بيروت – ICON NEWS
في كل مرة ينخفض فيها سعر النفط عالمياً، ينتظر اللبنانيون انفراجاً يخفف عنهم أعباء المعيشة، لكن الواقع يأتي معاكساً. فالأسعار في محطات الوقود تبقى مرتفعة أو تنخفض ببطء، فيما تقفز سريعاً مع أي ارتفاع عالمي، ما يطرح سؤالاً يتردد في كل بيت لبناني: من يحدد فعلياً سعر صفيحة البنزين؟ وهل السوق خاضعة لقواعد المنافسة أم لمنطق الاحتكار؟
لم تعد قضية المحروقات مجرد ملف اقتصادي، بل تحولت إلى قضية أمن اجتماعي تمس النقل، والإنتاج، والصناعة، والزراعة، وكلفة الغذاء والدواء، وصولاً إلى حياة المواطنين اليومية.
يرتبط تسعير المحروقات في لبنان نظرياً بعدة عوامل، أبرزها أسعار النفط العالمية، وسعر صرف الدولار، وكلفة الشحن والتأمين، والرسوم والضرائب، وهوامش أرباح الشركات والمحطات.
لكن خبراء اقتصاديين يؤكدون أن المشكلة لا تكمن فقط في هذه العناصر، بل في غياب المنافسة الفعلية وضعف الرقابة، ما يسمح بظهور فروقات سعرية لا يلمسها المستهلك لمصلحته، بينما يدفع الثمن كاملاً عند أي ارتفاع عالمي.
قطاع المحروقات يُعد من أكبر القطاعات المالية في لبنان، إذ تدور فيه مئات ملايين الدولارات شهرياً، ومع ذلك لا يزال السؤال مطروحاً:
هل الرقابة كافية؟
هل يتم التدقيق في الكميات المستوردة؟
هل تُراجع هوامش الأرباح بصورة دورية؟
وهل المنافسة حقيقية أم أن السوق محصورة بعدد محدود من اللاعبين؟
هذه الأسئلة تتكرر منذ سنوات، من دون أن تحصل على أجوبة شافية تعيد ثقة المواطنين.
كل زيادة على أسعار المحروقات لا تتوقف عند محطة الوقود، بل تنتقل مباشرة إلى أجرة النقل، وأسعار السلع، وكلفة الإنتاج، وفواتير الخدمات، لتصبح كرة ثلج تضرب القدرة الشرائية للمواطن الذي لم تعد مداخيله تواكب هذا الارتفاع المتواصل.
وبينما ترتفع الأسعار بسرعة، تبقى الرواتب على حالها، ما يجعل أي تعديل في جدول المحروقات حدثاً يومياً ينعكس على الاقتصاد بأكمله.
في الأوساط السياسية والاقتصادية، تتزايد الدعوات إلى وضع ملف المحروقات في صدارة الأولويات الوطنية، عبر خطة إصلاح شاملة تقوم على:
تعزيز الشفافية في آلية التسعير.
تفعيل الرقابة على الشركات والمحطات.
مكافحة أي ممارسات احتكارية أو تلاعب بالأسعار.
حماية المستهلك عبر رقابة ميدانية فعالة.
نشر البيانات المتعلقة بالتسعير بصورة واضحة ودورية.
كما تتجه الأنظار إلى رئاسة الجمهورية، وسط آمال بأن يحظى هذا الملف بمتابعة مباشرة ضمن رؤية إصلاحية أوسع تعيد الثقة إلى الأسواق، وتعزز دور الدولة في حماية المواطنين، باعتبار أن استقرار سوق المحروقات ينعكس مباشرة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
لا يحتاج اللبنانيون إلى حلول مؤقتة أو بيانات تطمينية، بل إلى إصلاح بنيوي يعيد تنظيم القطاع ويضمن الشفافية والمحاسبة. فكلما غابت الرقابة الفاعلة، ازدادت الشكوك، واتسعت الفجوة بين الأسعار العالمية وما يدفعه المواطن على أرض الواقع.
قد تكون المحروقات اليوم أكثر من مجرد سلعة؛ إنها اختبار حقيقي لقدرة الدولة على فرض القانون في أحد أكثر القطاعات حساسية وتأثيراً على حياة اللبنانيين.
فإذا نجحت الدولة في إرساء قواعد الشفافية والمنافسة والمحاسبة في هذا القطاع، فإنها ترسل رسالة واضحة بأن زمن الأسواق الخارجة عن الرقابة يقترب من نهايته. أما إذا بقي الملف أسير التجاذبات والمصالح، فسيظل المواطن هو من يدفع الفاتورة الأكبر، مهما تبدلت أسعار النفط في العالم.
ICON NEWS
الحقيقة مسؤولية في زمن الشائعات
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :