كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع آيكون نيوز
رأي آيكون نيوز
لم يعد الخلاف حول متفجرات ضهر البيدر محصوراً في مسار التحقيق أو في المطالبة بإحالة الملف إلى المجلس العدلي. فالمواقف المنسوبة إلى رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، وما رافقها من تلويح بمصير قائد الجيش العماد رودولف هيكل، تنقل النقاش إلى مستوى أكثر خطورة: هل تتحول المؤسسة العسكرية إلى طرف في الاشتباك السياسي؟
بحسب ما أوردته صحيفة «البناء»، يدفع جعجع في اتجاه إقالة قائد الجيش إذا لم ينفذ قرارات مجلس الوزراء المتعلقة بحصرية السلاح، وإذا لم تُتخذ إجراءات قضائية وأمنية في ملف المتفجرات.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإن المطلوب توضيحه هو الفرق بين المساءلة السياسية المشروعة والضغط الذي يهدد استقلال المؤسسة العسكرية. فمن حق أي حزب ممثل في الحكومة أن يطالب بتطبيق قراراتها وكشف ملابسات قضية أمنية خطيرة، لكن ليس من حق أي فريق أن يجعل بقاء قائد الجيش في منصبه رهينة لموقف سياسي أو لحملة إعلامية.
الجيش ليس أداة في الصراع
قائد الجيش ليس مسؤولاً حزبياً ولا طرفاً في منافسة سياسية. إنه يقود مؤسسة وطنية يفترض أن تكون مرجعيتها الدولة، وأن تعمل وفق القانون والقرارات الصادرة عن السلطات الدستورية، مع مراعاة الظروف الميدانية والقدرات المتاحة.
وتزداد حساسية هذا الدور في بلد يعاني انقساماً سياسياً وطائفياً عميقاً، وملفاً شائكاً يتعلق بالسلاح، وأوضاعاً اقتصادية وأمنية لا تحتمل مغامرات جديدة. لذلك لا تُقاس الوطنية بارتفاع سقف الخطاب، ولا بمدى استعداد المسؤول لدفع المؤسسة إلى مواجهة غير محسوبة، بل بقدرته على حماية الاستقرار ومنع الخلاف السياسي من التحول إلى صدام داخلي.
لقد اختار العماد رودولف هيكل، في الملفات التي تعني الأمن الوطني، مقاربة تقوم على ضبط النفس والحساب الدقيق. وهذه ليست بالضرورة علامة تردد، بل قد تكون تعبيراً عن إدراك عميق لكلفة أي خطوة غير مدروسة على الجيش والبلد معاً.
القرار الحكومي يحتاج إلى آلية
سبق لمجلس الوزراء أن رحّب، في أيلول 2025، بالخطة العسكرية التي عرضها قائد الجيش لتنفيذ قرار حصرية السلاح، مع إبقاء مضمونها ومداولاتها سرية، وطلب رفع تقارير دورية إلى الحكومة.
وهذا يفترض علاقة مؤسساتية واضحة بين السلطة السياسية والقيادة العسكرية: قرار محدد، وخطة تنفيذ، وجدول زمني، وإمكانات، وتقارير ومحاسبة. أما إصدار العناوين العامة ثم تحميل الجيش وحده مسؤولية النتائج، فلا يبني دولة ولا يحقق تقدماً.
إذا كانت الحكومة تريد تنفيذ قرار معين، فعليها أن تحدد المطلوب بدقة، وأن تؤمن الغطاء القانوني والسياسي والقدرات اللازمة. وفي المقابل، على قيادة الجيش أن تشرح بوضوح ما أنجزته، وما تعذر عليها، وأسباب التعذر، وأن ترفع تقاريرها إلى المرجعية المختصة.
بهذه الطريقة فقط تصبح المحاسبة جدية، بدلاً من أن تتحول إلى تبادل اتهامات عبر الإعلام.
جعجع وامتحان المسؤولية
يستطيع جعجع، كأي طرف سياسي، أن يعترض على أداء قائد الجيش، وأن يطلب مساءلته داخل المؤسسات الدستورية. لكن تحويل الإقالة إلى وسيلة ضغط يضعف موقع الجيش، أياً تكن الذريعة المستخدمة.
فإذا كان الاعتراض يستند إلى تقصير محدد، فليُقدَّم في صورة تقارير ووقائع قابلة للنقاش. أما التلويح بمصير القائد لإجباره على تنفيذ قراءة سياسية بعينها، فيحوّل المؤسسة العسكرية إلى مساحة لتصفية الحسابات.
ومن يريد تقوية الدولة، لا يمكنه أن يتعامل مع الجيش كأداة لتنفيذ مطالبه الخاصة. المؤسسة العسكرية تكون قوية عندما تكون بعيدة من الاصطفافات، لا عندما تصبح جزءاً منها.
المساءلة لا تعني الابتزاز
إن إنصاف قائد الجيش لا يعني منحه حصانة أو إعفاءه من المسؤولية. فالمؤسسة العسكرية مطالبة بتقديم التوضيحات، وتنفيذ القرارات التي تدخل ضمن صلاحياتها، ورفع التقارير إلى الحكومة، والخضوع للمساءلة وفق القانون.
لكن المساءلة تختلف عن الابتزاز. يمكن محاسبة قائد الجيش على خطأ مثبت أو تقصير واضح، أما تهديده بالإقالة لأنه لم يذهب إلى مواجهة قد تعرض السلم الأهلي للخطر، فليس ممارسة مؤسساتية سليمة.
حماية الاستقرار ليست تراجعاً عن دور الجيش، بل أحد صميم وظائفه. فالجيش لا يحمي لبنان فقط من الخطر الخارجي، بل يمنع أيضاً الانقسام الداخلي من التحول إلى فوضى واقتتال. وهذه المهمة تتطلب قيادة متماسكة، لا قيادة تعمل تحت ضغط القوى السياسية.
المطلوب دولة لا تصفية حسابات
لبنان بحاجة إلى حكومة تحسم قراراتها، وقضاء يحقق باستقلال، وجيش ينفذ ضمن القانون، وأحزاب تتحمل مسؤولية مواقفها. أما فتح معركة حول قائد الجيش في هذا الظرف، فيضيف انقساماً جديداً إلى بلد ينوء أصلاً تحت أزمات متراكمة.
من يريد دولة قوية، فليحمِ مؤسساتها من التسييس. ومن يطالب بالمحاسبة، فليترك الأدلة والقضاء يتقدمان على الاتهام. ومن يرفع شعار حماية لبنان، فليدرك أن الحفاظ على تماسك الجيش والسلم الأهلي ليسا تنازلاً، بل شرطاً لبقاء الدولة.
فالجيش مؤسسة وطنية جامعة، وحمايته من الاشتباك السياسي ليست دفاعاً عن شخص قائد، بل عن آخر ركائز الاستقرار في لبنان.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :