هند رجب تُسقط رواية الاحتلال... اعتراف متأخر يفتح التحقيق ويترك الجريمة بلا متهم

هند رجب تُسقط رواية الاحتلال... اعتراف متأخر يفتح التحقيق ويترك الجريمة بلا متهم

 

 

 

 

icon news

 

بعد أكثر من عامين ونصف على نفي وجود قواته في المكان، جيش العدو يعترف بإطلاق النار على سيارة العائلة وتنسيق مرور الإسعاف... لكن التحقيق يبدأ من «خلل التنسيق» لا من قتل طفلة ومسعفين

لم تحتج قضية الطفلة الفلسطينية هند رجب إلى دليل جديد كي يعرف العالم ما جرى داخل السيارة المثقوبة بالرصاص في حي تل الهوى. فقد كانت المكالمات المسجلة، وصوت هند المستغيث، وصور الأقمار الاصطناعية، وحطام سيارة الإسعاف، ومئات الثقوب في مركبة العائلة، تقدم منذ عام 2024 رواية متماسكة عن الجريمة.

الجديد هو أن جيش العدو الإسرائيلي، الذي نفى سابقاً وجود قواته بالقرب من الموقع، اضطر في 19 آب 2026 إلى الاعتراف بأن جنوده أطلقوا النار على السيارة، وأن تحرك سيارة الإسعاف التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني كان منسقاً لإجلاء الضحايا.

لكن الاعتراف، على أهميته، لم يقدم إجابات عن السؤال الأساسي: من قتل هند بعد بقائها حية لساعات بين جثامين أفراد عائلتها؟ ومن أصدر الأمر بإطلاق النار على سيارة الإسعاف التي وصلت لإنقاذها؟ ولماذا احتاج الاحتلال إلى أكثر من عامين ونصف ليقر بما أثبتته التحقيقات المستقلة منذ الأشهر الأولى؟

29 كانون الثاني... بداية الجريمة

في 29 كانون الثاني 2024، كانت هند رجب برفقة ستة من أفراد عائلتها داخل سيارة من طراز «كيا» في حي تل الهوى بمدينة غزة، في محاولة للابتعاد عن منطقة العمليات العسكرية.

وفق الرواية الجديدة التي نشرها جيش العدو نفسه، أطلقت قواته النار على السيارة أثناء اقترابها من موقع الجنود، بذريعة أنها كانت تتحرك خلافاً لتعليمات سابقة وجهها الاحتلال إلى سكان المنطقة.

أدى إطلاق النار الأول إلى مقتل خمسة ممن كانوا في السيارة، بينما بقيت هند وقريبتها ليان حمادة على قيد الحياة. وتمكنت ليان من الاتصال بالهلال الأحمر الفلسطيني وطلب النجدة، قبل أن يُسمع عبر الهاتف صوت إطلاق نار كثيف وينقطع صوتها.

عندما أعاد المسعفون الاتصال، أجابت هند وحدها. كانت محاصرة بين جثامين أفراد عائلتها، وتقول إن الدبابة ما زالت بالقرب منها. بقيت الطفلة على الهاتف مع طواقم الهلال الأحمر نحو ثلاث ساعات، ترجُوهم أن يأتوا لإنقاذها.

أرسل الهلال الأحمر سيارة إسعاف تقل المسعفين يوسف الزينو وأحمد المدهون، بعد انتظار الموافقة على تحركها والتنسيق بشأن المسار الذي ستسلكه. وعند وصولها إلى المنطقة انقطع الاتصال بالمسعفين وبالطفلة.

بقي مصيرهم مجهولاً اثني عشر يوماً. وبعد انسحاب قوات الاحتلال من المنطقة، عُثر على هند وأفراد عائلتها داخل السيارة، وعلى جثماني الزينو والمدهون داخل سيارة الإسعاف المدمرة على مسافة قريبة منها.

من النفي إلى الاعتراف

بعد اكتشاف الجثامين، زعم جيش العدو أن قواته لم تكن موجودة بالقرب من سيارة هند، وأنها لم تكن ضمن مدى إطلاق النار. وبنى على هذا الادعاء موقفاً آخر مفاده أن تحرك سيارة الإسعاف لم يكن يحتاج إلى تنسيق، لعدم وجود جنود إسرائيليين في المنطقة.

لكن البيان الجديد نسف الروايتين معاً.

فقد أقر الجيش بأن قواته هي التي أطلقت النار على مركبة العائلة، وأن خمسة من ركابها قُتلوا في الهجوم الأول. كما أقر بأن تحرك سيارة الهلال الأحمر لإنقاذ هند كان منسقاً، وهو ما ينقض الادعاء السابق بعدم وجود قوات إسرائيلية في المكان.

وقالت وكالة «رويترز» إن الجيش اعترف أيضاً بإطلاق قذيفة باتجاه سيارة الإسعاف. أما النص الرسمي المنشور على موقعه، فاستخدم صياغة أكثر مراوغة، إذ قال إنه «وفقاً للادعاءات المثارة» أُطلقت قذيفة على سيارة الإسعاف، ما أدى إلى مقتل المسعفين.

هذا الاختلاف في الصياغة مهم؛ لأن جيش العدو يعترف بوقائع أساسية، لكنه يحاول إبقاء المسؤولية المباشرة عن قصف الإسعاف في دائرة «الادعاء»، بانتظار نتائج تحقيق داخلي تتحكم المؤسسة العسكرية نفسها بمساره ومعلوماته. 

ماذا أثبتت التحقيقات المستقلة؟

لم يكن الاعتراف الإسرائيلي نتيجة اكتشاف مفاجئ، بل جاء بعد سلسلة تحقيقات صحافية وتقنية دحضت النفي الأول منذ عام 2024.

فقد أظهرت صور الأقمار الاصطناعية وجود آليات مدرعة إسرائيلية في حي تل الهوى يوم الحادثة. كما توصل تحقيق لصحيفة «واشنطن بوست» إلى أن حطام سيارة الإسعاف عُثر عليه على المسار الذي قدمته الجهة الإسرائيلية المسؤولة عن تنسيق حركة المركبات الطبية.

وأعاد فريق «فورنسيك أركيتكتشر» بناء مسرح الجريمة بالاستناد إلى التسجيلات الصوتية والصور والبيانات المكانية. وخلص إلى أن سيارة العائلة أصيبت بما يقدر بنحو 335 طلقة، يُرجح أنها أطلقت من رشاش مثبت على دبابة إسرائيلية كانت على مسافة قريبة.

وأشار التحقيق إلى أن موقع المركبة والمسافة الفاصلة عن مصدر النيران يجعلان من غير المقبول افتراض أن مطلق النار لم يكن قادراً على رؤية أن السيارة مدنية وأن أطفالاً موجودون داخلها.

كما خلص التحليل إلى أن الأضرار التي لحقت بسيارة الإسعاف تتناسب مع إصابتها بسلاح ثقيل، وأن دبابة إسرائيلية يُرجح أنها استهدفتها أثناء محاولة الطاقم الوصول إلى هند.

تحقيق في «التنسيق» لا في أصل الجريمة

أعلن جيش العدو إحالة القضية إلى وحدة التحقيقات الجنائية في الشرطة العسكرية. وقد يبدو القرار، للوهلة الأولى، خطوة باتجاه المحاسبة، لكن التدقيق في نص البيان يكشف أن التحقيق فُتح بسبب ما سماه «إخفاقات محتملة في تنسيق حركة سيارة إسعاف الهلال الأحمر».

هذه الصياغة تضيق نطاق القضية وتحولها من قتل طفلة وأسرتها ومسعفين إلى خطأ محتمل في تمرير المعلومات بين وحدات الجيش.

فالبيان لم يعلن فتح تحقيق صريح في قرار إطلاق النار على سيارة مدنية، ولم يحدد الوحدة العسكرية الموجودة في الموقع، ولم يكشف عدد الجنود المتورطين أو هوية الضباط الذين أصدروا الأوامر.

كما لم يوضح كيف ماتت هند وليان بعد نجاتهما من الهجوم الأول، ولا توقيت مقتلهما، ولا ما إذا أُطلق النار عليهما مرة أخرى بعد المكالمات الهاتفية.

ولم يجب الجيش عن سبب قصف سيارة إسعاف كان تحركها منسقاً، أو عن المعلومات التي وصلت إلى القوة الموجودة في المنطقة، أو عن السجلات والاتصالات العسكرية التي يفترض أن تكون محفوظة منذ يوم الجريمة.

هذه الأسئلة ليست تفاصيل ثانوية، بل هي جوهر تحديد المسؤولية الجنائية، بدءاً من مطلقي النار وصولاً إلى سلسلة القيادة التي أشرفت على العملية.

هل يحقق المتهم مع نفسه؟

تقول عائلة هند إنها لا تثق بالقضاء الإسرائيلي، وتطالب بتحقيق دولي مستقل. وقالت جدتها إن الأسرة تأمل أن تأتي العدالة من العالم ومن منظومة القضاء الدولي، لا من الدولة المتهمة بقتل الطفلة.

وتستند هذه الشكوك إلى سجل طويل من التحقيقات الداخلية التي تنتهي في معظم الأحيان إلى إغلاق الملفات أو الاكتفاء بإجراءات إدارية وتأديبية. ونقلت «رويترز» عن منظمة «يش دين» الحقوقية الإسرائيلية أن نسبة ضئيلة جداً من التحقيقات المتعلقة بقتل فلسطينيين تنتهي إلى توجيه لوائح اتهام. 

ويزداد الشك في جدية القرار بعدما أعلن جيش العدو، في اليوم نفسه، عدم فتح تحقيقات جنائية في ثلاث قضايا أخرى، بينها الغارات التي قتلت سبعة من موظفي منظمة «وورلد سنترال كيتشن» في نيسان 2024، ومقتل عاملين من منظمة «أطباء بلا حدود».

ورغم اعتراف الجيش بوقوع إخفاقات خطيرة في تلك العمليات، خلص إلى عدم وجود «اشتباه معقول بسلوك جنائي»، مكتفياً بإجراءات إدارية بحق بعض الضباط.

خمسة ملفات وقراران فقط

راجع جيش العدو خمسة ملفات بارزة تتعلق بقتل مدنيين ومسعفين وعمال إغاثة في غزة، وقرر فتح تحقيقين جنائيين فقط.

التحقيق الأول يتعلق بهند رجب وعائلتها والمسعفين يوسف الزينو وأحمد المدهون.

أما الثاني فيتناول قتل 15 فلسطينياً، بينهم مسعفون وعامل في الأمم المتحدة، في تل السلطان بمدينة رفح في 23 آذار 2025.

وفي تلك الحادثة، اعترف الجيش بأن قواته أطلقت النار على سيارات إسعاف وإطفاء ومركبة تابعة للأمم المتحدة، قبل أن تسحق الآليات بالجرافات وتغطي الجثامين بشبك معدني داخل موقع دفن جماعي.

وكان الاحتلال قد ادعى في البداية أن مركبات الإنقاذ اقتربت بسرعة ومن دون تشغيل أضوائها، قبل أن يظهر تسجيل مصور أن السيارات كانت تتحرك ببطء، وأن أضواء الطوارئ كانت تعمل وشعارات الإسعاف ظاهرة.

هذا التراجع المتكرر، من النفي إلى تقديم رواية ثم تعديلها بعد ظهور الأدلة، يمنح قضية هند رجب بعداً يتجاوز الجريمة الفردية، ويطرح تساؤلات عن وجود نمط مؤسسي في التعامل مع الضحايا والتحقيقات.

البعد القانوني

يمنح القانون الدولي الإنساني المدنيين والأطفال حماية واضحة، كما يوفر حماية خاصة للطواقم الطبية وسيارات الإسعاف أثناء النزاعات المسلحة.

ولا تفقد سيارة مدنية حمايتها لمجرد تحركها في اتجاه معين، ما لم تكن هناك معلومات مؤكدة تثبت استخدامها في عمل عسكري. كما لا يكفي الاشتباه العام أو وجود المركبة داخل منطقة عمليات لتبرير إطلاق مئات الطلقات عليها.

وفي تموز 2024، قال خبراء مستقلون تابعون للأمم المتحدة إن قتل هند وعائلتها والمسعفين قد يرقى إلى جريمة حرب، وطالبوا بتحقيق فوري وشفاف ومحاسبة المسؤولين وفقاً للقانون الدولي. 

ولكي يكون التحقيق الحالي ذا صدقية، يجب ألا يقتصر على تحديد وجود خلل في التنسيق، بل أن يبحث في قانونية قرار إطلاق النار، والتمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية، واستهداف الطواقم الطبية، ومسؤولية القادة الذين خططوا للعملية أو سمحوا باستمرارها.

صوت هند سبق الاعتراف

أصبحت هند رجب رمزاً عالمياً لأطفال غزة، لا بسبب الأرقام وحدها، بل لأن صوتها بقي شاهداً حياً على الساعات الأخيرة من عمرها.

ذلك الصوت انتقل إلى السينما عبر فيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، وحصد تكريماً في مهرجان البندقية ووصل إلى سباق الأوسكار. لكن القيمة الحقيقية للتسجيل لم تكن فنية فقط؛ فقد منع تحويل هند إلى رقم مجهول، وحفظ لحظات الاستغاثة التي حاولت الرواية العسكرية إنكار سياقها.

لم تكن هند تسأل عن السياسة ولا عن موازين القوى. كانت طفلة وحيدة وسط جثامين عائلتها، تطلب من شخص بالغ أن يأتي ويأخذها بعيداً عن الدبابة.

الخلاصة

اعتراف جيش العدو بإطلاق النار على سيارة هند ليس نهاية القضية، بل سقوط رسمي للرواية التي نُفيت بها الجريمة طوال أكثر من عامين ونصف.

لكن فتح تحقيق داخلي تحت عنوان «إخفاقات التنسيق» لا يكفي لتحقيق العدالة. فالعدالة تبدأ بتحديد من أطلق النار، ومن أعطى الأمر، ومن عرف بوجود طفلة حية داخل السيارة، ومن سمح بقصف سيارة إسعاف منسقة ومعلّمة بوضوح.

هند رجب لا تحتاج إلى لجنة جديدة تثبت أنها كانت في السيارة؛ التسجيلات والصور والحطام والاعتراف الأخير أثبتت ذلك. ما تحتاجه هو محكمة مستقلة تضع اسماً أمام كل قرار وطلقة وقذيفة.

لقد انتصر صوت هند على الإنكار، لكن العدالة لن تنتصر إلا عندما يتحول الاعتراف من بيان عسكري محسوب الكلمات إلى محاسبة حقيقية لا يحقق فيها المتهم مع نفسه.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي