إسقاط «فيتو الواحد».. هل تفقد إسرائيل حصانتها داخل أوروبا؟

إسقاط «فيتو الواحد».. هل تفقد إسرائيل حصانتها داخل أوروبا؟

د. رشا أبو حيدر

ليست إسرائيل وحدها أمام احتمال تغيّر المعادلة الأوروبية؛ فأوروبا نفسها أمام اختبار لقدرتها على أن تكون لاعباً دولياً، لا مجرد مساحة للخلافات بين عواصمها. فحين تستطيع دولة واحدة تعطيل قرار تتبنّاه غالبية أعضاء الاتحاد الأوروبي، لا تعود المشكلة في مضمون القرار، بل في قدرة الاتحاد على اتخاذه. ومن هنا عاد النقاش حول الانتقال من الإجماع إلى الأغلبية المؤهلة في بعض ملفات السياسة الخارجية.

قد يبدو الأمر تعديلاً تقنياً في قواعد التصويت، لكنه في الحقيقة يعيد تعريف معنى القوة داخل الاتحاد. ففي نظام الإجماع، تكمن القوة في القدرة على المنع؛ يكفي رفض دولة واحدة لتعطيل القرار. أما في نظام الأغلبية، فتنتقل القوة إلى الطرف القادر على بناء التحالف الذي يصنع القرار.

الأداة التي صُممت لحماية سيادة الدول ومصالحها يمكن أن تتحوّل، مع اتساع الاتحاد وتزايد الخلافات، إلى أداة للشلل. وهنا تواجه أوروبا مفارقة واضحة: تريد التخلص من قدرة الدولة الواحدة على تعطيل القرار، لكنها تحتاج إلى توافق الدول السبع والعشرين لتغيير القاعدة التي تمنح هذه القدرة.

وليس ملف إسرائيل هو الذي صنع هذه المشكلة، لكنه من أكثر الملفات التي تكشف نتائجها. فخلال السنوات الماضية، لم تكن إسرائيل بحاجة دائماً إلى أوروبا موحّدة خلفها؛ كان يكفيها، في بعض الملفات، أن تبقى أوروبا منقسمة. فالمواقف الأوروبية المنتقدة لسياساتها قد تصطدم بقدرة دولة أو أكثر على منع انتقالها إلى إجراءات جماعية، هنا يصبح «الفيتو» أكثر من أداة إجرائية؛ يصبح جزءاً من المعادلة السياسية.


فإذا أصبح القرار خاضعاً للأغلبية المؤهلة في المجالات التي تسمح بها المعاهدات، تستطيع الدولة المعترضة الاحتفاظ بموقفها، لكنها لا تملك بالضرورة القدرة نفسها على منع الآخرين من التحرك. وهذا ما قد يغيّر المعادلة الإسرائيلية داخل أوروبا. لن يكون السؤال: أي دولة ستستخدم الفيتو لحماية إسرائيل؟ بل: هل تستطيع إسرائيل وحلفاؤها منع تشكل الأغلبية؟تحليل سياسي عميق

ولا يعني ذلك أن الأغلبية المؤهلة ستجعل الاتحاد تلقائياً أكثر تشدّداً تجاه إسرائيل. فالمصالح الوطنية والاقتصادية والأمنية ستبقى مؤثرة، كما أن جميع ملفات السياسة الخارجية لا تخضع لقاعدة تصويت واحدة. لكن الإصلاح قد يغيّر شيئاً أكثر أهمية: قدرة الاعتراض على التحوّل إلى تعطيل.

وهنا تظهر القضية الفلسطينية بوضوح. فأوروبا ترفض الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتؤكد التزامها بحل الدولتين والقانون الدولي. لكن قيمة هذه المواقف لا تقاس فقط بما تقوله البيانات، بل بقدرة الاتحاد على استخدام أدواته السياسية والاقتصادية عندما تتعارض الممارسات على الأرض مع المبادئ التي يعلنها.

فما قيمة القول إن الاستيطان غير قانوني إذا كانت الخلافات الأوروبية تمنع اتخاذ إجراء جماعي؟ وما معنى التمسّك بالقانون الدولي إذا كان الانقسام قادراً على تحويل هذا الالتزام إلى موقف رمزي؟

لهذا فإن إصلاح آلية التصويت يتجاوز الحسابات الأوروبية الداخلية؛ إنه اختبار لصدقية أوروبا وقدرتها على التحوّل من قوة اقتصادية ودبلوماسية إلى قوة جيوسياسية قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه. لكن الإصلاح لا يخلو من المخاطر. فالدول الأصغر تخشى أن يتحول الانتقال إلى الأغلبية إلى وسيلة لفرض إرادة الدول الكبرى. لذلك لا ينبغي أن يكون البديل عن «فيتو الواحد» هو «هيمنة الأغلبية»، بل توازن يحمي مصالح الدول الصغيرة ويمنع في الوقت نفسه تحويل اعتراض دولة واحدة إلى حق دائم في شل الاتحاد.تاريخ الصراع الإسرائيلي

وقد يكون «الامتناع البنّاء» أحد المخارج: أن تقول الدولة «لا أشارك في القرار»، من دون أن تقول «لن أسمح للآخرين باتخاذه».

إذا نجحت أوروبا في الوصول إلى هذا التوازن، فلن تكون قد غيّرت طريقة التصويت فحسب، بل ستعيد توزيع النفوذ داخل الاتحاد: من قدرة على منع القرار إلى قدرة على صناعة الأغلبية. وهذا التحوّل سيتجاوز إسرائيل إلى أوكرانيا والعقوبات والأزمات الإقليمية والعلاقات مع القوى الكبرى. لكنه في الحالة الإسرائيلية يحمل دلالة خاصة، لأن إحدى أهم أدوات المناورة أمام أوروبا كانت تاريخياً الاستفادة من التباين بين دولها.

إسرائيل لا تحتاج إلى أوروبا موحّدة خلفها؛ يكفيها، في كثير من الأحيان، أن تبقى أوروبا منقسمة أمامها. فإذا نجحت الدول الأوروبية في إسقاط «فيتو الواحد»، فلن تكون إسرائيل قد خسرت حليفاً أوروبياً بعينه، بل قد تخسر شيئاً أكثر أهمية: قدرة حلفائها على تحويل الانقسام الأوروبي إلى حصانة سياسية.

وعندها لن يكون السؤال: من يؤيد إسرائيل في أوروبا؟

بل: من يستطيع منع أوروبا من اتخاذ قرار ضدها؟

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي