ايكون نيوز
تحذير من انفجار اجتماعي وشيك... والمؤشرات تنذر بكارثة وشيكة
لم يعد الأمر مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل بات لبنان يقف على حافة انفجار اجتماعي حقيقي، في ظل مؤشرات مرعبة تكشف أن البلاد تسير بخطى ثابتة نحو الهاوية. فبينما تتكاثر التحذيرات الدولية، وتتآكل عوامل الصمود واحدة تلو الأخرى، تبدو السلطة السياسية عاجزة عن استنباط أي حلول حقيقية، مكتفية بتحميل المواطن أعباء جديدة لا طاقة له بها.
أرقام تتحدث عن كارثة... 76% من الأسر على حافة الهشاشة
الأرقام ليست مجرد إحصاءات باردة، بل هي شهادات موت بطيء لطبقة وسطى تتفكك وعائلات تنهار تحت وطأة الفقر. تشير المعطيات إلى أن "76% من الأسر اللبنانية تعيش على حافة الهشاشة الاقتصادية أو تحتها"، بحيث تُصنف 50% منها كـ"أسر كفاف" بالكاد يغطي دخلها نفقاتها الأساسية، بينما تعيش 26% في حالة حاجة وعوز مطلق، معتمدة على المعونات والقروض لتأمين أبسط مقومات الحياة .
وفي هذا السياق، حذّرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا "الإسكوا" من "أخطر العواقب المباشرة" نتيجة التصعيد الأخير، مؤكدة أن **أكثر من 80% من اللبنانيين أصبحوا تحت خط الفقر**، فيما وصلت البطالة إلى مستويات قياسية بلغت نحو 46% .
الاحتياطي ينزف... والليرة تصمد على حساب المواطن
خلف ستار الاستقرار الظاهري لسعر الصرف، تخوض البلاد معركة وجودية لإنقاذ ما تبقى من احتياطي العملات الأجنبية. فقد انخفض الاحتياطي في مصرف لبنان بنحو 350 مليون دولار في نهاية مارس الماضي ليبلغ 11.53 مليار دولار، مقارنة بـ11.88 مليار دولار في نهاية فبراير . وتشير بيانات مصرف لبنان إلى أن الاحتياطيات تراجعت بنحو 408 ملايين دولار خلال نافذة زمنية واحدة استمرت 30 يوماً، لتصل إلى 11.43 مليار دولار بنهاية أبريل .
هذا النزف المتسارع للاحتياطي يأتي في وقت تتراجع فيه تحويلات المغتربين - التي كانت شريان حياة الكثير من العائلات - بنسبة تتراوح بين 10 و15% خلال فترة الحرب . ويرى المحللون أن استقرار سعر الصرف عند مستوى 89,500 ليرة أمام الدولار ليس نتيجة قوة اقتصادية، بل نتاج سياسات انكماشية استثنائية قيّدت الإنفاق وامتصّت السيولة، في عملية وصفها خبراء ماليون بأنها "رباط ضاغط اقتصادي" يخنق الاقتصاد المنتج ويحرم الأسر من الوصول إلى مدخراتها .
الكهرباء... حين يدفع المواطن ثمن الفشل مرتين
في مفارقة تكشف عمق أزمة الحوكمة في لبنان، تتجه الحكومة إلى فرض ضرائب على تركيب ألواح الطاقة الشمسية، بعدما لجأ إليها المواطنون هرباً من تقنين الكهرباء وارتفاع كلفة المولدات الخاصة. هذا الإجراء يضع البديل الذي اعتمده المواطن لتأمين الكهرباء تحت مقصلة الضرائب، في خطوة تحمل رسالة واضحة: حتى المبادرات الفردية للنجاة من العتمة لن تمر دون فاتورة.
وفي الوقت نفسه، تكشف الوثائق الرسمية أن مؤسسة كهرباء لبنان تواجه خسائر وتكاليف إضافية تتجاوز 410 ملايين دولار، نتيجة ارتفاع أسعار الوقود وأضرار الحرب وتراجع التحصيل . فالمؤسسة تبيع الكهرباء بأقل من كلفة إنتاجها، إذ تحصل على ما بين 19 و20 سنتاً للكيلوواط/ساعة، بينما تبلغ كلفة توليده نحو 26 سنتاً، أي عجز تشغيلي يتراوح بين 6 و7 سنتات لكل كيلوواط/ساعة .
والأخطر من ذلك، أن المؤسسة بدأت فعلياً بقطع الكهرباء عن مؤسسات الدولة والبلديات والمستشفيات الحكومية بسبب فواتير غير مدفوعة تبلغ نحو 258 مليون دولار، ولم يُحصّل منها سوى 26 مليون دولار فقط، أي حوالي 10% من الإجمالي .
موازنة 2027... مليار دولار إضافي من جيوب اللبنانيين
في مشهد يبدو وكأنه حلقة مفرغة من الجباية، يحمل مشروع موازنة 2027 رسالة واضحة: مزيد من الضرائب والرسوم على مواطن أنهكته الأزمات. فالحكومة تسعى إلى زيادة الإيرادات بنحو 990 مليون دولار مقارنة بموازنة 2026، لترتفع الإيرادات المقدرة إلى حوالي 7.3 مليارات دولار .
وتشكل الإيرادات الضريبية نحو 86% من إجمالي الإيرادات، فيما تبقى الضرائب غير المباشرة المصدر الأساسي، إذ تمثل نحو ثلاثة أرباع الإيرادات الضريبية، وهو ما يعني عملياً أن "العبء الضريبي ينتقل إلى المستهلك النهائي" عبر الرسوم المفروضة على السلع والخدمات والاستيراد .
ومن أبرز ما يتضمنه المشروع فرض رسم بيئي إضافي على عدد واسع من السلع المستوردة، تتراوح نسبته بين 1 و3%، ويشمل مواد البناء والأجهزة الكهربائية والسيارات وقطع الغيار والمعدات الطبية والملابس والأحذية . ورغم أن النسب تبدو منخفضة، إلا أن أثرها يتضاعف لأن معظم هذه السلع تدخل في عمليات إنتاج أو تصنيع أو إعادة إعمار، ما يؤدي إلى انتقال الزيادة تدريجياً إلى المستهلك النهائي.
الطبقة الوسطى تذوب... والعمال يئنون بصمت
لم يعد الفقر يقتصر على الفئات المهمشة، بل طال الطبقة الوسطى التي كانت تشكل حصناً للاستقرار الاجتماعي. ويشير تقرير صادر عن شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية إلى أن معدل التضخم لا يزال عند مستوى 17 إلى 18%، فيما يعيش نحو 44% من اللبنانيين تحت خط الفقر النقدي . وتؤكد المنظمات أن الطبقة الوسطى تتآكل بوتيرة مقلقة، والفجوة تتعمق بين أقلية صغيرة قادرة على حماية دخلها وأغلبية تعيش على رواتب ثابتة فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها .
وفي هذا السياق، يعيش نحو 1.4 مليون عامل وموظف في لبنان - بينهم 280 ألفاً في القطاع العام - تحت ضغوط هائلة تتجاوز قدرتهم على الاحتمال. وتشير أرقام الاتحاد العمالي العام إلى أن 70% من المؤسسات تأثرت بواقع الحرب، فعمدت إما إلى صرف عمالها أو تقليص الرواتب حتى النصف، فيما ارتفعت نسبة البطالة إلى ما بين 43 و45% .
الحرب... 25 مليار دولار من الخسائر المتراكمة
لم تعد كلفة الحرب مجرد أرقام نظرية، بل باتت واقعاً يثقل كاهل الاقتصاد اللبناني. وتشير تقديرات الخبراء إلى أن إجمالي الخسائر المتراكمة من الحربين يتجاوز 25 مليار دولار، مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الدمار المادي، بل أيضاً التداعيات الاقتصادية الممتدة .
ويُتوقع أن تتسبب الحرب الحالية في انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 7% و10% خلال عام 2026، مع أضرار اقتصادية مباشرة وغير مباشرة قد تصل إلى 20 مليار دولار . هذه الخسائر تأتي في وقت لا يزال فيه لبنان يحمل فاتورة الحرب السابقة، التي قدرت البنك الدولي أضرارها المادية بـ3.4 مليارات دولار وخسائر اقتصادية مباشرة بـ5.1 مليارات دولار .
بين الحلول الوهمية والانهيار الحقيقي
في مواجهة هذا الواقع الكارثي، يبدو أن الحكومة تكتفي بترقيع الجروح بينما ينزف الجسد كله. فبدلاً من معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، تكتفي السلطة بفرض ضرائب ورسوم جديدة على مواطنين لم يعد لديهم ما يقدمونه. وقد حاول وزير المالية ياسين جابر تهدئة المخاوف بالقول إنه "لن يكون هناك ضرائب جديدة على المواطن في الموازنة، لأننا أخذنا بعين الاعتبار ما يعيشه المواطن من أوضاع اقتصادية" . لكن الأرقام تقول شيئاً آخر، فزيادة الإيرادات بنحو مليار دولار لن تأتي من فراغ، بل من جيوب المواطنين الذين يئنون تحت وطأة الأعباء.
والسؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى يمكن للمواطن اللبناني أن يصمد؟ وإلى متى يمكن للسلطة أن تستمر في تحميله أعباء أزمات لم يصنعها؟ الإجابة تكمن في الشارع، حيث يترقب اللبنانيون بقلق مصيراً غامضاً، بين دولة تبحث عن موارد في جيوبهم، واقتصاد متهاوٍ لا يبشر بأي خروج قريب من النفق المظلم.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :