لم يكن جميل راتب يحتاج إلى دور البطولة كي يسرق المشهد. كانت تكفيه نظرة، نبرة محسوبة، أو ذلك الهدوء الذي يسبق انفجار الشخصية، ليترك توقيعه على الشاشة.
في مثل هذا اليوم، 19 أيلول 2018، رحل جميل راتب في القاهرة عن 92 عاماً، بعد رحلة فنية طويلة توزعت بين مصر وفرنسا والمسرح والسينما والتلفزيون.
لكن الحكاية التي تستحق أن تُروى ليست حكاية ممثل ناجح فقط.
نشأ راتب في عائلة ميسورة، وكان الطريق المرسوم له بعيداً عن خشبة المسرح. درس الحقوق ثم ذهب إلى فرنسا لدراسة العلوم السياسية، لكن شغفه بالتمثيل قلب حياته. وعندما توقفت عنه المساعدة المالية، لم يعد أمام الشاب القادم من القاهرة سوى أن يدفع ثمن اختياره بنفسه.
عمل نادلاً ومترجماً وحمّالاً في سوق الخضار، ووقف «كومبارس» قبل أن يصل إلى الأدوار الرئيسية. وفي شهادة نادرة له، تحدث راتب بنفسه عن تلك المرحلة، وكيف بدأ مع فرق صغيرة ومسارح متواضعة إلى أن صنع لنفسه اسماً في فرنسا.
وهنا ربما يكمن سر جميل راتب.
الرجل الذي عرفه الجمهور لاحقاً بملامحه الأرستقراطية وأناقته وثقافته، عرف قبل الشهرة معنى أن يحمل الخضار كي يستطيع الاستمرار في حمل حلمه.
على المسارح الفرنسية خاض تجربة طويلة مع نصوص شكسبير وموليير وراسين وكورناي، وامتدت تجربته الأوروبية لعقود. والمفارقة أن راتب نفسه صحح لاحقاً معلومة شائعة عنه: لم يكن عضواً في «الكوميدي فرانسيز»، وإنما عمل ضمن فرقة فرنسية كان مديرها مرتبطاً بها، وهو ما أدى إلى الخلط في بعض الكتابات الصحافية.
ثم عاد إلى مصر.
لم يعد فناناً يبحث عن فرصة، بل ممثلاً يحمل مدرسة كاملة في داخله. ومن المسرح إلى السينما والتلفزيون، أخذ الجمهور يكتشف وجهاً مختلفاً: الرجل القادر على أداء الشر من دون صراخ، والسلطة من دون استعراض، والسخرية من دون ابتذال.
في «البداية» كان جزءاً من واحدة من التجارب اللافتة مع صلاح أبو سيف، وفي «الصعود إلى الهاوية» نال تقديراً عن أدائه، ثم جاءت أعمال مثل «الراية البيضا» و«زيزينيا» و«يوميات ونيس» وغيرها لتضعه في ذاكرة أجيال مختلفة.
ولعل أجمل ما في تجربة جميل راتب أنه لم يكن نجماً مصرياً حاول لاحقاً الوصول إلى الخارج؛ مساره سار تقريباً في الاتجاه المعاكس. بنى جزءاً كبيراً من تكوينه الفني في باريس، ثم عاد بهذه الخبرة إلى القاهرة ليصبح واحداً من وجوهها المحبوبة.
حتى السينما لم تكن حبه الأول.
قال راتب إن المسرح كان هدفه الحقيقي، وإن انتقاله إلى السينما والتلفزيون هو الذي منحه الشعبية الواسعة في مصر. وربما يفسر ذلك شيئاً من طريقته في الأداء: كان يتعامل مع الشخصية كما لو أنها تقف كل ليلة أمام جمهور حي، لا أمام كاميرا تستطيع إعادة المشهد عشر مرات.
جميل راتب لم يكن مجرد صاحب ملامح مميزة وصوت لا يخطئه الجمهور.
كان ابن ثقافتين وتجربتين وحياتين تقريباً؛ عرف باريس من أبوابها الخلفية قبل أن تقوده إلى مسارحها، وعرف القاهرة نجماً بعدما غادرها شاباً يصارع من أجل حقه في أن يصبح ممثلاً.
ثماني سنوات مرت على رحيله، وما زالت بعض الشخصيات التي قدمها تبدو وكأنها لم تغادر الشاشة.
وهذه، ربما، إحدى العلامات القليلة التي تفرق بين ممثل أدى أدواراً كثيرة... وفنان صنع ذاكرة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :