خاص ايكون نيوز
المزارع لا يحصل أحياناً إلا على عُشر ما يدفعه المستهلك، فيما تلتهم الوساطة والتاجر بالمفرق باقي الفاتورة… وزارة الزراعة تعرف التفاوت وتنشره، فمتى يتحول النشر إلى قرار؟
في لبنان، قد يبيع المزارع محصوله بسعر لا يغطي كلفة إنتاجه، ثم يجد المستهلك السلعة نفسها في المتجر بسعر أعلى بكثير. وبين الطرفين تمرّ الخضار والفاكهة عبر سلسلة من الوسطاء والنقل والتخزين والتوضيب والبيع، لكن السؤال الذي لا يزال بلا جواب واضح هو: كيف يتوزع هذا الفارق، ومن يحدد حصة كل حلقة، ولماذا تُحدد الحصص دائماً على حساب طرفَي السلسلة: من يزرع ومن يأكل؟
هذا السؤال عاد إلى الواجهة مع زيارة وزير الزراعة نزار هاني سوق الجملة المركزي في بيروت، حيث تناولت المناقشات التفاوت الكبير بين الأسعار عند باب المزرعة وأسعار الجملة والمبيع بالمفرق، والحاجة إلى تعزيز الشفافية وخفض كلفة التداول والحد من الهدر. غير أن الوزير لم يعد بإمكانه أن يكتفي بمفردات الزيارة المألوفة؛ فالشفافية التي تتكرر في كل زيارة لم تعد مطلباً معلقاً، بل واجباً فورياً يُسأل الوزير عنه بالأرقام: كم نسبة المزارع من فاتورة المستهلك اليوم، وسيدخل حيز النشر متى؟
المزارع ضحية السلسلة لا شريكها
تقرير نشره موقع صفر في آب 2025، مستنداً إلى تقدير الباحث والأستاذ الجامعي في مجال الزراعة الدكتور بسام همدر، أشار إلى أن المزارع قد لا يحصل إلا على نحو 10 بالمئة من المبلغ الذي يدفعه المستهلك مقابل الخضار والفاكهة، مقابل 30 إلى 40 بالمئة للوسيط وتاجر الجملة، و50 إلى 60 بالمئة لتاجر المفرق.
وبعبارة أخرى: كل مئة ليرة تدفعها سيدة البيت على المائدة، لا يصل منها إلى الحقل الذي أنتج الغداء أكثر من عشر ليرات، فيما يقسم تاجر المفرق وحده أكثر من نصف الفاتورة. هذه النسب ليست مسحاً شاملاً لكل المنتجات والأسواق، ولا يجوز تعميمها على جميع المحاصيل، لكنها تطرح مؤشراً يستحق التحقيق حول ضعف موقع المزارع في سلسلة التسويق، وثقل موقع من لا يلمس يده الأرض.
المشكلة لا تكمن في وجود الوسيط، فالنقل والتوضيب والتخزين والتبريد خدمات لها كلفة فعلية. لكن الخلل يبدأ عندما تغيب الشفافية عن تحديد الأسعار، ولا يعرف المزارع مسبقاً كيف سيُباع إنتاجه، ولا يستطيع المستهلك تفسير الفارق بين سعر الشراء وسعر البيع. ومن دون ضمانة، تصير الوساطة سموّاً في أنفاس الموسم: يُشترى من المزارع في سعر الاضطرار، ويُباع للمواطن في سعر الابتزاز، ويجمع الفارق من طرف واحد لا من الطرفين.
سوق يعمل من دون شفافية كافية
دراسة صادرة عن منظمة العمل الدولية حول قطاع البستنة في لبنان وصفت نظام أسواق الجملة بأنه معقد وغير شفاف في جوانب منه، ويعتمد في حالات كثيرة على تسليم المزارع إنتاجه إلى التاجر ليبيعه بالنيابة عنه، ثم يحصل المزارع على ثمن ما تم بيعه.
هذا النموذج يضع المزارع أمام مخاطر تقلب الأسعار وتلف المحصول وضعف المعلومات المتاحة له، فيما تبقى خياراته التسويقية محدودة. كما أن ضعف الثقة بين المنتجين والتجار يزيد صعوبة التخطيط للإنتاج والاستثمار الزراعي. والمفارقة القاسية أن المزارع يتحمل مخاطر الأرض والسوق معاً، بينما يلتقط التاجر الربح من دون أن يتحمل الخسارة إلا حين يشاء أن يحسبها.
وتشير دراسات أخرى عن أسواق الشمال وعكار إلى أن بعض معاملات البيع تتم عبر نظام الأمانة، وأن المزارع قد يتحمل خسارة المنتجات التي تتلف أو لا تجد مشترياً، في ظل اتفاقات غير واضحة بما يكفي. فالمزارع الذي غرِم على تلف محصوله يبقى شريكاً في الخطر وغائباً عن الربح، وهذا هو تعريف الظلم في سوق تحكمه الأمانة بلا عقد ولا ضمانة.
التهريب والأوزان والرقابة… مشكلات إضافية
لا تقتصر التحديات على هوامش الربح. فقد أعلنت وزارة الزراعة عن جولات رقابية مشتركة في أسواق الخضار، رُصد خلالها تفاوت في الأسعار المعروضة مقارنة بالأسعار التوجيهية، ومخالفات تتعلق بأوزان بعض الأكياس، إضافة إلى تنظيم محاضر ضبط بحق مخالفين. كما شددت الوزارة على مكافحة تداول المنتجات الزراعية المهرّبة، حماية للإنتاج الوطني وضماناً للمنافسة العادلة.
لكن محاضر الضبط التي تُنظَّم بلا أن تُنشر، وعقوبات تُعلَن بلا أن تُسعَّر على المخالف، هي في حقيقتها إعلان للمخالف بأن الرقابة فاصل موسمي لا سقف محتوم. فالتاجر الذي يغربل الأسعار ويعبّئ الكيس بوزن ناقص ويدخل المنتج المهرَّب على الإنتاج الوطني، يربح من ثلاث جهات: المزارع الذي يبيع له غالياً، والمواطن الذي يشتري منه غالياً، والمنافس الذي يدفع كلفة اللوائح الذي يتحايل عليها.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تمتلك الجهات الرقابية الأدوات والقدرات الكافية لمراقبة سلسلة التوزيع كاملة، من دخول المنتج إلى السوق حتى وصوله إلى المستهلك؟ وإذا لم تمتلكها، فمن المسؤول عن أن تكون هي، الوزير أم موظفو الوزارة؟
الأسعار موجودة… لكن هل يعرف المواطن كيف تتكوّن؟
تنشر وزارة الزراعة متوسطات أسعار الجملة والمفرق للخضار والفاكهة واللحوم والحليب، ومن بينها نشرة للفترة الممتدة من 5 إلى 7 تشرين الأول 2026. كما تنشر وزارة الاقتصاد تقارير أسبوعية عن أسعار السلة الغذائية، ويصدر المكتب الفني لسياسة الأسعار مؤشرات ودراسات عن السوق وهوامش التسويق والمنافسة.
هذه البيانات خطوة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها. فالمطلوب نشر أسعار باب المزرعة بالتوازي مع أسعار الجملة والمفرق، وتحديد الفارق لكل سلعة، وتوضيح كلفة النقل والتوضيب والتخزين، حتى يستطيع المواطن والجهات الرقابية معرفة أين تتشكل الزيادة. فالمواطن الذي يكويه الفاتورة كل أسبوع لا يطلب رحمة، بل يطلب معرفة: كم من سعر الطماطة ذهب إلى الحقل، وكم سُرق منه في الطريق؟
ماذا يجب أن يتغير؟
إن معالجة المشكلة لا تكون بتحميل التاجر وحده المسؤولية، ولا باتهام الوسطاء بصورة عامة، بل بإصلاح آلية التسويق نفسها. ومن أبرز الخطوات المطلوبة: إنشاء قاعدة بيانات يومية تربط أسعار باب المزرعة بالجملة والمفرق، وتعزيز أسواق المنتجين التي تسمح بالبيع المباشر وتقلّص حلقات الوساطة غير الضرورية، وتنظيم عقود واضحة بين المزارعين والتجار تحدد الأسعار والعمولات والمسؤوليات عن التلف، وتطوير مرافق التوضيب والتبريد والتخزين لتقليل الهدر، وتشديد الرقابة على الأوزان والمنافسة والمنتجات المهربة، ونشر نتائج الجولات الرقابية والمخالفات والإجراءات المتخذة بصورة منتظمة.
وهذه ليست عريضة تتقدمها وزارة، بل دستور يمكن أن يصدر عنها بمرسوم وقرار ومراقبة. فالوزير الذي يجلس مع التاجر ويستمع إلى الوزير في مقابلة شفاهية، عليه أن يجرّب غير ذلك: أن يجبر السوق على أن تتكلم بالأرقام، وأن يجعل كلفة المخالفة أعلى من ربحها، وأن يدافع عن المزارع كما يدافع التاجر عن هامشه.
السؤال الذي ينتظر إجابة
حين يشتكي المزارع من انخفاض سعر محصوله، ويشتكي المستهلك من ارتفاع فاتورته، لا يمكن الاكتفاء بالقول إن السوق يحدد الأسعار. السوق ليس قوة غامضة خارج الرقابة؛ إنه سلسلة من العلاقات التجارية والتكاليف والقرارات التي يمكن قياسها ومراقبتها وإصلاحها.
فإذا كان المزارع لا يحصل على سعر منصف، والمستهلك لا يجد سعراً مناسباً، فمن المستفيد من الخلل القائم؟ وهل يجوز أن تبقى وزارة الزراعة في موقع الراصد الذي ينشر التفاوت ولا يعالجه؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه وزارة الزراعة ووزارة الاقتصاد والتجار ونقابات المزارعين، بالأرقام لا بالوعود. فالمزرعة التي تُترك لنكالها فقراً للمزارع، والمائدة التي تُترك لنكالها غلاءً للمواطن، تجمعان على حقيقة واحدة: أن فيلب وسطه ثرياً، وما أغلظ من من يذوق الذل في حقله وأثمنها في السوق.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :