خاص "iconnews"
بقلم سنا سعد
أكاديمية و باحثة بالشؤون الجيواقتصادية و الجيوستراتيجية
تهدف الأحزاب السياسيّة للوصول الى السّلطة و تحقيق منافع ماديّة لمُناضليها. يقول ميرون وينر "الحزب هو تنظيم سياسي إنما ليس كل تنظيم سياسي حزباً", بحسب بنجامين كونستان "الحزب تنظيم ثابت مُستمر يسعى للتأييد الشعبي بالإنتخابات".
تأسّس الحزب الجُمهوري الأميركي عام 1854 على يد مُعارضي كانساس نبراسكا المُنشقّين, يوصف بالحزب القديم العظيم, دعم الليبرالية الكلاسيكية والإصلاح الإقتصادي و عارض العبوديّة, شهد تحولا نحو اليمين, بعد سن قانون الحُقوق المدنيّة و قانون حقوق التصويت تغيّر جوهره الأساسي. تتبنى إيديولوجيّته بالقرن الواحد و العشرين السياسات الإقتصاديّة و الإجتماعيّة المُحافظة. (ج.أو.بي)
بينما الحزب الديمقراطي تأسّس سنة 1792 على يد مُعارضي النّزعة السياسيّة الفديراليّة, ثم أصبح مُمثّلا لتيّارات الليبراليّة و التدخل الحكومي بالإقتصاد و الأفكار التقدميّة.(دي)
يرى هذا الحزب المُجتمع الأمريكي على أنه اتحاد لمُجتمعات المواطنين. يريد ضمان الحماية المتساوية لحقوقهم الخاصة ، ولا سيما لمن هم أقل قوة. تقليديا "الخيمة الكبيرة" التي تجد الأقليات نفسها فيها ، سواء أكانت عرقية أميركيون من أصل أفريقي منذ الصفقة الجديدة ، من أصل إسباني وأمريكي لاتيني ، وأمريكيون آسيويون ، ومتدينون كاثوليك ومسلمون ويهود.
بحسب عبد الهادي التهامي "تنفيذ السياسات الخارجيّة هو تحويل القرارت لبرامج , تقييم النجاح او الفشل بالنتائج" أما "صُنع السياسة هو الإطار العام لتوجيهات المُجتمع و أهدافه بمُشاركة أجهزة رسميّة و غير رسميّة". و يقول هنري كيسنجر"تبدأ السياسة الخارجيّة حينما تنتهي السياسة الداخليّة". و تنظر الواقعيّة الى السلوك النسقي للدول على أن "الدولة فاعل أساسي وحدوي عقلاني في السياسة الدولية بامتلاكها لوسائل العنف المنظم".
تتجه أنظار مئات الملايين من البشر كل أربعة أعوام صوب الولايات المتّحدة الأمريكية لتتابع بشغف عمليّة إنتخاب رئيس أقوى دولة في العالم. وبرغم المُتابعة الكثيفة للمُرشحين وآرائهم بخصوص العديد من القضايا المُتعلّقة بالداخل الأمريكي وبالعلاقات الخارجيّة الأمريكيّة فإن الكثيرين وحتى بين الأمريكيين لا يزال مُتعجبا من فوز دونالد ترامب على هيلاري كلينتن عام 2016 ومن الجدير بالذكرأنها ليست المرّة الأولى بالنسبة للإنتخابات الرئاسيّة الأمريكيّة التي يخسر فيها المُرشح الحاصل على عدد أكبر من أصوات النّاخبين مُقارنة مع مُنافسه، حيث سمح النظام عام 2000 للجُمهوري جورج بوش الإبن بالإنتصار رغم أنه حصل على 543 ألف صوت أقل من الديمقراطي ألبيرت غور. يجب الإعتراف بطليعة الاميركييّن بالديمقراطيّة فهم أول من أخذ بالنظام الرئاسي و أحسن تطبيقه.
إن هذا النظام السياسي الذي بقي بلا ذريّة صالحة قد حاولت دول عديدة الأخذ به و لم تنجح بسبب سوء التطبيق و إختلاف درجة الوعي. فالعمليّة الانتخابيّة بالولايات المتّحدة التي نشأت في خضم التطورات الفكريّة و النظريّات الفلسفيّة و المُستجدات العلميّة كان لها تأثير بالغ في المفاهيم و المواقف المُتعلقة بالإنسان و المُجتمع و السُلطة.
أما في التطبيق العملي للنظام الرئاسي فقد و ضع الاباء المؤسسون أول دُستور مكتوب منذ 235 عام نموذج فيلادلفيا للحُكم الديمقراطي بحسب الرئيس ابراهام لنكولن: "بقيام حُكومة من الشعب على يد الشعب لأجل الشعب سُلطة تنبثق من الشعب" بحسب توماس جفرسون : "إنهم عملوا من أجل الانسانيّة جمعاء". أسس الديمقراطيّة الاميركيّة ستة : القبول بمبدأ حُكم الأكثريّة – حماية حقوق الأقليات – قبول سُلطة القانون – عدم فرض أية قيود على حُريّة تبادل الآراء و الأفكار – المُواطنون جميعهم مُتساوون أمام القانون – وجدت الحكومة لخدمة الشعب.
هُناك من يعتبر أنّ نظام الحُكم بالولايات المتّحدة الاميركيّة يرتكزعلى مبدأ التمثيل الديمقراطي إذ يقوم الشّعب بحكم نفسه بنفسه من خلال إختيار قادته المحليين مُستندا لنظريّة الديمقراطيّة، كنظام سياسيّ، ما هي إلاّ نتيجة طبيعيّة لمسيرة تطوّر المُجتمعات الإنسانيّة، أما البعض الآخر بالمُقابل فيعتبر أنّ الآباء المؤسسيين لهذه الدولة أرادوا الإبتعاد عن النماذج السياسيّة المعروفة بأوروبا لأنها برأيهم لم تُنتج الاّ الحُروب والخلافات المُتواصلة. فمؤتمر فيلادلفيا 1787 أقر مبادئ العلاقات بالمُجتمع و صيغة للتوفيق بين النظام والحريّة وفصل السُلطات واللاّمركزية فجاء الدستور الأميركي نموذجاً رائعاً لكيفيّة تنظيم السلطات والوقوف بوجه طغيان السلطة وعدم تمركزها بقبضة رجل واحد أو مؤسسة واحدة تدعيماً لنظريّة أن الديمقراطيّة تُنادي بها الشّعوب لتستعملها كوسيلة للتّغلّب على قمع وإستبداد غالبيّة الأنظمة بإعتبارها أفضل الأنظمة وجودًا. لكن، آخذين بوجهتي النظر المطروحتين، ألا يمكننا إعتبارأنّ النّظام الديمقراطيّ، الذي يُعد أفضل خيار أمام الشّعوب، يواجه اليوم تحدّيات دفعت به إلى إعتماد مُمارسات غير ديمقراطيّة إنتقصت بالتّالي من ميّزاتها مُقابل الأنظمة التي كانت قائمة قبله؟ هل حان وقت تغيير النظام الأميركي الذي يزهو و يُفاخر به الأميركيون أم أن جوهره و مُحتواه ما زال ثابتا قادراً على مُواكبة المُستجدات؟ هل أن النظام الأميركي الذي لم يتّهم أحد من رؤسائه بإتباع الأساليب الدكتاتوريّة حتى لو كان من أصل عسكري سيبقى أول أنظمة الحداثة السياسيّة في العالم؟ هل سيستمر النظام الاميركي قوياً حامياً للتعدّدية الدينيّة والعقائديّة رُغم عثرات الإزدهار و المُنافسات الخارجيّة ؟ هل أن الحديث عن أن النظام الأميركي المُعجزة القادرعلى صهر جميع عناصر الهجرة ببوتقة واحدة و جعلهم أمّة واحدة أصبح اليوم موضع جدل و شك؟
هُناك تحدّيات تواجهها الديمقراطيّة العمليّة للرئيس اليوم في الداخل و بالسياسة الخارجيّة كون الهجرة هي الثّابت الوحيد بالتاريخ الأميركي ذات المُجتمع المتديّن المُتعدّد.
تجرى الإنتخابات الرئاسية في الولايات المُتحدة كل أربع سنوات كما ينص الدستور الأميركي. وتقام الإنتخابات في يوم الثلاثاء ما بين الثاني إلى الثامن من نوفمبر.
تتم عمليّة إنتخاب الرئيس على مرحلتين
أولا إنتخاب المرشّح من كل من الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري عن طريق إنتخابات أوليّة إذ يجري الحزبان إنتخابات في كل ولاية يصوّت فيها المنتمون للحزب، ثم يختار المرشح من كل حزب نائبا له ويتم التصديق عليهما رسميا في مؤتمر الحزب
المرحلة الثانية الإنتخابات العامّة يصوّت فيها المواطنون الأميركيون للمندوبين الذين يدلون بأصواتهم لصالح أحد المرشحين
نظام الكلية الانتخابية و أصواتها البالغة 538 مندوباً و على بطاقة الاقتراع يختار المقترع مندوبي المرشح لا المرشح نفسه. و يحتاج المرشح الرئاسي 50% + 1 من عدد أصوات المجمع الانتخابي, 270 صوتاً ليفوز بمقعد الرئاسة.
في حال عدم حصول أي من المرشحين على منصب رئيس الجمهورية على أكثرية الأصوات في الهيئة الانتخابية يحال الأمر إلى مجلس النواب يقوم باختيار الرئيس
في عمليّة صُنع القرار تُعد الرئاسة أهم المؤسسات على الاطلاق ممّا يجعل السياسات الخارجيّة الاميركيّة سياسات رئاسيّة بامتياز.
تُناط السلطة التنفيذيّة برئيس الولايات المتحدة الأميركيّة, يشغل منصبه لأربع سنوات يتم إنتخابه مع نائب الرئيس لنفس المدّة و الرئيس هو صاحب المنصب الأقوى بالرغم أنه يتشارك السّلطة مع الكونغرس و القضاء. لا يملك حق التصويت بالكونغرس يقترح قوانين قد تشرّع بعد مُوافقة الكونغرس, يرسم السياسة الخارجيّة. يتم إختياره بنظام الكليّة الإنتخابية تمثل فيه كل ولاية بعدد مُساوي بمجموع مُمثليها بالكنغرس و مجلس النواب عندما يحصل المُرشح على أغلبية أصوات الولاية أي حصّتها في الكليّة الانتخابيّة : من هنا يفوز دون أن يحصل على أغلبية أصوات الشعب الأميركي كما حصل بانتخابات 2000 فاز ال غور على بوش بأغلبية أصوات الشّعب 50,994,082 مُقابل 50,461,080 لكن, بوش حصل على الرئاسة لأنه فاز بأصوات الكليّة الإنتخابية 271 مُقابل 266 لذا يتنافس المرشّحون على الفوز بأصوات الولايات ذات الحصّة الأكبر في الكليّة. كاليفورنيا 55 صوت – تكساس 34 – فلوريدا 27 – نيويورك 31 – ايلينوي 21
إن الإنتخابات الرئاسية الأميركية غير مُباشرة، فالمواطنون يصوتون بتصويت شعبي، غير أن مندوبي الكليّة هم يختارون الرئيس.
يُعتبر النظام الانتخابي الأمريكي فريدا من نوعه، إذ يختلف عن الأنظمة الديمقراطيّة المُتعارف عليها. الولايات المتّحدة تتبع نظام المجمع الانتخابي، يصوت المواطنون للمندوبين الذين يدلون بدورهم بأصواتهم لصالح أحد المرشحين. ولكل ولاية أمريكية عدد معين من المندوبين بحسب عدد سكانها.
يُركز الحزب الجمهوري على المُساواة وتكافؤ الفرص. وخلافا للحزب الديمقراطي، فإن الحزب الجمهوري يرفض زيادة الضرائب ويدعو إلى تقليل الإنفاق الحكومي بدرجات مُختلفة..
وهو يشمل المُحافظين الماليين، المحافظين الاجتماعيين، المحافظون الجدد، المعتدلين، والمدافعين عن الحريّات. قبل تشكيل الائتلاف المحافظ، الأمر الذي ساعد على تنظيم الحزب.
الجمهوريون يؤكدون على دور الأسواق الحرة والإنجاز الفردي وعلى أنها العوامل الأساسية وراء الازدهار الاقتصادي. ولهذا تحبذ سياسة الحزب عدم التدخل بالاقتصاد وتعمل على تعزيز المسؤولية الشخصية على برامج الرعاية الاجتماعية
في الخاتمة
إن أميركا دولة مؤسسات ومُجتمع، التدافع فيه على أشده بين قوى مُتكافئة، ونظامها السياسي بُني بطريقة تمنع هيمنة الأغلبيّة، وليس من السهل على رئيس أو حزب أن يأخذها بالاتجاه الذي يريده حتى إذا كان حزبه يُشكل الأغلبيّة في مجلسي النواب والشيوخ .
العامل الإنساني مُحدد بالانتخابات الرئاسية الأميركية, في الاستحقاقات الرئاسية يُركز الأميركيون على القيادة وعلى البُعد الإنساني.
يعزو الفقهاء والمفكرون أسباب نجاح النظام الرئاسي في الولايات المتّحدة الأمريكية إلى ما تمتاز به تلك البلاد من وجود أحزاب سياسية مُتماسكة ومُنظمة، ووجود رأي عام قوي وفعال، وجُمهور من المواطنين بلغ من الثقافة السياسيّة درجة عليا، بالإضافة إلى مجموعة القوانين السليمة.
إن كل هذه الأمور تتحد وتتفاعل وتُعتبر الأساس المتين الذي تقوم عليه الأوضاع الدستورية في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا الأساس كفيل باستمرار الديمقراطيّة وتدعيم بنيانها.
ومع ذلك إن هذا النظام الرئاسي ذاته بخصائصه وأركانه عندما إنتقل إلى دول أمريكا الجنوبية أسفر تطبيقه هناك عن نتائج عكسية، وأتضح في العمل أنه أداة تُمهد لتغليب السُلطة الشخصيّة الفرديّة وهي سُلطة الرئيس على غيرها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :