خاص ICONNEWS
"للأسف، في جنوب لبنان، في جنوب بلدنا، في جنوب الـ10452 كيلومتراً مربعاً، كل يوم هو 4 أغسطس." بهذه الكلمات، لم تكتفِ الممثلة ريتا حايك بإحياء ذكرى انفجار مرفأ بيروت، بل حوّلت التاريخ من محطة سنوية إلى استعارة لحالة وطنية مستمرة. والفكرة التي طرحتها تستحق التوقف عندها: ماذا يعني أن يتحوّل تاريخ واحد، محدد بيوم وشهر، إلى وصف دائم لواقع جغرافيا بأكملها؟
من الحدث إلى الحالة
الرابع من آب ليس مجرد تاريخ في التقويم اللبناني، بل صار رمزاً لثلاثية متكررة في الوجدان الجماعي: الانفجار المفاجئ، غياب المحاسبة، واستمرار الألم من دون أفق واضح للعدالة. حين تُسقط حايك هذا الرمز على الجنوب اللبناني، فهي تشير إلى نمط متكرر لا إلى حادثة معزولة: الجنوب، مثل بيروت في ذلك اليوم، يعيش دورة مستمرة من الخسارة والانتظار غير المكتمل.
هذا الربط ليس عاطفياً فقط، بل يحمل قراءة سياسية-اجتماعية دقيقة. فالمساحة التي ذكرتها حايك، 10452 كيلومتراً مربعاً، هي مساحة لبنان بأكمله وفق التعريف الرسمي المعتمد تاريخياً، لا الجنوب وحده. وهذا التوسيع في الخطاب - من الجنوب إلى لبنان كله - يحمل رسالة مفادها أن معاناة جزء من الوطن هي معاناة للوطن بأكمله، وأن الفصل الجغرافي بين "الجنوب المتضرر" و"باقي لبنان الآمن" وهم أكثر منه واقعاً.
الفنان كصوت لا كمتفرج
ما يستحق الملاحظة أيضاً هو موقع حايك نفسها من هذا الخطاب. فهي، بحسب ما تناقلته وسائل إعلامية، لا تنحدر من الجنوب جغرافياً، لكنها اختارت أن تتموضع صوتياً إلى جانبه. هذا يعكس ظاهرة أوسع في المشهد الفني اللبناني اليوم: تحوّل عدد من الفنانين من موقع الحياد التقليدي - حيث يُنظر إلى الفن كمساحة بعيدة عن السياسة - إلى موقع المسؤولية الصريحة، حيث يصبح الحضور الجماهيري منبراً لموقف واضح.
هذا التحول ليس بلا كلفة. فالفنان الذي يتخذ موقفاً معلناً يعرّض نفسه لانقسام الجمهور، ولتصنيفه سياسياً بطريقة قد لا تعكس كامل موقفه. لكنه في المقابل يكتسب مصداقية من نوع مختلف، مصداقية من يرفض دور المتفرج في لحظة وطنية حرجة.
العبارة الأخطر في تصريح حايك، من وجهة نظر تحليلية، ليست وصف الألم بل الإشارة إلى تكراره اليومي. حين يتحول الاستثناء - الانفجار، الفقدان، غياب العدالة - إلى قاعدة يومية، ينشأ خطر حقيقي: التطبيع مع حالة استثنائية بحيث تفقد المجتمعات قدرتها على الغضب أو المطالبة بالتغيير. حين يصبح "4 آب" حالة دائمة بدل تاريخ سنوي، فإن ذلك يعكس ليس فقط عمق الجرح، بل أيضاً استمرار غياب آليات المعالجة والمحاسبة التي كان يفترض أن تحوّل الذكرى إلى فصل مطوي لا إلى حاضر متكرر.
في كلماتها القليلة، لخّصت ريتا حايك معضلة لبنانية أعمق من حادثة واحدة أو منطقة واحدة: كيف يعيش بلد بأكمله في حالة انتظار دائم للعدالة، حتى تتشابه كل أيامه بيوم واحد لم يُغلق ملفه بعد. وربما يكمن التحدي الحقيقي، كما توحي عبارتها، في كسر هذا التكرار - لا بنسيان 4 آب، بل بجعله فعلاً استثناءً لا يتكرر، بدل أن يتحول إلى وصف دائم لحال الجنوب والوطن.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :