ICON NEWS
لم يكن قرار القضاء اللبناني تسليم اللواء السوري السابق عادل عيسى إلى دمشق مجرد إجراء قضائي يتعلق بضابط مطلوب في بلاده، بل سابقة قد تؤسس لمرحلة جديدة من العلاقة بين لبنان وسوريا، وتفتح الباب أمام عشرات الملفات التي تجمع بين اتهامات الحرب وحسابات السياسة ومخاطر الانتقام.
عيسى هو أول مسؤول عسكري بارز من حقبة الرئيس السابق بشار الأسد يقرر لبنان تسليمه إلى السلطات السورية منذ سقوط النظام أواخر عام 2024. لكن أهمية القضية لا تتوقف عند شخصه أو رتبته، بل تتصل بالمعيار الذي سيعتمده لبنان مستقبلاً: هل يصبح ملزماً بتسليم كل مطلوب تطلبه دمشق، أم أن كل ملف يجب أن يخضع لتدقيق قضائي مستقل وضمانات تمنع التعذيب والمحاكمات الانتقامية؟
القرار ومسار التسليم
قرر النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج تسليم عادل عيسى إلى السلطات السورية لمحاكمته بالجرائم المنسوبة إليه، بعدما اعتبر القضاء اللبناني أن شروط التسليم مستوفاة قانونياً وقضائياً.
وكلف الحاج قسم المباحث الجنائية المركزية نقل عيسى من نظارة قصر العدل في بيروت إلى المديرية العامة للأمن العام، تمهيداً لنقله إلى الحدود وتسليمه إلى لجنة أمنية سورية على الجانب الآخر.
واستند القرار إلى اتفاقية التعاون القضائي اللبنانية ـ السورية الموقعة عام 1951، والتي تنظم ملاحقة المطلوبين وتسليم الأشخاص المتهمين أو المحكومين بجرائم تقع ضمن اختصاص الدولة التي تطلب استردادهم.
وكان عيسى قد دخل لبنان بصورة غير شرعية بعد سقوط النظام السوري، وأقام فيه أشهراً، قبل أن يتوجه مطلع آب إلى السفارة السورية في بيروت لإنجاز معاملة. وهناك تبين أنه مطلوب بموجب مذكرة توقيف غيابية صادرة عن القضاء السوري، فأُبلغ القضاء اللبناني الذي تسلمه وأخضعه للتحقيق.
من هو عادل عيسى؟
يبلغ عيسى 67 عاماً، وسبق أن تولى قيادة الفرقة السابعة عشرة في الجيش السوري خلال عهد الأسد. وتتهمه السلطات السورية بجرائم قتل وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بفترة خدمته العسكرية.
وتحدثت تقارير صحافية عن اتهامات تشمل ارتكاب مجازر وعمليات قتل وتعذيب طالت مدنيين، إضافة إلى قمع تظاهرات وإحالة موقوفين إلى سجن صيدنايا، حيث اختفى بعضهم.
لكن هذه الوقائع تبقى اتهامات واردة في الملف السوري وإفادات منسوبة إلى عائلات ضحايا، ولم تثبت بعد بموجب حكم قضائي نهائي. ومن واجب أي تغطية مهنية التمييز بين خطورة الاتهامات وثبوتها، لأن مبدأ البراءة يبقى قائماً إلى أن تصدر محكمة مختصة حكماً مبنياً على الأدلة.
وخلال استجوابه في بيروت، نفى عيسى ارتكاب الجرائم المنسوبة إليه، وقال إنه كان يؤازر جهاز المخابرات في بعض المهمات الأمنية. كما قالت عائلته إنه غادر سوريا بعد مداهمة منزله من مجموعة مسلحة.
ولا يحسم هذا النفي المسؤولية، تماماً كما لا تكفي المذكرة السورية وحدها لإثبات الإدانة. الفيصل هو محاكمة عادلة وعلنية، يتمكن خلالها المتهم من الاطلاع على الأدلة والدفاع عن نفسه، ويتمكن الضحايا بدورهم من تقديم شهاداتهم والمطالبة بحقوقهم.
سابقة أولى بعد سقوط النظام
يمثل تسليم عيسى أول اختبار فعلي لمسألة المسؤولين السوريين السابقين الموجودين في لبنان. فبعد سقوط الأسد، انتقل عدد من الضباط والمسؤولين وعناصر الأجهزة الأمنية إلى الأراضي اللبنانية، ولا يزال بعضهم يقيم فيها بعيداً عن الأضواء.
وإذا ثبت وجود مسؤولين متورطين بجرائم قتل أو تعذيب أو اختفاء قسري، فلا يجوز تحويل لبنان إلى ملاذ للإفلات من العقاب. لكن ذلك لا يعني أيضاً أن يتحول لبنان إلى مركز تسليم تلقائي لأي اسم تطلبه السلطة السورية الجديدة.
فالعدالة لا تقوم على هوية الطرف المنتصر أو الخاسر، بل على ملف قضائي مكتمل وأدلة قابلة للفحص، ومحكمة مستقلة، وحق الدفاع، وضمان عدم تعرض المطلوب للتعذيب أو التصفية أو المحاكمة السياسية.
ولذلك ستتحول قضية عيسى إلى مرجع تستند إليه دمشق في أي طلبات لاحقة، وقد يجد لبنان نفسه أمام لوائح طويلة من ضباط وموظفين ومسؤولين سابقين، إلى جانب معارضين أو ناشطين قد توجه إليهم السلطات السورية اتهامات جنائية.
اتفاق 1951 ليس شيكاً على بياض
توفر الاتفاقية القضائية الموقعة عام 1951 الإطار القانوني للتعاون بين بيروت ودمشق، لكنها لا تعني أن لبنان ملزم بتنفيذ كل طلب استرداد بصورة آلية.
فالتسليم يستوجب أن تكون الأفعال المنسوبة إلى المطلوب جرائم يعاقب عليها قانون الدولتين، وأن يكون الطلب مدعوماً بملف قضائي، وأن تقع الجرائم ضمن اختصاص الدولة الطالبة.
لكن وجود الاتفاقية لا يلغي التزامات لبنان الدستورية والدولية، ولا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب. وتنص المادة الثالثة منها على عدم جواز طرد أي شخص أو إعادته أو تسليمه إلى دولة توجد أسباب جدية للاعتقاد بأنه سيكون معرضاً فيها للتعذيب.
وهذا الحظر لا يرتبط ببراءة الشخص أو إدانته. حتى المتهم بجرائم خطرة يحتفظ بحقه في عدم التعرض للتعذيب، وبالحصول على محاكمة عادلة وعقوبة قانونية لا انتقامية.
لذلك كان يفترض أن يقترن قرار التسليم بضمانات سورية مكتوبة، تشمل عدم تعريض عيسى للتعذيب، وعدم إخضاعه للاختفاء القسري أو الاحتجاز السري، وتمكينه من التواصل مع محاميه وعائلته، وإجراء محاكمة علنية، والسماح بمتابعة وضعه بعد التسليم.
ولم يُعلن حتى الآن ما إذا حصل لبنان على ضمانات من هذا النوع، أو ما إذا كان القرار قد عالج احتمال الحكم عليه بالإعدام.
العدالة السورية الجديدة تحت الاختبار
اتخذت السلطات السورية الانتقالية خطوات أولية لمحاسبة مسؤولين عن جرائم الحقبة السابقة، فأنشأت هيئة للعدالة الانتقالية وأخرى للمفقودين، وبدأت في نيسان 2026 أول محاكمة داخلية لمسؤول سوري سابق رفيع هو عاطف نجيب.
لكن منظمة «هيومن رايتس ووتش» سجلت ملاحظات جوهرية على مسار العدالة الانتقالية. فالهيئة السورية تنظر في انتهاكات النظام السابق، لكنها لا تشمل بوضوح الجرائم التي ارتكبتها بقية أطراف الحرب، بما فيها التنظيمات المسلحة والقوات والفصائل التي أصبحت لاحقاً جزءاً من السلطة الجديدة.
كما أن القانون السوري لا يتضمن حتى الآن تعريفات متكاملة لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ولا يقر بصورة واضحة بمسؤولية القادة عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوهم، فضلاً عن استمرار وجود عقوبة الإعدام.
وسجلت المنظمة كذلك مخاوف تتعلق باستقلال القضاء، في ظل الصلاحيات الواسعة التي يملكها الرئيس الانتقالي في التعيينات القضائية والتشريعية.
لا تعني هذه الملاحظات استحالة إجراء محاكمة عادلة في سوريا، لكنها تعني أن مجرد وعد السلطات السورية بالمحاكمة لا يكفي وحده. وعلى لبنان، بصفته الدولة التي نفذت التسليم، أن يتأكد من الضمانات ويتابع تنفيذها.
بين محاسبة المسؤولين وعدالة المنتصر
من حق السوريين الذين تعرضوا للقتل والتعذيب والاعتقال والاختفاء أن يعرفوا الحقيقة، وأن يروا المسؤولين عن الجرائم أمام القضاء. ولا يمكن بناء سوريا جديدة على طي الملفات أو حماية المتهمين لمجرد أنهم أصبحوا خارج البلاد.
لكن العدالة الانتقالية لا تكون جدية إذا اقتصرت على محاكمة طرف واحد، بينما تُستبعد جرائم الأطراف الأخرى أو تُمنح الحصانة لمن أصبح جزءاً من السلطة الجديدة.
فالعدالة التي تلاحق ضباط النظام السابق يجب أن تحقق أيضاً في المجازر والتجاوزات التي ارتكبتها جماعات وفصائل أخرى، وأن تنصف ضحايا الساحل والسويداء وشمال شرقي سوريا، كما تنصف ضحايا السجون والقصف والتعذيب في عهد الأسد.
أما تحويل المحاكم إلى أداة لمعاقبة المهزومين وتبرئة المنتصرين، فلن ينتج مصالحة وطنية، بل سيؤسس لجولة جديدة من الثأر والخوف والانقسام.
ماذا عن المعارضين السوريين في لبنان؟
هنا تكمن الخطورة الأساسية للسابقة. فإذا أصبح مجرد صدور مذكرة سورية كافياً للتسليم، فقد تطلب دمشق لاحقاً استرداد معارضين أو ناشطين أو عسكريين منشقين بعد توجيه اتهامات جنائية إليهم.
وعندها لن يكون السؤال متعلقاً بعادل عيسى، بل بقدرة القضاء اللبناني على التمييز بين المطلوب بجرائم قتل وتعذيب مدعومة بأدلة، وبين ملاحقة سياسية أُلبست لبوساً جنائياً.
المعيار يجب أن يكون واحداً: لا حماية لمتهم بجرائم ضد الإنسانية، ولا تسليم لمعارض سياسي مهدد بالانتقام. وفي الحالتين يجب أن يكون القرار قضائياً، مستقلاً، معللاً، وقابلاً للمراجعة.
ولا يجوز أن تتحول السفارة السورية أو الأجهزة الأمنية في البلدين إلى بوابة لاحتجاز أشخاص ونقلهم عبر الحدود بعيداً عن الضمانات والإجراءات القضائية.
لبنان بين التعاون والسيادة
لا يستطيع لبنان تجاهل طلبات قضائية مدعمة بملفات جدية، خصوصاً عندما تتعلق بجرائم ارتُكبت على الأراضي السورية بحق مواطنين سوريين. كما لا يستطيع أن يوفر الحماية لأي شخص يثبت تورطه في مجازر أو تعذيب أو اختفاء قسري.
لكنه في المقابل لا يستطيع اختصار دوره بتسليم المطلوبين عند الحدود. فلبنان دولة صاحبة سيادة وقضاء، وليس امتداداً للأجهزة الأمنية السورية، سواء كانت تابعة للنظام السابق أو للسلطة الجديدة.
ويجب أن تترافق أي عملية تسليم مع نشر الأساس القانوني للقرار، وطبيعة الاتهامات، والضمانات التي قدمتها الدولة الطالبة، وحق المطلوب في الاعتراض والاستعانة بمحامٍ، وآلية متابعة وضعه بعد التسليم.
كما أن العلاقة القضائية بين البلدين لا يجوز أن تبقى باتجاه واحد. فإلى جانب المطلوبين السوريين، توجد ملفات لبنانية لم تُغلق، في مقدمها مصير اللبنانيين المفقودين والمعتقلين سابقاً في سوريا، وترسيم الحدود، والأملاك والوثائق والملفات الأمنية التي ما زالت عالقة منذ عقود.
الخلاصة
تسليم عادل عيسى قد يكون خطوة في طريق محاسبة مسؤول متهم بجرائم خطرة، لكنه قد يتحول أيضاً إلى سابقة خطيرة إذا لم يُحط بضمانات واضحة وشفافة.
المطلوب ليس حماية عيسى من القضاء، بل حمايته من الانتقام، وحماية حقوق الضحايا من أن تتحول قضيتهم إلى محاكمة سياسية تفتقر إلى المعايير القانونية.
على لبنان أن يثبت أنه لا يحمي الإفلات من العقاب، لكنه في الوقت نفسه لا يسلّم أشخاصاً على الثقة أو تحت الضغط السياسي. فالقضية ليست في فتح الحدود أمام المطلوبين، بل في فتح الطريق أمام العدالة.
والعدالة الحقيقية لا تُبنى بتسليم الخصوم إلى المنتصر، بل بتسليم المتهم إلى محكمة مستقلة، تحاكمه على الأدلة، وتحفظ حق الضحايا، ولا تستبدل جريمة الأمس بانتقام اليوم.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :