بين تراجع الثقة، وأزمة القيادة، وتداعيات الحروب، تدخل إسرائيل استحقاقاً انتخابياً مفصلياً في 27 تشرين الأول الجاري، فيما تكشف استطلاعات الرأي عن سباق مفتوح واحتمال استمرار المأزق السياسي.
لم تعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة مجرد منافسة تقليدية بين أحزاب تتنازع على مقاعد الكنيست، بل تحوّلت إلى اختبار سياسي وأمني واجتماعي واسع، تتداخل فيه مسؤولية القيادة عن إخفاقات المرحلة الماضية مع مستقبل الحرب، وعلاقة إسرائيل بحلفائها، والانقسامات الداخلية التي أخذت تتعمق منذ هجوم 7 تشرين الأول 2023 والحرب التي أعقبته.
وبين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي يسعى إلى الاحتفاظ بالسلطة، ورئيس المعارضة الصاعد غادي آيزنكوت، تتجه الأنظار إلى صناديق الاقتراع في 27 تشرين الأول 2026، وسط مشهد لا يمنح أياً من المعسكرين ضمانة واضحة لتشكيل حكومة مستقرة.
استطلاعات متقاربة… ولا أغلبية مضمونة
تضع استطلاعات الرأي الأخيرة معسكر نتنياهو في مواجهة صعبة مع قوى المعارضة، لكن المشكلة الأساسية لا تكمن في عدد المقاعد التي قد يحصل عليها كل حزب منفرداً، بل في القدرة على جمع 61 مقعداً من أصل 120 في الكنيست، وهي العتبة اللازمة لضمان أغلبية برلمانية.
ووفق استطلاع نشرته صحيفة «معاريف» استناداً إلى أبحاث لازار، في 16 تشرين الأول، يتقدم حزب «يَشار» بقيادة آيزنكوت بـ21 مقعداً، مقابل 18 مقعداً لحزب الليكود بزعامة نتنياهو، فيما يحصل حزب «معاً» على 13 مقعداً.
لكن هذه الأرقام لا تعني أن المعارضة حسمت الانتخابات؛ إذ يقدّر الاستطلاع نفسه أن المعسكرين الرئيسيين لا يملكان، وفق التحالفات المحتملة التي يحتسبها، أغلبية مضمونة. وبذلك، يبقى احتمال تعثّر تشكيل الحكومة قائماً، حتى لو تصدّر حزب المعارضة النتائج.
وتكشف هذه المعادلة عن مفارقة أساسية: قد يتراجع حزب نتنياهو انتخابياً من دون أن يخسر رئيسه السلطة تلقائياً، وقد تتقدم المعارضة من دون أن تتمكن من ترجمة تقدمها إلى حكومة جديدة.
فالنظام البرلماني الإسرائيلي لا يحسم السلطة باسم الحزب الأكبر، بل عبر مفاوضات ائتلافية معقدة، تصبح فيها الأحزاب الصغيرة قادرة على فرض شروطها وتحديد هوية الحكومة المقبلة.
نتنياهو: معركة على السلطة والمستقبل السياسي
بالنسبة إلى نتنياهو، لا تقتصر أهمية الانتخابات على الاحتفاظ برئاسة الحكومة، بل تتصل أيضاً بإرثه السياسي وقدرته على إقناع الناخب الإسرائيلي بأن سياساته الأمنية والعسكرية لا تزال الخيار الأكثر موثوقية.
فبعد هجوم 7 تشرين الأول 2023، لم يعد النقاش الداخلي محصوراً في قدرة إسرائيل على استخدام قوتها العسكرية، بل امتد إلى مسؤولية القيادة عن الإخفاقات الأمنية، وجدوى الحروب، والثمن الذي يدفعه المجتمع والاقتصاد، ومدى قدرة الحكومة على تحويل العمليات العسكرية إلى نتائج سياسية وأمنية مستدامة.
ويستفيد نتنياهو من قاعدة انتخابية ما زالت ترى فيه قائداً قادراً على إدارة الملفات الأمنية، ومن شبكة تحالفات مع أحزاب يمينية ودينية. لكن هذه العناصر لا تضمن له أغلبية جديدة، خصوصاً مع استمرار الانقسامات بشأن التجنيد العسكري لليهود المتشددين دينياً، ومكانة الأحزاب الدينية في السلطة، وطبيعة العلاقة بين المؤسسات السياسية والأمنية.
وفي المقابل، لا تستطيع المعارضة الاكتفاء برفض نتنياهو؛ إذ يتعين عليها إقناع الناخبين بأنها قادرة على تقديم بديل سياسي وأمني قابل للحكم، لا مجرد ائتلاف مؤقت يجمع خصوم رئيس الحكومة.
غادي آيزنكوت… هل يكفي إسقاط نتنياهو؟
يبرز غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي السابق، بوصفه أحد أبرز المنافسين لنتنياهو، مع تقدم حزبه في عدد من استطلاعات الرأي.
وتستند قوته إلى خلفيته العسكرية، وإلى محاولة تقديم نفسه باعتباره خياراً قادراً على إعادة ترتيب الأولويات الأمنية والسياسية، وتحسين علاقات إسرائيل الخارجية، والحد من نفوذ التيارات اليمينية الأكثر تشدداً.
غير أن التحدي الأكبر أمام آيزنكوت لا يتعلق بشعبيته الشخصية وحدها، بل بقدرته على بناء تحالف متماسك. فالمعارضة تضم تيارات تختلف في حساباتها السياسية وفي مقاربتها للقضايا الأمنية والفلسطينية، كما أن بعض قادتها يرفضون الاعتماد على الأحزاب العربية لتشكيل حكومة، الأمر الذي يضيّق هامش المناورة البرلمانية.
وتشير قراءة صحيفة «فايننشال تايمز» المنشورة في 11 تشرين الأول إلى أن المعارضة تعد بتغيير بعض السياسات التي ارتبطت بحكومة نتنياهو، ولا سيما في العلاقات الخارجية والاستيطان، لكن فرص إحداث تحول جذري في السياسة الأمنية أو في الموقف من قيام دولة فلسطينية تبدو محدودة.
وهنا تكمن المعضلة: قد تتمكن المعارضة من إزاحة نتنياهو، لكنها ستحتاج إلى ما هو أبعد من تغيير الأشخاص لإثبات أن إسرائيل تتجه فعلاً إلى مراجعة سياساتها، لا إلى إدارة المرحلة نفسها بوجوه جديدة.
الأحزاب العربية: وزن انتخابي ومعضلة الشراكة
يشكل تمثيل المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل أحد الملفات التي قد تؤثر في الحسابات البرلمانية. فالأحزاب العربية قد تمتلك وزناً مؤثراً في معادلة تشكيل الحكومة، لكن هذا الوزن يصطدم برفض نتنياهو ومنافسين رئيسيين له الدخول في ائتلاف حكومي معها.
وبحسب وكالة «أسوشيتد برس» في 16 تشرين الأول، فإن رفض الشراكة مع الأحزاب العربية قد يساهم في إطالة أمد الجمود السياسي، حتى إذا كانت أصوات هذه الأحزاب قادرة على تغيير الحسابات البرلمانية.
وتزداد حساسية الملف مع الجدل بشأن مشاركة القوائم العربية في الانتخابات، في ظل قرارات وإجراءات طالت أهلية بعض هذه القوائم، وما رافقها من اعتراضات وطعون. ولذلك، فإن الوضع القانوني النهائي لكل قائمة يجب أن يُقرأ استناداً إلى القرارات القضائية والرسمية النافذة، لا إلى الاستطلاعات وحدها.
سياسياً، تعكس هذه القضية تناقضاً داخل النظام الإسرائيلي: فالمشاركة الانتخابية للمواطنين العرب جزء من العملية البرلمانية، لكن الاعتراف بدورهم في تشكيل السلطة لا يزال موضع خلاف حاد، بما يضعف فرص قيام ائتلاف واسع في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى تسوية داخلية.
الحرب والأمن والاقتصاد… الناخب يحاسب على النتائج
لن تُحسم الانتخابات بالأرقام وحدها، بل بقدرة كل معسكر على الإجابة عن أسئلة المجتمع الإسرائيلي بشأن الأمن والاقتصاد ومستقبل الحروب.
فبعد سنوات من الصراع، لا يستطيع أي مرشح تجاهل كلفة العمليات العسكرية، أو مخاوف السكان في المناطق الحدودية، أو الضغوط التي تواجه الأسر التي تحملت أعباء الخدمة العسكرية والاحتياطية، أو التوتر بشأن توزيع الأعباء بين فئات المجتمع.
كما أن استمرار الحرب وتداعياتها الإنسانية والدبلوماسية يضعان الحكومة أمام أسئلة تتجاوز الخطاب العسكري: ما النتيجة السياسية التي تريد إسرائيل الوصول إليها؟ وهل يمكن ضمان الأمن من دون استراتيجية واضحة لنهاية الصراع؟ وما حدود قدرة القوة العسكرية على معالجة أزمات سياسية متجذرة؟
وتواجه المعارضة بدورها الاختبار نفسه. فانتقاد الحكومة لا يكفي ما لم تقترح بديلاً واضحاً بشأن غزة والضفة الغربية ولبنان، والعلاقة مع الولايات المتحدة، وكيفية تقليل المخاطر الأمنية من دون الانزلاق إلى حروب متكررة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :