داخل بعض الخلايا تحدث لحظة تبدو وكأنها بلا عودة: تبدأ آلة الموت الذاتي بالعمل، وتتلقى الخلية الإشارة التي يفترض أن تنتهي بتفكيكها.
لكن العلماء وجدوا خلايا تفعل شيئاً غير متوقع.
تبدأ بالموت... ثم تتوقف.
والأغرب أنها لا تكتفي بالنجاة، بل تعود إلى الانقسام وتشارك بقوة في إعادة بناء النسيج الذي تعرض للضرر.
أطلق الباحثون على هذه المجموعة اسم DARE، وهي خلايا ظهارية مقاومة للموت تنشط فيها إحدى الإنزيمات التي تبدأ عملية الموت الخلوي المبرمج، المعروفة باسم «الكاسبيز»، إلا أن العملية تتوقف قبل الوصول إلى المرحلة التي تُعدم فيها الخلية فعلياً.
وفي التجارب على أنسجة يرقات ذبابة الفاكهة التي تعرضت للإشعاع، حدث أمر لافت: الخلايا التي نجت تكاثرت بسرعة، وبعد 48 ساعة كان نسل خلايا DARE قد أعاد ملء ما يقارب نصف النسيج المتجدد.
ولم تكن تعمل وحدها.
اكتشف الفريق مجموعة ثانية أطلق عليها NARE، وهي خلايا مقاومة للموت أيضاً، لكنها لم تبدأ أصلاً المسار نفسه. والمثير أن هذه الخلايا لم تستطع قيادة عملية التجدد بمفردها؛ فعندما أزال العلماء خلايا DARE، تعطلت بصورة كبيرة عملية التكاثر التعويضي المسؤولة عن إعادة بناء النسيج.
لكن المفاجأة الأكبر ظهرت عندما عرّض العلماء الأنسجة للإشعاع مرة أخرى.
أبناء الخلايا التي نجت في المرة الأولى احتفظوا بما يشبه «ذاكرة» للمقاومة. وأظهرت الدراسة أن نسل خلايا DARE أصبح أقل حساسية للموت الناجم عن الإشعاع بنحو سبعة أضعاف مقارنة بالخلايا الأصلية.
وهنا انتقل الاكتشاف من قصة مذهلة عن قدرة الجسم على الإصلاح إلى سؤال أكثر خطورة: ماذا لو كانت الخلايا السرطانية تستخدم الحيلة نفسها؟
الباحثون يشيرون إلى أن الآلية التي تسمح لخلايا DARE بإيقاف عملية الموت في منتصف الطريق ترتبط ببروتينات ومسارات سبق ربط بعضها بنمو الأورام. كما أن الأورام التي تعود بعد العلاج الإشعاعي قد تصبح أكثر مقاومة للعلاج، ما يجعل «ذاكرة النجاة» التي رصدها العلماء مساراً يستحق الدراسة لفهم بعض أشكال مقاومة السرطان.
لكن هنا يجب وضع خط واضح بين الاكتشاف والأمل الطبي.
الدراسة نُشرت في Nature Communications وأُجريت أساساً على أنسجة ذبابة الفاكهة، وليست تجربة علاجية على مرضى السرطان، ولا تعني اكتشاف دواء جديد أو إثبات أن الآلية نفسها مسؤولة عن عودة الأورام لدى البشر.
قيمتها تكمن في أنها كشفت جزءاً من المفارقة المدهشة داخل علم الأحياء:
الآلة التي صُممت لقتل الخلية قد تصبح، في ظروف معينة، جزءاً من الآلية التي تساعد النسيج على الحياة من جديد.
وإذا استطاع العلماء مستقبلاً معرفة كيفية التحكم بهذه اللحظة الدقيقة، فقد يصبح بالإمكان دفع الخلايا السليمة نحو التجدد، وفي الاتجاه المعاكس منع الخلايا السرطانية من استخدام باب النجاة نفسه.
فالخلية التي تهرب من الموت قد تكون بطلة عندما ترمم جرحاً...
وقد تصبح مشكلة عندما تكون خلية سرطانية لا نريد لها أن تنجو.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :