بين مشروع الدولة وذاكرة الحرب: من يملك حق المزايدة على الحريري؟

بين مشروع الدولة وذاكرة الحرب: من يملك حق المزايدة على الحريري؟

 

Telegram

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز 

في كل استحقاق انتخابي تعود الحملات الإلكترونية لتتصدر المشهد، لكن ما يجري اليوم يتجاوز حدود المنافسة السياسية الطبيعية. تقود حسابات محسوبة على القوات اللبنانية هجومًا مركزًا على سعد الحريري وتيار المستقبل، عبر ترويج شائعات عن مذكرات توقيف وإقامات جبرية خارجية، في محاولة واضحة لإعادة وضعه في دائرة الارتياب العربي والضغط عليه لإنهاء حضوره السياسي قبل أي استحقاق مقبل.

 

غير أن المعركة، في جوهرها، ليست مجرد سجال إعلامي، بل صراع بين مشروعين وذاكرتين.

 

مدرسة الرئيس الشهيد: بناء الدولة لا بناء المتاريس

 

حين يُذكر اسم رفيق الحريري، يُستعاد مشروع إعادة بناء لبنان بعد الحرب. الرجل الذي أطلق أكبر ورشة إعمار في تاريخ الجمهورية الحديثة، وراهن على التعليم كرافعة وطنية، خرّج عبر مؤسساته ومنحه أكثر من أربعين ألف طالب من أرقى الجامعات في لبنان والعالم.

 

هذه المدرسة لم تُبنَ على خطوط تماس، بل على جامعات ومستشفيات وبنية تحتية ومؤسسات. لم تكن ميليشيا، ولم تمتلك جناحًا عسكريًا، بل قدّمت نموذجًا سياسيًا قائمًا على الاقتصاد والانفتاح والعلاقات العربية والدولية.

 

مدرسة رفيق الحريري هي التي حاولت ترميم دولة خرجت من حرب أهلية مدمّرة، حرب كان من أبرز قادتها العسكريين آنذاك سمير جعجع، في مرحلة انهارت فيها المؤسسات وتفكك الجيش وتحولت المناطق إلى كانتونات مسلحة.

 

الفارق هنا ليس شخصيًا بل بنيويًا:

مشروع يُخرج طلابًا إلى العالم، أم مشروع وُلد في زمن المتاريس؟

 

حكم القضاء وذاكرة الاغتيال

 

في سجل الحرب اللبنانية محطة لا يمكن القفز فوقها: اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رشيد كرامي عام 1987. وقد أدان المجلس العدلي  عام 1999 سمير جعجع في القضية وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد، قبل أن يُفرج عنه عام 2005 بموجب قانون عفو سياسي بعد تحولات كبرى شهدها لبنان.

 

هذه وقائع قضائية موثقة في سجلات الدولة اللبنانية.

ومن المفارقات أن من صدر بحقه حكم قضائي نهائي في جريمة اغتيال رئيس حكومة، عاد إلى العمل السياسي بفعل التسويات التي أعقبت عام 2005، في مناخ سياسي كان فيه تيار المستقبل أحد أعمدته.

 

ولو لم تتبدل الموازين الداخلية والإقليمية آنذاك، لبقي الحكم القضائي ساريًا حتى اليوم.

 

لماذا الآن؟

 

تقرأ أوساط سياسية هذا الهجوم الإلكتروني في سياق محاولة قطع الطريق على أي عودة محتملة للحريري إلى الحياة السياسية، أو على الأقل منع إعادة تجميع شارعه. فالمعركة ليست على تغريدة أو شائعة، بل على زعامة وتمثيل.

 

لكن الزعامات في لبنان لا تُنتزع عبر حملات تشويه، بل عبر امتداد اجتماعي وبيئة حاضنة. ومحاولة تحريض الخارج على زعيم داخلي ليست لعبة بلا كلفة، بل سيف ذو حدين قد يرتد على مطلقيه.

 

الاختلاف السياسي مشروع، والنقد حق ديمقراطي، لكن المزايدة الأخلاقية تصبح إشكالية حين تصدر عن أطراف ارتبط تاريخها بسنوات الحرب والانقسام.

 

اللبنانيون قد يختلفون حول أداء الحريري السياسي، لكنهم يعرفون أن مدرسته لم تكن يومًا ميليشيا، ولم يُسجّل في تاريخها اقتتال داخلي أو حكم قضائي في اغتيال سياسي.

في لبنان، التسويات تُخرج المساجين من الزنازين، لكنها لا تُخرج الأحكام من ذاكرة الناس.

قد تنجح الحملات الإلكترونية في إثارة الضجيج، لكن التاريخ يبقى أهدأ وأقسى في آن.

وفي لحظة الاختبار، يعود السؤال ليهمس: من يشبه فكرة الدولة أكثر… من بنى جامعة، أم من خرج من رحم الحرب؟

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram