الصين تزوّد إيران بالإمكانات لمواجهة العدوان الأميركي المرتقب؟

الصين تزوّد إيران بالإمكانات لمواجهة العدوان الأميركي المرتقب؟

 

Telegram

شهدت إيران موجة اضطرابات خلال شهر كانون الثاني/ يناير تبعت قيام الولايات المتحدة بأسر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في عملية تمكّنت من خلالها من فرض وصاية على النظام الفنزويلي. وقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الهدف من إطاحة الرئيس مادورو كان لحرمان الصين من النفط الفنزويلي الذي كان يباع لبكين بالقوانين الصينية.

هذا عزز الاعتقاد بأن الاحتجاجات التي حصلت في إيران كانت بغرض استهداف شريك اقتصادي آخر للصين هو إيران، التي تشكّل مصدراً آخر للنفط والغاز بالنسبة إلى الصين.

يأتي هذا في إطار العقيدة التي أعلنها الرئيس الأميركي بالتركيز على محاصرة الصين التي باتت على وشك انتزاع الريادة الاقتصادية في العالم من الولايات المتحدة. وبعد أن تم احتواء الاضطرابات في إيران، عاد ترامب إلى التهديد والوعيد بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران بغية الإطاحة بالنظام الرافض للهيمنة الأميركية. هنا، يطرح السؤال: ماذا ستفعل الصين ليس لمساعدة إيران، بل بالدرجة الأولى للدفاع عن نفسها.

الاحتجاجات الإيرانية

تشكّل موجات الاحتجاج الواسعة التي شهدتها إيران في أواخر عام 2025 وبدايات عام 2026 أحد أخطر التحديات التي واجهها النظام السياسي في الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسه.

فقد تزامنت هذه الاحتجاجات مع أزمة اقتصادية خانقة، وضغوط خارجية متصاعدة، وشبكات عملاء الموساد والاستخبارات الأميركية أسهمت إلى حد كبير في إدارة هذه الاحتجاجات مستفيدة من تسهيلات تكنولوجية ضخمة مقدمة من شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الأميركية والإسرائيلية.

لكن، كانت المفاجأة بالنسبة إلى واشنطن و”تل أبيب” في قدرة السلطات الإيرانية على احتواء أعمال الشغب بعدما تمكّنت من تحييد شبكات الاتصال الأميركية، وعلى رأسها ستارلينك، ما أفاد بحصول إيران على تكنولوجيا إلكترونية متقدمة استطاعت التفوق على الشبكات الإلكترونية الأميركية والإسرائيلية.

في هذا السياق، برز الدور الصيني بوصفه عاملًا غير مباشر لكنه مؤثر. فالصين، التي تُعد الشريك الاقتصادي والسياسي الأهم لإيران في ظل العقوبات الغربية، التزمت موقفًا حذرًا وهادئًا سياسيًا، لكنها في الوقت ذاته كانت قد أسهمت مسبقًا، وبصورة بنيوية، في تعزيز قدرات الدولة الإيرانية على الضبط والسيطرة، من خلال تزويدها بتقنيات المراقبة والطائرات المسيّرة، إضافة إلى كميات أسلحة ضخمة بدأت بالوصول من الصين إلى إيران بعد فشل العدوان الأميركي- الإسرائيلي على إيران في حزيران/ يونيو الماضي.

وهنا، تتبدى المفارقة الأساسية: الصين لم تنقذ النظام الإيراني سياسيًا أو عسكريًا، لكنها ساعدته تكنولوجيًا على الصمود مطبّقة المثل الصيني:”لا تعطني سمكة بل علّمني الصيد.”

الاستراتيجية الصينية في مواجهة الإمبريالية الأميركية

في مقابل السياسات الأميركية العدائية في العالم والتي باتت تضع على رأس أهدافها تطويق الصين وضربها، فإن الصين تتعامل بحذر وخطوات محسوبة للدفاع عن مصالحها.

ويعود هذا الحذر إلى جملة عوامل، أبرزها أن الصين، خلافًا للتصورات الشائعة، ليست مستثمرة استثمارًا عميقًا في الاقتصاد الإيراني مقارنة باستثماراتها في دول الخليج العربية. كما أن أدواتها التقليدية في السياسة الخارجية – مثل الوساطة الدبلوماسية أو الاستثمار الاقتصادي – لا تكون فعّالة في حالات الاضطراب الداخلي الواسع. يضاف إلى ذلك، أن قدرة بكين على كبح الولايات المتحدة أو فرض توازن سياسي في هذا الملف تبقى محدودة، خاصة في ظل إدارة أميركية تميل إلى العمل الأحادي العدائي.

من هذا المنظور، تتعامل الصين من منطلق وعيها لحدود قوتها، خصوصاً أن الصين لم تبنِ يوماً سياستها تجاه إيران على التزام أيديولوجي أو تحالف استراتيجي صلب، بل على تقاطع مصالح فرضته العقوبات الأميركية والفراغ الذي تركه الغرب.

ويرى بعض المراقبين أن الموقف الصيني المتحفظ قد كشف “حدود” الشراكة الصينية-الإيرانية، وربما أضعف صورة الصين كفاعل دبلوماسي عالمي.

غير أن هذا التقييم يبدو مناقضاً للواقع. فشركاء الصين حول العالم يدركون أن بكين لا تقدم ضمانات أمنية على شاكلة تلك التي توفرها الولايات المتحدة، ولا تتدخل عسكرياً لحماية الأنظمة الحليفة.

في الواقع، تستمد الصين جزءًا كبيرًا من جاذبيتها الدولية من كونها شريكًا اقتصاديًا لا سياسيًا-عسكريًا. وهي تقدم نفسها كبديل جزئي للنظام الدولي الغربي، لا كنقيض كامل له. ومن هنا، فإن امتناعها عن التدخل المباشر في إيران لا يقوّض صورتها بقدر ما يعزز الانطباع بأنها قوة تسعى إلى توسيع نفوذها ضمن النظام القائم، لا إلى قلبه، مع تقديم المساعدة إلى الحلفاء من دون التورط مباشرة في صراعات عسكرية.

كما أن الضغوط الأميركية المتزايدة على دول عديدة لقطع علاقاتها مع الصين تدفع هذه الدول إلى انتهاج سياسات موازنة، تجمع بين الحفاظ على علاقات مع واشنطن والانفتاح على بكين في مجالات لا يرغب الغرب في الاستثمار فيها. ومن غير المرجح أن تغير التطورات في إيران هذا السلوك الدولي العام.

العلاقة مع إيران في سياق الصراع الأميركي-الصيني

لا يمكن فهم العلاقات الصينية-الإيرانية بمعزل عن الصراع الأوسع بين الصين والولايات المتحدة. فالعقوبات الأميركية على إيران هي التي فتحت المجال أمام الصين لتصبح شريكًا تجاريًا أساسيًا. كما أن استمرار الصين في شراء النفط الإيراني يحمل رسالة سياسية مفادها أن بكين قادرة على تحدي السياسات الأميركية.

وما يعزز اندفاع الصين لمساعدة إيران بالسلاح والتكنولوجيا المتطورة هو كون إيران تشكل عقدة المواصلات في مبادرة “الحزام والطريق” التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ . كذلك فإن إسقاط النظام في إيران سيمكّن الولايات المتحدة من الانطلاق للتغلغل في منطقة وسط آسيا التي تشكل الخاصرة الرخوة بالنسبة إلى الأمن القومي الصيني وأيضاً الروسي.

من هنا، فإن العنصر الأكثر حساسية في الدور الصيني يتمثل في الدعم التكنولوجي غير المباشر الذي قدمته بكين لطهران خلال السنوات الماضية. فقد أسهمت شركات صينية في بناء وتوسيع منظومة المراقبة الإيرانية، من خلال بيع كاميرات متطورة، وأنظمة تعرف إلى الوجوه، وتقديم برامج تدريبية للأجهزة الأمنية.

هذه التقنيات لعبت دورًا حاسمًا في ضبط أعمال التخريب التي قامت بها شبكات مرتبطة بالموساد داخل إيران ، سواء في عام 2022، أو في عام 2025-2026. فقد جرى استخدام تقنيات التعرف إلى الوجوه لتحديد المشاركين في أعمال التخريب وتحييدهم، كما ساعدت البنية التحتية الرقمية على قطع الإنترنت بسرعة غير مسبوقة، وعزل البلاد عن شبكات التجسس الأميركية والإسرائيلية.

إلى جانب ذلك، برز الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة، التي استُخدمت لمراقبة التجمعات، وتفريق المخربين بل وحتى لتحديد أشخاص داخل منازلهم. ورغم أن هذه الطائرات ليست صينية بالكامل بالضرورة، فإن الصين تؤدي دورًا محوريًا في سلاسل التوريد العالمية لهذه التكنولوجيا.

والآن، بعدما فشلت المحاولات الأميركية في إسقاط النظام الإيراني من الداخل، تحتشد القوات والأساطيل الأميركية بالقرب من إيران في إطار التحضيرات لضربة أميركية بات هناك تقدير كبير في حتميتها.

هنا، تبرز الأنباء عن الأساطيل الجوية الصينية الضخمة التي لم تتوقف عن نقل العتاد العسكري والتكنولوجيا المتقدمة الصينية إلى إيران لمساعدتها على الدفاع عن نفسها، وفي الوقت نفسه الدفاع عن الصين عبر عرقلة الاستراتيجية الأميركية لتطويق بكين.

من هنا، فإن الصين لن تتدخل مباشرة في الدفاع عن إيران في مواجهة العدوان الأميركي المرتقب، لكنها تقوم بتزويدها بالإمكانات العسكرية والتكنولوجية للدفاع عن نفسها، مرة أخرى وفقاً لمبدأ “لا تعطني سمكة بل علمني الصيد.”

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram