشكالية حرية التعبير، بل تكشف أيضاً خرقاً قانونياً واضحاً، إذ إن القوانين المرعية الإجراء تنصّ صراحة على أن الصحافيين لا يُلاحقون بسبب عملهم المهني إلا أمام محكمة مختصة هي محكمة المطبوعات.
تجاوز هذا المسار القانوني ليس تفصيلاً إدارياً، بل اعتداء مباشر على ما تبقّى من ضمانات قانونية في بلد تتآكل فيه دولة القانون يوماً بعد يوم.
صحيح أن لبنان لم يعد نموذجاً لاحترام القوانين، لا في القضايا الكبرى ولا في المصالح المصيرية. من نهب الودائع إلى انفجار مرفأ بيروت، مروراً بالعدوان الإسرائيلي الدائم والمتكرر عبر تاريخ الجمهوريّة، وصولاً إلى تاريخ طويل من التبعية والارتهان، تبدو القوانين مُعطّلة أو مُفصّلة على قياس الذين يمتلكون مفاصل المال والسلطة والدين.
والمفارقة أنّ مَن يرفعون اليوم شعار «حرية الصحافة» يفعلون ذلك بانتقائية فاضحة، متجاهلين أن دولاً كثيرة تجرّم الترويج للعدو أو التهليل له، بينما يُترك في لبنان المجال مفتوحاً لأصوات تبرّر العدوان وتبثّ سمومها عبر وسائل إعلامية معروفة.
مع ذلك، لا يمكن الاستسلام لمنطق الفوضى القانونيّة. الدفاع عن الصحافي حسن عليق هو دفاع عن مبدأ، وعن حقّ أساس، وعن بعض من آخر ما تبقّى من شكل الدولة.
فالتنازل عن هذه القواعد، بحجّة أن كل شيء منهار ولا قانون في البلاد، يعني التسليم الكامل بتحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة للقمع والتنكيل وكتم الأصوات الحرة. هذا البلد، الذي أتعسته أحزابه وقياداته، سواء في الحكم أو خارجه، لا يحتمل خسارة ما تبقّى من مساحات النقد والمُساءلة.
الأخطر من ذلك أن ما يجري يوحي بمسار أوسع، مسار تطبيعي تتقدّم فيه القيادات الحالية خطوة تلو الأخرى، فيما يُترك الشعب يواجه القتل والتدمير والفقر.
يتم تفكيك كل عناصر القوّة التي كان يمكن أن تشكّل ورقة ضغط في مواجهة الخارج، من وحدة وطنية وقدرة على المقاومة، مقابل وعود وهمية بالاستقرار والازدهار.
نردّد ما قلناه في مقالة سابقة بأن التطبيع لن يجلب البحبوحة، بل أنظمة قمعيّة (كالخليج) وفقراً مستداماً، لأنّ لبنان، بخلاف معظم دول الخليج، لا يمتلك ثروات هائلة، وإن هذه وُجدت في البحر فإنّ حكّامه، من مصرفيّين وأصحاب كبار رؤوس الأموال ووكلائهم السياسيّين، كفيلون بنهبها وتغطية ذاك النهب، والتغطية يتكفّل فيها السياسيّون ورجال الدين بالتكافل والتضامن.
المنطق السليم يفرض مواجهة أي محاولة لقمع الصحافيين أو تقييد الحريات، لأن البديل هو الانزلاق نحو دولة بوليسية.
الإحصاءات اليوم تشير إلى أن نحو 40% من اللبنانيين يعيشون تحت خط الفقر، بعدما كانت النسبة 27% في التسعينيات، في زمن «البحبوحة» التي يحنّ إليها البعض المتعلّم في هذه البلاد. في واقعنا، الصوت الصحافي الحر ضرورة وليس ترفاً.
مَن يختلف مع حسن عليق يمكنه الردّ بالمقالة والحجة، لا بالاستدعاء والتحقيق؛ وما يثير الغضب في هذا الاستدعاء الأخرق هو الصمت الذي تمارسه القيادات السياسيّة وأتباعها حيال من يروّج للعدو ويضرب وحدة المجتمع، وهو ما يكشف ازدواجية فاضحة في التصرّف والمعايير التي ينطلق منها هؤلاء وأتباعهم.
سنتابع العمل كي لا يكون لبنان مرتعاً للقمع، أو ساحة لتكميم الأفواه، أو مسرحاً للتطبيع القمعيّ والمُفقِّر لا محالة.
الدفاع عن حرية الصحافة اليوم هو دفاع عن مستقبل هذا البلد، وعن حق شعبه في أن يقول «لا»، قبل فوات الأوان.
طبعاً الحلّ هو القطيعة مع نظام الطوائف الذي تركه الاستعمار بيننا لنكون كما نحن اليوم، الحلّ يكون في خلق بديل لهذا النظام المهترئ المولّد للفقر والتفسّخ، لا الاستمرار بما كنّا عليه قبل القيادات الحالية، البديل هو في الخروج من النظام الطائفيّ، وخلق شبكة أمان اجتماعيّة بيد الدولة لا الزعماء (تغطية صحيّة شاملة، تعليم مجاني ذو مستوى…)، وبناء القدرة.
لا حلّ دون ذلك، ولكن لنصل إلى ذاك علينا أن نبدأ بمساحة الحرّية والنقد، واليوم، جسدها هو حسن علّيق.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :