تقرير ايكون نيوز
814 هكتاراً من بساتين الزيتون طالتها الأضرار، وخسائر القطاع تجاوزت 236 مليون دولار… ومزارعون يواجهون خطر خسارة موسم كامل لأنهم لا يستطيعون الوصول إلى أراضيهم.
في جنوب لبنان، لم يعد موسم الزيتون يبدأ بتجهيز الشباك واستقدام العمال وانتظار نضوج الثمار. بات يبدأ بسؤال أكثر قسوة: هل سيتمكن المزارع من الوصول إلى أرضه؟
ففي قرى حدودية عدة، تحوّل قطاف الزيتون من نشاط زراعي موسمي إلى مهمة محفوفة بالمخاطر والإجراءات الأمنية والانتظار، في موسم تسقط فيه الاعتداءات الإسرائيلية على الأرض والإنسان معاً. أشجار تحمل محصول العام، ومزارعون يملكون الأرض لكنهم لا يملكون حرية الوصول إليها، فيما يمرّ الموسم من دون ضمانات بأن يتمكنوا من إنقاذ إنتاجهم.
الأرض موجودة… لكن الوصول إليها ليس مضموناً
تكشف تقارير ميدانية حديثة أن القيود التي يفرضها جيش العدو الصهيوني على الوصول إلى مناطق زراعية في الجنوب تعرقل موسم القطاف، ولا سيما في الأراضي القريبة من الحدود وما يُعرف بالخط الأصفر.
وفي كفرشوبا، يروي رئيس البلدية قاسم القادري أن البلدية تقدمت بطلبات لتسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم قبل موعد القطاف، لكن الموافقات لم تصل في الوقت المناسب. ووصل الأمر إلى تجمع نحو 250 مزارعاً في البلدة في 15 تشرين الأول، استعداداً للتوجه إلى بساتينهم، قبل أن تتعثر العملية بسبب غياب المواكبة المطلوبة والاعتراض على دخولهم.
أما في دير ميماس، فقد تمكن بعض المزارعين من الحصول على أذونات وقطف جزء من المحصول، لكن الإجراءات والقيود اللاحقة أعادت تعقيد العمل، وهددت قدرة عائلات أخرى على استكمال الموسم.
وفي كفرشوبا ودير ميماس وبلدات أخرى، لم تعد ملكية الأرض كافية لضمان الوصول إليها في الوقت المناسب.
كلفة القطاف ترتفع… والمزارع يدفع الثمن مرتين
لا تتوقف الخسائر عند المحصول الذي قد يبقى على الأشجار. فالظروف الأمنية وتعقيدات الوصول انعكست مباشرة على كلفة الإنتاج.
في دير ميماس، ارتفعت أجور العمال بنحو 30 بالمئة مقارنة بالموسم الماضي، وفق إفادات نقلتها تقارير صحافية عن عاملين في القطاع. كما ارتفعت كلفة عصر الزيتون بنحو 30 بالمئة، وسط صعوبة تأمين اليد العاملة واشتراط نقل بعض العمال يومياً بدلاً من مبيتهم في البلدة.
وهكذا يجد المزارع نفسه أمام معادلة قاسية: وقت أقل للقطاف، عمالة أغلى، وكلفة عصر ونقل أعلى، في وقت لا يملك فيه ضماناً بأن يتمكن من جمع كامل إنتاجه.
والأخطر أن ارتفاع كلفة الإنتاج قد ينعكس على سعر الزيت النهائي، بما يضعف قدرة المنتج الجنوبي على المنافسة في الأسواق المحلية والخارجية، فيصبح المزارع المطروَح من أرضه مطروَحاً من سوقها أيضاً.
814 هكتاراً متضررة… و236 مليون دولار من الخسائر
الأزمة الحالية ليست حادثة موسم واحد. فالأضرار المتراكمة التي لحقت بقطاع الزيتون منذ بدء الحرب تضع القطاع أمام تحديات تتجاوز موسم القطاف الراهن.
وبحسب أرقام أوردتها تقارير صحافية استناداً إلى تقييمات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، تضررت نحو 814 هكتاراً من بساتين الزيتون في جنوب لبنان، فيما تجاوزت خسائر القطاع 236 مليون دولار خلال الفترة الممتدة بين تشرين الأول 2023 وتشرين الثاني 2024.
وهذه الأرقام تعكس حجم الضربة التي تعرض لها قطاع يشكل مصدر دخل أساسياً لعائلات كثيرة، فضلاً عن ارتباطه بالاقتصاد الريفي وبالهوية الزراعية لقرى الجنوب.
الخطر لا يقتصر على الاعتداءات… مخلفات الحرب تهدد حياة المزارعين
ثمة جانب بالغ الخطورة لا يجوز إغفاله: الأراضي الزراعية التي شهدت قصفاً أو مواجهات قد تحتوي على ذخائر غير منفجرة ومخلفات حربية.
وقد أوردت تقارير ميدانية حوادث سقوط ضحايا في بساتين الزيتون خلال تشرين الأول، بينها حوادث مرتبطة بالقصف وانفجار ذخائر أثناء العمل الزراعي.
وهذا يجعل عودة المزارعين إلى أراضيهم مسألة تتطلب إجراءات سلامة ومسحاً للمناطق المشتبه بتلوثها بالذخائر، وليس مجرد السماح بالدخول والقطاف.
وزارة الزراعة أمام اختبار حماية الموسم
من جهتها، أعلنت وزارة الزراعة أن تسهيل عودة مزارعي الجنوب إلى أراضيهم يشكل أولوية، وتابعت مع قوة اليونيفيل المؤقتة سبل تسهيل الوصول إلى البساتين وتأمين الأذونات اللازمة للقطاف.
لكن المطلوب اليوم يتجاوز اللقاءات والتأكيدات. فالموسم لا ينتظر، والثمار لا تبقى على الأشجار إلى أجل غير مسمى.
وتبرز الحاجة إلى آلية واضحة وشفافة تضمن وصول المزارعين إلى أراضيهم، وتحدد المسؤوليات والجهات التي تنسق عملية الدخول، وتؤمن شروط السلامة، فضلاً عن دعم المزارعين الذين فقدوا محاصيلهم أو ارتفعت كلفة إنتاجهم بصورة كبيرة.
السؤال الأكبر: من يعوّض المزارع عن موسم لا يستطيع الوصول إليه؟
في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بزيت الزيتون وحده، بل بحق المزارع في أرضه ومصدر رزقه، وبقدرة القرى الجنوبية على استعادة دورتها الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا تبرز أسئلة لا بد من أن تجيب عنها الجهات المعنية: كم مزارعاً تمكن فعلياً من الوصول إلى أرضه وقطف محصوله هذا الموسم؟ وما مساحة بساتين الزيتون التي بقيت خارج متناول أصحابها؟ وهل توجد خطة لتعويض المزارعين عن المحاصيل التي فُقدت بسبب تعذر الوصول؟ ومن يتحمل كلفة ارتفاع أجور العمال والعصر والنقل؟ وهل أُنجز مسح للمناطق الزراعية المهددة بالذخائر غير المنفجرة قبل السماح باستئناف العمل فيها؟
فالزيتونة التي لا يستطيع صاحبها الوصول إليها ليست مجرد شجرة لم تُقطف ثمارها؛ إنها مصدر رزق مهدد، وعلاقة بين الإنسان وأرضه تتعرض للاقتلاع.
وفي الجنوب، لا يقاس نجاح موسم الزيتون بعدد أطنان الإنتاج وحده، بل بقدرة المزارع على العودة إلى أرضه، والعمل فيها بأمان، والعيش من ثمارها. فالأرض التي يذود عنها المزارع بسيفه إن لم يُبقَ له أن يزرعها، كانت نصراً ناقصاً، والموسم الذي يمرّ دون قطاف إنذار بأن ما لم تُحمَ الأرض من الإذن والذخيرة معاً، عاد التهديد إلى صميم الحياة نفسها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :