Icon News
د. رشا أبو حيدر
يفترض أن يكون كأس العالم مناسبة تجمع شعوب الأرض تحت راية المنافسة الرياضية، لا ساحة جديدة للصراعات السياسية. لكن مع تصاعد الحديث عن إمكانية استخدام الولايات المتحدة لسلطتها في منح التأشيرات أو الإقامة تجاه بعض البعثات المشاركة في كأس العالم 2026، عاد السؤال القديم إلى الواجهة: هل تستطيع السياسة أن تقتحم الملاعب وتفرض شروطها على الرياضة العالمية؟
هذا السؤال لا يتعلق فقط ببطولة كرة قدم، بل يمسّ جوهر العلاقة بين السيادة الوطنية والقانون الدولي والمواثيق الرياضية التي قامت عليها فكرة المنافسات العالمية منذ عقود.
فعندما توافق دولة على استضافة بطولة بحجم كأس العالم، فإنها لا تستضيف مجرد مباريات، بل تستضيف العالم بأكمله. ولهذا تلتزم الدولة المضيفة أمام الهيئات الرياضية الدولية بتأمين مشاركة المنتخبات والوفود الرسمية والإعلام والجماهير، بعيداً عن التمييز السياسي أو العرقي أو الديني.
وتقوم فلسفة الرياضة أساساً على فكرة الحياد، أي أن تبقى الملاعب مساحة لقاء بين الشعوب حتى في أكثر اللحظات السياسية توتراً. فالجماهير لا ترى في المنتخبات مجرد حكومات، بل أوطاناً وثقافات وشعوباً تبحث عن لحظة فرح مشتركة تتجاوز الخلافات.
لكن في المقابل، تتمسّك الدول بحقها السيادي في التحكّم بحدودها ومنح التأشيرات، وهو حق ثابت في القانون الدولي. ومن هنا يظهر التناقض المعقّد: كيف يمكن لدولة أن تجمع بين التزاماتها كدولة مستضيفة لحدث عالمي وبين حقها في فرض القيود السياسية والأمنية؟
صحيح أن القانون الدولي لا يجبر أي دولة على فتح حدودها بشكل مطلق، إلّا أن استضافة البطولات الكبرى تفرض التزامات تعاقدية وأخلاقية تجعل أي قرار منع أو تضييق موضع انتقاد عالمي واسع، خصوصاً إذا بدا مرتبطاً بالخلافات السياسية أكثر من ارتباطه بمخاطر أمنية حقيقية.
وقد شهد التاريخ نماذج عديدة لتداخل السياسة بالرياضة، من المقاطعات الأولمبية المتبادلة خلال الحرب الباردة إلى العقوبات الرياضية ومنع بعض الوفود من المشاركة. لكن تلك التجارب أثبتت أن الرياضة كانت دائماً أول الخاسرين عندما تتحوّل الملاعب إلى امتداد للصراعات الدولية.
فالرياضة لم تُخلق لتكون أداة حصار أو وسيلة ضغط سياسي، بل لتبقى واحدة من المساحات القليلة التي تستطيع فيها الشعوب الالتقاء رغم كل الانقسامات.
كما أن تسييس البطولات الدولية يهدّد صورة الدول المستضيفة نفسها، لأن قوة الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض المنع، بل أيضاً بقدرتها على الفصل بين الخصومة السياسية وحق الشعوب في المشاركة والتفاعل الإنساني والثقافي والرياضي.
إن العالم الذي يشاهد كأس العالم لا ينتظر استعراضاً للقوة السياسية، بل ينتظر لحظة تجمع البشر حول لعبة واحدة ولغة واحدة ومشاعر واحدة.
وعندما تتحوّل التأشيرة إلى أداة صراع، تخسر الرياضة معناها الأجمل: أن تجمع الشعوب تحت راية المنافسة، لا تحت ظلال الانقسام.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :