كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
وادي التيم بين الحكمة والعاصفة: الموحدون الدروز في حاصبيا وخيار الدولة
منذ قرون، شكّل وادي التيم، الممتد بين سفوح جبل الشيخ وسهول الحاصباني، مساحة تفاعل حضاري وروحي كان للموحدين الدروز فيه حضور مؤسس. في حاصبيا، كما في سائر قرى وادي التيم، تكرّست تقاليد العيش المشترك، وتداخلت العائلات والمقامات الروحية مع ذاكرة وطنية صاغتها التحولات الكبرى في تاريخ لبنان الحديث. لم يكن هذا الوجود مجرد حضور عددي، بل دوراً اجتماعياً وسياسياً اتسم بالحكمة والقدرة على التكيّف مع المتغيرات.
اليوم، تمر حاصبيا في مرحلة مفصلية من تاريخ لبنان، في ظل صراعات محلية وإقليمية تتقاطع على حدوده الجنوبية وداخل نسيجه الداخلي. التوترات الإقليمية، والأزمة الاقتصادية الخانقة، وتراجع مؤسسات الدولة، كلها عوامل تضع أبناء المنطقة أمام أسئلة مصيرية تتعلق بالأمن والانتماء والمستقبل.
في هذا السياق، يؤكد أحد مشايخ خلوات البياضة أن “الموحدين الدروز أهل الحكمة”، وأن هذه المرحلة بالذات تحتاج إلى أعلى درجات التعقّل وضبط النفس. فبحسب الشيخ، لم تكن الحكمة يوماً شعاراً نظرياً في تراث الموحدين، بل ممارسة يومية في إدارة الأزمات، وتغليب منطق الدولة على منطق المحاور.
ويشدد الشيخ على أن خيار الموحدين الدروز هو الدولة، باعتبارها المظلّة الوحيدة القادرة على حماية جميع المواطنين بلا استثناء. فالدولة، رغم ضعفها الحالي، تبقى الإطار الشرعي الذي يصون الحقوق ويمنع الانزلاق إلى الفوضى أو الارتهان للخارج. من هنا، يرفض أبناء الطائفة الانجرار إلى اصطفافات سياسية حادة، إذ بنوا عبر عقود شبكة علاقات قائمة على المواطنة الصالحة، تجمعهم مع محيطهم حياة مشتركة يسودها الاحترام وروح المحبة والسكينة.
لكن المشهد لا يخلو من التحديات. فعلى حدّ تعبير الشيخ، “على كتفنا يركن الإرهاب، وعلى حدودنا يقف العدو الإسرائيلي، وأهلنا الشيعة تعرضوا وما زالوا لاعتداءات العدو الغاشم”. هذا الواقع المركّب يضع وادي التيم في قلب معادلة أمنية حساسة، حيث تتقاطع المخاطر الحدودية مع الهواجس الداخلية.
أمام هذا المشهد، يعلن الموحدون الدروز بوضوح رفضهم لكل الخيارات الخارجية: لا خيار إسرائيلي، ولا ارتهان لتطرف سنّي، ولا انخراط في مشروع إيراني.
كما يؤكد أبناء الطائفة أن الدروز لن يكونوا جزءًا من أي مشروع سياسي أو انتخابي ما دامت الاصطفافات الخارجية تتحكم بمساره وتوجهاته، فهم لا يرون لأنفسهم مكانًا في معادلات تُدار من خارج الحدود، بل يتموضعون إلى جانب أي فريق يرتفع لديه منسوب العمل الجاد لبناء دولة قادرة وعادلة، تحتضن جميع أبناء الوطن بلا تمييز، وتصون سيادتهم وكرامتهم في آنٍ معًا.
ويزيد من تعقيد الصورة الوضع الاقتصادي المتردي. فحاصبيا، كسائر المناطق اللبنانية، تعاني من تراجع حاد في فرص العمل والإنتاج، وارتفاع معدلات الفقر، ما يثقل كاهل العائلات ويهدد الاستقرار الاجتماعي. في ظل هذه الأزمة، يصبح الأمن الاجتماعي جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني، وتتحول المطالبة بالدولة إلى مطلب معيشي بقدر ما هو سياسي.
في الخلاصة، تبدو حاصبيا اليوم مرآة دقيقة للبنان بأسره: منطقة على تماس مع الأخطار، لكنها متمسكة بخيار الاعتدال والحكمة. والموحدون الدروز في وادي التيم، بتاريخهم وتجربتهم، يراهنون على الدولة لا على المحاور، وعلى العيش المشترك لا على الانقسام. وبين ضغوط الجغرافيا وتعقيدات السياسة، يبقى الرهان على أن تنتصر الحكمة، كما كانت دائماً، على العاصفة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :