مراقبة الأداء الوظيفي بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي في الميزان
كشفت إحدى سلاسل مطاعم الوجبات السريعة في الولايات المتحدة النقاب مؤخرا عن تطبيق إلكتروني يعمل بالذكاء الاصطناعي من خلال جهاز إلكتروني مثبت في قبعة العاملين بالمطاعم، يمكنه أن يرصد الصراف الذي لا يشكر الزبائن بعد تسديد قيمة الوجبات أو العامل الذي لا يعتذر لهم في حالة عدم توافر أحد الأصناف.
ولا شك أن التقدم الذي تحقق في مجال الذكاء الاصطناعي وكاميرات المراقبة وأجهزة الاستشعار وبرمجيات الرصد بشكل عام قد أعطى أصحاب الأعمال قدرات غير مسبوقة على مراقبة الأداء الوظيفي للعاملين، حيث صار بمقدورهم الآن متابعة موقع العامل وطول مدة المكالمات الهاتفية وعدد النقرات التي يقوم بها الموظف على لوحة المفاتيح في كل دقيقة، بل ونبرة حديث البائع أثناء التعامل مع الزبائن في المتاجر.
وفي الوقت الذي تبحث فيه الشركات المختلفة عن سبل حديثة لمراقبة مستوى الأداء الوظيفي لموظفيها، يتبادر إلى الذهن السؤال بشأن مدى فعالية أنظمة مراقبة الموظفين وقدرتها على تحسين الأداء الوظيفي بشكل حقيقي.
ويقول كورنيليوس كونيش الباحث في مجال علم النفس بجامعة سارلاند الألمانية إن التقنيات التي تتيح للشركات متابعة أداء العمالة لديها تروق بشدة لإدارات الشركات، حيث يعتقد المديرون أن المراقبة الوثيقة تساهم في تقييم الموظفين المتفوقين وزيادة الفعالية وتحسين عوامل السلامة، ولكن التجربة العملية أثبتت أن مثل هذه الفوائد في حقيقة الأمر بعيدة المنال.
وأوضح في تصريحات للموقع الإلكتروني Knowable Magazine المتخصص في الأبحاث العلمية: "بشكل عام أرى أن المراقبة لن تجدي بالشكل الذي يفترضه أصحاب الأعمال،" أوردتها وكالة الأنباء الألمانية.
ورغم عدم وجود بيانات مؤكدة، من المتوقع أن يتجاوز حجم السوق العالمي لتقنيات مراقبة العمالة 4 مليار دولار في عام 2026، ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى الشركات الكبرى في أمريكا الشمالية.
ووجدت دراسة أجرتها صحيفة نيويورك تايمز الأميركية عام 2022 أن 8 من كل 10 شركات كبرى في الولايات المتحدة مثل أمازون ويونايتد هيلث جروب لخدمات الرعاية الصحية على سبيل المثال تراقب معدلات إنتاجية العمالة لديها على مدار الساعة.
ويرى مايكل مول الباحث في مجال قوانين العمل بجامعة كرونينغن الهولندية أن أي شركة أو مشروع يمكنها أن تدخل في مجال مراقبة العمالة، ويوضح أن موقع خدمات أمازون يبيع الآلاف من برمجيات مراقبة الموظفين علما بأن تشغيل أحد تطبيقات المراقبة في بيئة العمل أصبح بنفس سهولة تنزيل أغنية من أحد المواقع الإلكترونية، ولكن بدلاً من الاستماع إلى الأغنية، سوف يتلقى صاحب العمل مجموعة من البيانات بشأن سلوكيات كل موظف يعمل لديه طوال ساعات العمل.
ولكن كونيش يقول إن الشركات التي تأمل في تحسين الأداء الوظيفي من خلال تقنيات المراقبة تواجه عقبة رئيسية تتمثل في الطبيعة البشرية، ويعتقد أن الموظفين قد يتجاوبون في البداية من خلال تحسين أدائهم، ولكنهم في نهاية الأمر سوف يعودون إلى وتيرتهم الطبيعية في العمل، بمعنى أنهم "سوف يعتادون على النهج الجديد".
واستخلص كونيش سلسلة من الملاحظات من خلال استعراض تقرير متخصص في مجال علم النفس التنظيمي المعني بدراسة سلوكيات بيئة العمل أن هناك أدلة متزايدة على أنه حتى الكاميرات التي تثبت على الجسم ويرتديها رجال الشرطة أثناء مزاولة عملهم لا تساهم في حدوث أي تغيرات ملموسة في سلوكيات رجل الشرطة ولا الجمهور على المدى الطويل، بل وأنه حتى عندما يستجيب بعض العاملين في قطاعات معينة لمنظومات مراقبة الأداء، تحدث بعض العواقب غير المقصودة.
فقد كشفت دراسة أجريت عام 2020 أن تقنيات مراقبة سائقي الشاحنات تجعلهم يلتزمون بالساعات المقررة للقيادة على الأرجح، ولكنها تزيد من احتمالات وقوع حوادث الطرق.
ويقول دانيل رافيد الباحث في علم الإدارة بجامعة نيو مكسيكو إنه "لا توجد في الحقيقة أدلة كثيرة تثبت أن مجرد تفعيل تقنيات مراقبة العمالة في حد ذاته سوف يؤدي إلى زيادة الانتاجية أو تحسين الأداء".
وأجرى رافيد دراسة تحليلية عام 2022 شملت أكثر من 23 ألف موظف في بيئات عمل مختلفة، بما في ذلك موظفين في مراكز اتصال ومكاتب إدارية وكذلك رجال شرطة أثناء القيام بدوريات أمنية، ولم تجد هذه التجارب الميدانية أي علاقة بين درجات المراقبة ومستويات الأداء الوظيفي.
ويوضح أن السبب في ذلك هو أن بعض الموظفين يجدون وسائل للالتفاف حول تقنيات المراقبة، حيث قد تجد بعضهم ينقرون على لوحة المفاتيح بشكل دوري أثناء قراءة كتاب في وقت العمل على سبيل المثال، ويقول إن "البشر مبدعون للغاية وقادرون على التأقلم، ودائما ما يجدون طريقة للحفاظ على حريتهم إذا ما شعروا أنها محل تهديد أو قد تسلب منهم".
وبحسب موقع Knowable Magazine، اظهرت دراسة أجريت في كندا عام 2024 وشملت أكثر من 3500 موظف أن العامل الذي يخضع للمراقبة في بيئة العمل ينتابه شعور بالضغط والتوتر وعدم الاستقلالية أو الخصوصية أثناء أداء الوظيفة الموكلة إليه.
ومن جانبها، ترى كيرستي بول الباحثة في علوم الإدارة بجامعة سانت أندروز الاسكتلندية أنه في زمن "التحويل إلى البيانات"، ليس من المستغرب أن يتجه أرباب الأعمال والشركات للبحث عن مقاييس ومعايير جديدة لتقييم العاملين، وتقول إن "جمع البيانات بشكل منهجي حول الأشخاص وما الذي يفعلونه أصبح جزءا لا يتجزأ من الحداثة... فالمراقبة أصبحت وسيلة إنجاز العمل".
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي