بين التمديد والسيادة: من يحكم فعلاً؟

بين التمديد والسيادة: من يحكم فعلاً؟

 

Telegram

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز 

في كل مرة يقترب فيها الاستحقاق الانتخابي في لبنان، يُرفع شعار “الانتخابات في موعدها استحقاق دستوري لا مساومة عليه”. تتسابق القوى السياسية إلى تأكيد حرصها على الدستور، وتُطمئن جمهورها بأن لا تمديد ولا التفاف على إرادة الناس. لكن، ما إن يلوح في الأفق قرار خارجي واضح المعالم حتى يتبدّل المشهد: تصمت الاعتراضات، تُبتلع الخطابات، ويُمرَّر التمديد وكأنّه تفصيل إداري لا يمسّ جوهر النظام.

 

التمديد للمجلس النيابي ليس إجراءً تقنياً. هو في جوهره مسّ مباشر بمبدأ تداول السلطة، وبحق اللبنانيين في محاسبة ممثليهم أو تجديد الثقة بهم. وعندما يأتي القرار تحت ضغط أو “نصيحة” من سفيرٍ بات يُلقّب في الكواليس بـ“سفير الكل”، ثم يُقابل بصمتٍ شامل، فالمشكلة لم تعد في النص الدستوري، بل في ميزان القرار السيادي نفسه.

 

الأخطر من التمديد، هو طريقة التعاطي معه. فبدل أن تتمسك الحكومة بموقعها كحامية للدستور، وتصرّ على إجراء الانتخابات في موعدها، بدا وكأنها اعتبرت التمديد أمراً واقعاً “صار وراءنا”، وانتقلت سريعاً إلى البحث في تعديل وزاري وتحسين تموضع سياسي، كأنّ شيئاً لم يكن. هكذا تُختصر السيادة من مسألة مبدئية إلى بند في جدول أعمال.

 

المفارقة أنّ جميع المعنيين كانوا يعلنون، حتى الأمس القريب، أنّ الانتخابات خط أحمر. فأين ذهبت تلك الخطوط؟ وأين السيادة التي تُستحضر في البيانات وتغيب عند أول اختبار فعلي؟ إذا كان القرار السياسي في لحظة مفصلية كهذه يُتخذ خارج المؤسسات، ثم يُسوَّق داخلياً كأمر لا جدال فيه، فبأي معنى نتحدث عن استقلالية القرار الوطني؟

 

المقارنة التاريخية تفرض نفسها. في زمن الوجود السوري، كان اسم غازي كنعان يُذكر صراحة بوصفه المرجعية الفعلية للقرار اللبناني. يومها، كان المشهد واضحاً: قرار خارجي يُنفَّذ داخلياً. اليوم، الصورة أكثر التباساً لكنها لا تقل وضوحاً في جوهرها. الفارق أنّ الوصاية لم تعد تُعلن نفسها، بل تتخفّى خلف عناوين الاستقرار أو المصلحة العامة، فيما الطبقة السياسية تمارس طقوس الإنكار الجماعي.

 

التمديد ليس مجرد مخالفة تقنية، بل اختبار لإرادة الحكم. ومن يصرّ في خطابه على التمسك بالدستور، ثم يبقى شريكاً في حكومة تقبل بالتمديد كأمر واقع، يقع في تناقض صارخ. فالانسجام بين القول والفعل هو الحدّ الأدنى من الصدقية السياسية. ومن يعتبر أنّ الدستور فوق كل اعتبار، عليه أن يترجم موقفه بالفعل السياسي الواضح، ولو كان ثمنه الانسحاب من السلطة. أما البقاء في الحكومة مع الاكتفاء بتسجيل اعتراض لفظي، فليس سوى مساهمة ضمنية في تكريس الأمر الواقع.

 

إنّ السيادة لا تُقاس بعدد البيانات، بل بلحظات الامتحان. والكرامة الوطنية لا تكون شعاراً موسمياً يُستدعى عند الحاجة، ثم يُعلّق على شماعة “الظروف”. التمديد، في هذه اللحظة، ليس حدثاً عابراً، بل علامة فارقة ستُسجَّل في التاريخ: إمّا كدليل على قدرة الدولة على حماية استحقاقاتها، أو كشاهد إضافي على انتقال القرار من المؤسسات إلى الكواليس.

 

لا يتغيّر السياسيون اللبنانيون… يتغيّر فقط اتجاه الريح. يهلّلون للقادم ويطبلون للراحل، وتبقى المزايدات سيدة الموقف. بالأمس كان الخارج خصماً يتهمونه باغتصاب السيادة، واليوم، إذا لاح في الأفق تفاهم بين المملكة العربية السعودية وإيران، تراهم يستقبلونه بالمعلّقات وخطابات الإشادة، وتُعاد صياغة القاموس السياسي على قياس المرحلة.

 

تختفي مفردات “الهيمنة” و“الوصاية” فجأة، وتُستبدل بلغة “الواقعية” و“التوازنات الإقليمية”. كأنّ السيادة ليست مبدأً ثابتاً، بل بنداً تفاوضياً يُفعَّل أو يُجمَّد بحسب اتجاه التسويات. في الكواليس، يعرف الجميع أنّ القرار ليس دائماً محلّياً خالصاً، لكن في العلن تستمر مسرحية الشعارات.

 

هنا تكمن المعضلة: حين يصبح التكيّف مع الخارج فضيلة، وتُختصر الوطنية بقدرة السياسي على التموضع تحت سقف التفاهمات الإقليمية، يفقد الدستور معناه، وتتحوّل الدولة إلى مساحة انتظار… تنتظر كلمة السرّ.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram