الليدي غوديفا.. حين خلعت امرأة ثيابها لتواجه جبروت السلطة وتنصر شعبها

الليدي غوديفا.. حين خلعت امرأة ثيابها لتواجه جبروت السلطة وتنصر شعبها

الليدي غوديفا.. حين خلعت امرأة ثيابها لتواجه جبروت السلطة وتنصر شعبها

 

من أسطورة كوفنتري إلى أسئلة الحاضر: امرأة راهنت بكرامتها أمام الناس كي لا يبقى الفقراء رهائن الضرائب

 

ليست كل امرأة عارية حكاية عن الجسد، وليست كل صورة تستحضر العري دعوة إلى النظر. أحياناً، تختصر لوحة واحدة صراعاً كاملاً بين سلطة تملك القرار، وشعب يرزح تحت الأعباء، وامرأة قررت أن تجعل من نفسها صوتاً لمن لم يعد صوتهم مسموعاً.

 

إنها الليدي غوديفا، المرأة التي حفظتها الذاكرة البريطانية في واحدة من أكثر الحكايات إثارة للجدل، بعدما تحدّت، وفق الرواية المتوارثة، زوجها ليوفريك، إيرل مرسيا، احتجاجاً على الضرائب الثقيلة التي أثقلت كاهل سكان مدينة كوفنتري الإنجليزية في القرن الحادي عشر.

 

حين يصبح الفقر أقوى من الصمت

 

تروي الحكاية أن غوديفا لم تستطع تجاهل معاناة الناس تحت وطأة الضرائب، فراجعت زوجها مراراً مطالبة بتخفيف الأعباء عنهم. لكن مطالبها اصطدمت برفض صاحب السلطة، الذي لم يرَ في وجع الناس سبباً كافياً للتراجع.

 

ومع استمرار إلحاحها، وضع ليوفريك، بحسب الأسطورة، شرطاً ظن أنه سيجعلها تتراجع: أن تجوب شوارع المدينة على ظهر حصان عارية، مقابل إعفاء السكان من الضرائب التي أثقلت حياتهم.

 

كان الشرط، في ظنه، وسيلة لإسكاتها وإحراجها. لكنه لم يدرك أن المرأة التي وصلت إلى حد تحدي السلطة من أجل الفقراء لم تعد تخشى ما تخشاه السلطة أكثر من أي شيء آخر: انكشاف حقيقتها أمام الناس.

 

قبلت غوديفا التحدي، لا بحثاً عن شهرة، ولا سعياً وراء مشهد يستدرج الأنظار، بل لأن الرواية جعلت من جسدها الثمن الذي طُلب منها دفعه كي تنال المدينة مطلبها.

 

وهنا تكمن المفارقة التي منحت الحكاية خلودها: الرجل الذي أراد أن يحوّل جسد امرأة إلى وسيلة لإذلالها، وجد نفسه في مواجهة فعل احتجاجي تجاوز حدود الإذلال الذي أراده.

 

شوارع صامتة.. وكرامة تتجاوز المشهد

 

وفق الرواية الشعبية، طلبت غوديفا من سكان كوفنتري البقاء داخل منازلهم وإغلاق النوافذ، حفاظاً على خصوصيتها. واستجاب الناس، في صورة تختصر تضامناً نادراً بين امرأة تخوض المواجهة نيابة عنهم، وجمهور أدرك أن احترام تضحيّتها أهم من استغلال لحظتها.

 

خرجت غوديفا على صهوة حصانها، فيما بقيت الشوارع خالية وفق الحكاية، وكأن المدينة قررت أن تحمي المرأة التي خرجت دفاعاً عنها.

 

ومن هذه الصورة وُلد المعنى الذي تجاوز حدود التاريخ: حين يضع الإنسان كرامته في خدمة قضية عادلة، يصبح احترامه مسؤولية جماعية، لا فرصة للفرجة والتشهير.

 

أما قصة الرجل الذي خالف قرار السكان ونظر إليها، والمعروفة لاحقاً بحكاية «توم المتلصص»، فقد أضيفت إلى الرواية في مراحل متأخرة، وأصبحت جزءاً من التراث الشعبي المحيط بغوديفا.

 

وتقول الأسطورة إن ليوفريك وفّى بوعده وخفّف الضرائب عن سكان المدينة. غير أن المؤرخين لا يتعاملون مع تفاصيل الرحلة العارية باعتبارها واقعة مثبتة، بل يرون فيها حكاية ظهرت في المصادر بعد وفاة غوديفا بزمن طويل.

 

لوحة عام 1898.. الجسد الذي تحوّل إلى رمز

 

في عام 1898، قدّم الفنان البريطاني جون كولير لوحته الشهيرة «الليدي غوديفا»، مستعيداً الشخصية التي تحوّلت إلى واحدة من أبرز رموز مدينة كوفنتري.

 

لم تكن اللوحة مجرد استعادة لمشهد مثير من الماضي؛ فقد أعادت فتح السؤال حول العلاقة بين الجسد والحياء، وبين الصورة الفنية ونظرة المجتمع إلى المرأة.

 

تظهر غوديفا في التكوين الفني على صهوة حصانها، في مشهد يجمع بين السكون والحركة، وبين هشاشة الموقف وقوة القرار. وقد ساهمت الأعمال الفنية والأدبية التي تناولت قصتها في ترسيخ حضورها في الثقافة البريطانية، حتى أصبحت صورتها أكثر شهرة من كثير من الوقائع الموثقة عن حياتها.

 

لكن الإنصاف التاريخي يقتضي التمييز بين المرأة الحقيقية والحكاية التي نسجتها القرون حولها. فغوديفا شخصية تاريخية عاشت في القرن الحادي عشر، وعُرفت بأعمالها الخيرية ومساهماتها الدينية، أما الرحلة العارية الشهيرة فلم يثبت المؤرخون وقوعها بصورة قاطعة.

 

من كوفنتري إلى عالم اليوم.. من يدفع ثمن السلطة؟

 

قد تكون تفاصيل الحكاية أسطورية، لكن السؤال الذي تتركه ليس كذلك.

 

كم من شعب يرزح تحت ضرائب وأعباء لا تتناسب مع قدرته على الاحتمال؟ وكم من مسؤول يتعامل مع معاناة الناس بوصفها رقماً في حسابات الموازنة، لا حياةً تتآكل وبيوتاً تضيق وأحلاماً تتبخر؟

 

في جوهر الحكاية، لا يتعلق الأمر بالعري بحد ذاته، بل بالتضحية التي تكشف عري السلطة الأخلاقي عندما تنسى أن وظيفتها الأساسية هي حماية الناس، لا تحميلهم أثمان إخفاقاتها.

 

فالسلطة التي تحتاج إلى إذلال المطالبين بالعدالة كي تحافظ على هيبتها، لا تحمي هيبتها؛ إنها تكشف هشاشتها. والمسؤول الذي يطلب من الناس المزيد من الصبر والتضحيات، فيما يعجز عن تقديم نموذج في المسؤولية والمحاسبة، يضع نفسه أمام سؤال لا تستطيع الخطب الرسمية الإجابة عنه: من يخدم من؟

 

ولا تعني الحكاية أن على الشعوب انتظار بطلة استثنائية كي تنال حقوقها، بل إن العدالة لا ينبغي أن تتوقف على استعداد شخص واحد لدفع ثمن باهظ. فالمجتمع العادل هو الذي يحمي كرامة الناس، ويمنع تحويل حقوقهم الأساسية إلى منّة من الحاكم أو مكافأة على الصبر.

 

ارفعي رأسك يا غوديفا

 

ربما لم تقع الرحلة كما تخيلها الرواة، وربما أضاف الزمن إلى الحكاية ما جعلها أكثر درامية وتأثيراً. لكن غوديفا بقيت حاضرة لأن الناس لم يروا في قصتها جسداً مكشوفاً فحسب، بل امرأة وضعت معاناة الآخرين في مقدمة أولوياتها.

 

ولهذا، فإن أجمل ما يمكن أن نتعلمه من أسطورتها ليس أن امرأة اضطرت إلى خلع ثيابها كي يسمعها صاحب السلطة، بل أن أي مجتمع يصل إلى مرحلة يضطر فيها الضعفاء إلى التضحية بكرامتهم كي يحصلوا على حقوقهم، يكون قد وضع ضميره أمام امتحان قاسٍ.

 

ارفعي رأسك يا غوديفا؛ فالقيمة الحقيقية ليست في المشهد الذي رسمه الفنان، بل في السؤال الذي تركته الحكاية للأجيال: من يستحق الاحترام أكثر، من يملك السلطة ويثقل كاهل الناس، أم من يواجهه كي لا يبقى الناس وحدهم في مواجهة البؤس؟

 

ICON NEWS — الحقيقة مسؤولية في زمن الشائعات.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي