اتصال رفيع المستوى بين مدير الموساد ووزير الخارجية السوري سبق القصف بأربعة أيام... وأنقرة تنفي الرواية الإسرائيلية من دون أن تكشف حقيقة خططها العسكرية
لم يكن قصف قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال غربي سوريا غارة عسكرية منفصلة عن سياقها، ولا مجرد استهداف جديد لمنشأة سورية. فما تكشف خلال الساعات الماضية وضع العملية في إطار أخطر بكثير: اتصال مباشر سبق القصف بين مدير جهاز الموساد رومان غوفمان ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، تركز على الوجود العسكري التركي وتسليح الجيش السوري.
وبين اتصال جرى في 14 آب وغارات نُفذت في 18 منه، ظهرت صورة مختلفة للمشهد السوري الجديد؛ دمشق تتواصل مباشرة مع أعلى المستويات الأمنية لدى العدو الإسرائيلي، أنقرة توسع حضورها العسكري والسياسي داخل سوريا، وتل أبيب تحاول فرض حدود على هذا الحضور بالقوة، بينما تكتفي واشنطن بإدارة التصادم ومنع تحوله إلى مواجهة مفتوحة.
الاتصال الذي سبق القصف
كشفت وكالة «رويترز»، نقلاً عن ثلاثة مصادر مطلعة، أن مدير الموساد رومان غوفمان أجرى اتصالاً هاتفياً بوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في 14 آب، أي قبل أربعة أيام من قصف قاعدة أبو الظهور.
ويُعد الاتصال من أرفع قنوات التواصل المعروفة حتى الآن بين العدو الإسرائيلي والإدارة السورية برئاسة أحمد الشرع. وبحسب المصادر، لم يكن الحديث عاماً أو بروتوكولياً، بل تركز على طبيعة الدعم العسكري الذي تقدمه تركيا إلى سوريا، بما يشمل الأسلحة والطائرات المسيّرة وتدريب الجيش السوري واحتمالات زيادة الوجود العسكري التركي.
ولم يصدر عن مكتب رئيس حكومة العدو، الذي يتولى الرد على الاستفسارات المتعلقة بالموساد، ولا عن مكتب الشيباني، تأكيد رسمي مباشر لتفاصيل الاتصال. لذلك تبقى المعلومات منسوبة إلى المصادر الثلاثة التي تحدثت إليها الوكالة، وإن كان الشيباني قد أقر في مقابلة منفصلة بأن اتصالات جرت مع الجانب الإسرائيلي قبل القصف.
ثماني غارات بعد التحذير
فجر 18 آب، نفذ العدو الإسرائيلي ثماني غارات على قاعدة أبو الظهور، استهدفت مدرج الطيران ومنشآت التخزين، وفق ما نقلته وسائل إعلام سورية عن مصدر عسكري. ولم تسجل خسائر بشرية، لكن الضربات ألحقت أضراراً بالمنشأة وأوقفت عملياً أعمال تأهيل أجزاء منها.
وتقع القاعدة في محافظة إدلب، على مقربة من أرياف حلب وحماة، ما يمنحها أهمية لوجستية وعسكرية تتجاوز كونها مطاراً قديماً. فالسيطرة التشغيلية عليها يمكن أن تتيح استخدامها للتدريب ونقل المعدات وتشغيل المسيّرات ومراقبة مساحات واسعة من شمال سوريا ووسطها.
الأكثر دلالة أن وفداً تركياً كان قد زار القاعدة قبل الغارات بساعات، وفق مسؤولين سوريين تحدثا إلى وكالة «أسوشيتد برس». وقال المسؤولان إن الوفد تفقد أعمال إعادة التأهيل الجارية، في أول تأكيد لوجود اهتمام تركي مباشر بالمنشأة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اتخاذ قرار بنشر قوات تركية فيها.
روايتان متناقضتان
ادعى مكتب بنيامين نتنياهو أن دمشق كانت على وشك خرق «وضع أمني قائم ومتفق عليه»، من خلال السماح لقوات تركية بالتمركز في القاعدة، وأن التحذيرات الإسرائيلية المتكررة لم تلق استجابة.
وذهب نتنياهو إلى التهديد علناً بأن العدو الإسرائيلي «لن يتسامح» مع إقامة عسكرية تركية في سوريا، معتبراً أن القصف كان وسيلة لإيصال رسالة لم تسمعها أنقرة، بحسب تعبيره.
في المقابل، قال الشيباني إن دمشق أبلغت الجانب الإسرائيلي بعدم وجود خطط لإقامة قاعدة تركية في أبو الظهور، وإن المنشأة ستبقى تحت السيطرة السورية. ووصف القصف بأنه غير مبرر، مؤكداً أن حكومته لا تزال تسعى إلى اتفاق لخفض التصعيد.
أما الرئاسة التركية فرفضت ما وصفته بـ«الادعاءات التي لا يمكن الدفاع عنها»، واتهمت نتنياهو بمحاولة تبرير غارات غير مشروعة تنتهك سيادة سوريا ووحدة أراضيها.
لكن البيان التركي، على أهميته، لم يقدم نفياً صريحاً لاحتمال نشر قوات أو تجهيزات تركية في قواعد سورية مستقبلاً. وأكد بدلاً من ذلك أن أنقرة ستواصل تعاونها المشروع مع الحكومة السورية في مجالات الأمن والاستقرار وإعادة بناء المؤسسات. وهذا الغموض لا يثبت الرواية الإسرائيلية، لكنه يشير إلى أن تركيا لا تريد منح تل أبيب حق الاعتراض على طبيعة تعاونها العسكري مع دمشق.
المواجهة تتجاوز قاعدة عسكرية
الصراع الفعلي لا يدور حول مدرج أبو الظهور وحده، بل حول هوية القوة التي ستملأ الفراغ العسكري والسياسي في سوريا الجديدة.
ترى أنقرة أن دمشق تمثل امتداداً طبيعياً لمجالها الأمني، وأن دعم الجيش السوري وتدريبه وإعادة بناء مؤسسات الدولة يثبتان نفوذها الإقليمي ويحميان حدودها الجنوبية. كما تعتبر أن وجودها يتم بالتنسيق مع حكومة سورية معترف بها، وليس من خلال فرض أمر واقع خارج إرادتها.
في المقابل، يريد العدو الإسرائيلي سوريا ضعيفة عسكرياً، محدودة التسليح، ومنزوعة القدرة على تشكيل جبهة إقليمية متماسكة. وهو لا يعترض فقط على نوع السلاح الموجود فيها، بل يسعى إلى امتلاك حق الاعتراض على هوية الدولة التي تدرب الجيش السوري أو تزوده بالمسيّرات أو تؤهل قواعده الجوية.
بهذا المعنى، يريد نتنياهو تحويل التفوق الجوي الإسرائيلي إلى «حق نقض» دائم على القرارات الدفاعية السورية، حتى لو صدرت عن حكومة دمشق نفسها.
لكن تركيا ليست قوة يمكن التعامل معها بالطريقة ذاتها التي تعامل بها العدو الإسرائيلي مع مجموعات أو تشكيلات داخل سوريا. فهي دولة إقليمية كبرى وعضو في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف. ولذلك يتجنب الطرفان حتى الآن الاصطدام المباشر، مع استخدام الأراضي السورية لتبادل الرسائل ورسم الخطوط الحمراء.
دمشق بين الاتصال والسيادة
يكشف الاتصال بين غوفمان والشيباني أن دمشق الجديدة اختارت فتح قناة مباشرة مع العدو، على أمل خفض الغارات والوصول إلى ترتيب أمني يعيد الهدوء إلى الجبهة الجنوبية.
لكن ما حدث في أبو الظهور يكشف حدود هذا الرهان. فوجود قناة اتصال لم يمنع القصف، بل قد تكون القناة قد استُخدمت لإبلاغ دمشق بالاعتراضات الإسرائيلية، ثم أعقبها العمل العسكري عندما لم تحصل تل أبيب على الإجابات التي تريدها.
وهنا تكمن المفارقة: دمشق تحاول استخدام الدبلوماسية لحماية سيادتها، بينما يتعامل العدو الإسرائيلي مع الاتصال باعتباره وسيلة لفرض الشروط والتحذيرات، لا باعتباره اعترافاً بحق سوريا في اتخاذ قراراتها الدفاعية.
أما الحديث الإسرائيلي عن «وضع أمني متفق عليه»، فما زال محاطاً بالغموض. فلا يوجد حتى الآن نص معلن لاتفاق يمنح تل أبيب حق تحديد أماكن انتشار القوات التركية داخل سوريا أو منع دمشق من التعاون العسكري مع دولة أخرى.
واشنطن تدير التصادم ولا تمنعه
جاء الموقف الأميركي لافتاً على لسان المبعوث الخاص إلى سوريا والعراق والسفير لدى تركيا توم باراك، الذي وصف الغارات بأنها «تصعيد غير ضروري لا يخدم الاستقرار الإقليمي».
وكشف باراك أن واشنطن تعمل على إنشاء آلية لمنع الاشتباك بين تركيا وسوريا والعدو الإسرائيلي، إضافة إلى قناة لتبادل المعلومات والحوار بين الأطراف.
لكن هذه الآلية، إذا أُنجزت، لن تعالج أصل المشكلة المتعلق بالاعتداءات على السيادة السورية، بل ستنظم حركة القوى الموجودة على الأرض وتمنع تحول تنافسها إلى مواجهة مباشرة. أي إن واشنطن تسعى إلى إدارة الصراع أكثر من سعيها إلى إنهائه.
الدلالة اللبنانية
ما جرى في أبو الظهور لا ينفصل عن لبنان. فالعدو الإسرائيلي يحاول تكريس قاعدة إقليمية جديدة مفادها أن بوسعه تحديد ما يعتبره تهديداً، ثم استخدام القوة لمنع حدوثه، من دون انتظار اتفاق دولي أو قرار من مجلس الأمن.
الرواية ذاتها يمكن استخدامها في الجنوب اللبناني: الادعاء بوجود تهديد محتمل، توجيه تحذيرات، ثم تنفيذ ضربات بذريعة الحفاظ على «وضع أمني» ترسم تل أبيب حدوده من طرف واحد.
كما أن اكتفاء واشنطن بإنشاء آليات لمنع التصادم، من دون إلزام العدو بوقف اعتداءاته، يشكل إنذاراً إضافياً للسلطة اللبنانية من مغبة الرهان على الضمانات الدبلوماسية وحدها. فالضمان الذي لا يمتلك آلية إلزام يبقى وسيلة لإدارة الوقت، بينما يستمر الاحتلال والقصف وفرض الوقائع الميدانية.
السيناريوهات المقبلة
المسار الأول يتمثل في نجاح واشنطن في إقامة آلية لمنع الاشتباك، مع استمرار التعاون العسكري التركي السوري بعيداً عن القواعد التي يضعها العدو تحت المراقبة. وهذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى القريب.
المسار الثاني هو استمرار الغارات إذا عادت أعمال تأهيل أبو الظهور أو رصد العدو وصول مسيّرات أو أنظمة دفاع جوي تركية. وعندها قد تتوسع الضربات إلى منشآت أخرى، من دون استهداف مباشر للجنود الأتراك.
المسار الثالث، وهو الأخطر، يبدأ بسقوط قتلى أتراك في إحدى الغارات أو باستهداف موقع توجد فيه قوات تركية، ما قد يفرض على أنقرة رداً عسكرياً أو سياسياً لا يمكن ضبط تداعياته بسهولة.
أما الوصول إلى اتفاق أمني شامل بين دمشق وتل أبيب، فقد أصبح أكثر تعقيداً. فالقصف أثبت للحكومة السورية أن تقديم التطمينات لا يضمن وقف الاعتداءات، وأن أي اتفاق لا يتضمن انسحاباً واضحاً وضمانات ملزمة قد يتحول إلى أداة جديدة لتقييد السيادة السورية.
الرسالة التي أراد العدو الإسرائيلي إرسالها من خلال قصف أبو الظهور لم تكن موجهة إلى دمشق وحدها، بل إلى أنقرة أيضاً: تل أبيب تريد أن تكون صاحبة الكلمة في رسم الخريطة العسكرية لسوريا.
لكن القصف كشف في المقابل أن النفوذ التركي وصل إلى مستوى بات يقلق المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وأن سوريا تحولت إلى نقطة احتكاك بين مشروعين إقليميين متعارضين.
وبين الهاتف الذي جمع مدير الموساد بوزير الخارجية السوري والطائرات التي قصفت القاعدة بعد أربعة أيام، ظهرت الحقيقة الأهم: الاتصالات قد تمنع الانفجار الكبير مؤقتاً، لكنها لم تمنع العدو من استخدام القوة لفرض الشروط التي عجز عن انتزاعها عبر الكلام.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :