قضت المحكمة العليا الأمريكية، بـ«عدم قانونية» الرسوم الجمركية الطارئة الشاملة، التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في قرار يُعدّ أكبر انتكاسة قانونية له منذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025، ما يفتح الباب أمام معارك قضائية جديدة بشأن بدائل الرسوم وإمكانية إعادة مليارات الدولارات، التي جُمعت بموجبها.
وفي قرارها بأغلبية 6 من قضاة المحكمة العليا الأمريكية مقابل 3، رأت المحكمة أن ترامب لا يمكنه استخدام قانون عام 1977، المعروف باسم قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية IEEPA، لفرض ضرائب على الواردات من نحو كل دول العالم.
الباب مفتوح أمام الشركات
وترك الحكم غير المسبوق، الباب مفتوحاً أمام احتمال حصول المستهلكين والشركات على استرداد للأموال، التي جُمعت من هذه الرسوم، والتي تُقدَّر بنحو 130 مليار دولار، وهي مسألة لم تفصل فيها المحكمة العليا، ومن المرجح أن تكون محل نزاع قضائي جديد.
ووصف ترامب قرار المحكمة بأنه «مخيب للآمال للغاية» وأنه يشعر بـ«الخزي الشديد» من بعض أعضاء المحكمة، فيما وقّع إعلاناً رئاسياً استند فيه إلى قانون بديل، هو المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، ما يتيح له فرض تعرفة مؤقتة جديدة بنسبة 10% على السلع القادمة من جميع الدول.
ورأت المحكمة العليا الأمريكية في قرارها، أن ترمب تجاوز صلاحياته وكان عليه الحصول على موافقة الكونجرس قبل فرض الرسوم الجمركية، التي أعلنها في ما سمّاه «يوم التحرير» في أبريل من العام الماضي.
وشملت الرسوم، التي فُرضت بنسب متفاوتة، عشرات الدول من سوريا وليسوتو إلى بريطانيا والصين وكندا والمكسيك واليابان ودول الاتحاد الأوروبي.
رئيس المحكمة العليا يرد
وكتب رئيس المحكمة العليا الأمريكية، جون روبرتس، في رأي الأغلبية: «يدّعي الرئيس الأمريكي سلطة استثنائية لفرض رسوم جمركية من جانب واحد دون حدود من حيث القيمة أو المدة أو النطاق»، مضيفاً أن ترامب «يجب أن يحدد تفويضاً واضحاً من الكونجرس لممارسة هذه السلطة».
وأشار روبرتس، إلى أن قانون الصلاحيات الاقتصادية «لا يتضمن أي إشارة إلى الرسوم الجمركية أو الضرائب»، مؤكداً أنه لم يسبق لأي رئيس أن استخدم هذا القانون لفرض مثل هذه الرسوم.
واستندت أغلبية قضاة المحكمة العليا الأمريكية، إلى مبدأ دستوري جوهري يقضي بأن سلطة فرض الضرائب والرسوم الجمركية تعود إلى الكونجرس.
وأكدت أن أي تفويض رئاسي في هذا المجال يجب أن يكون واضحاً ومحدداً في نص القانون، وبما أن قانون IEEPA لا يذكر الرسوم الجمركية صراحة، فإن تفسيره على أنه يمنح الرئيس سلطة فرض تعريفات عالمية غير محدودة يُعد توسعاً غير مبرر في السلطة التنفيذية.
الرئيس الأمريكي سيواصل «نهجه التجاري»
وتشير عدد من التقديرات إلى أن الرئيس الأمريكي سيواصل «نهجه التجاري»، فبعد ساعات من صدور الحكم، عقد ترامب مؤتمرا صحفيا تعهد فيه بالإبقاء على الرسوم باستخدام قانون مختلف عن قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية IEEPA.
وأعلن ترامب فرض تعريفة عالمية جديدة بنسبة 10%، مؤكداً أن إدارته ستجري تحقيقات إضافية بشأن ممارسات تجارية «غير عادلة» استناداً إلى قانون التجارة لعام 1974، وقال إن قرار المحكمة قيّد صلاحياته فقط بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة، لكنه لا يمنعه من استخدام «أدوات أخرى».
وقال ترامب: «لدينا وسائل أخرى كثيرة»، وأضاف أن قرار المحكمة جعل صلاحيات الرئيس في تنظيم التجارة «أوضح وأقوى».
وأقر ترامب بأن الإجراءات ستكون «أكثر تعقيدا» وستستغرق وقتاً أطول، لكنه شدد على أن الرسوم «لن تتوقف»، وعند سؤاله عن تأثير الحكم على الاتفاقات التجارية القائمة، قال إن بعضها سيبقى قائماً بينما قد يُستبدل بعضها الآخر برسوم جديدة.
استخدام مواد من قانون التجارة
من جانبه، قال وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، إن الإدارة ستستخدم مواد من قانون التجارة لعام 1974 لفرض الرسوم الجديدة، متوقعاً أن تبقى عائدات الرسوم في عام 2026 «دون تغيير يُذكر».
ولا تزال أمام الإدارة أدوات قانونية بديلة، مثل المادة 232 المتعلقة بالأمن القومي، أو المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974 التي تسمح بفرض رسوم مؤقتة لفترة محدودة، إضافة إلى المادة 301 الخاصة بالممارسات التجارية غير العادلة.
غير أن هذه المسارات تتطلب إجراءات وتحقيقات رسمية، ما يجعلها أبطأ وأقل شمولاً من الصلاحيات التي حاولت الإدارة استخدامها عبر قانون الطوارئ.
اقتصادياً، يخلق القرار حالة من عدم اليقين للشركات والمستوردين بشأن مستقبل الرسوم وسلاسل الإمداد، وفق وكالة «بلومبرج»..
أما قانونياً، فإن قرار المحكمة العليا يعيد التأكيد على دور الكونجرس في رسم السياسة التجارية ويضع حدوداً واضحة لاستخدام قوانين الطوارئ، بينما سياسياً، يُعد الحكم اختباراً لقدرة الإدارة على إعادة صياغة استراتيجيتها التجارية ضمن القيود الدستورية الجديدة.
سلطات الكونجرس
تنص المادة الأولى من الدستور الأمريكي، على أن الكونجرس يملك سلطة فرض الضرائب والرسوم وتنظيم التجارة مع الدول الأجنبية، لكن المشرعين، فوضوا على مدى عقود، جزءاً من هذه السلطة للرؤساء عبر قوانين مختلفة، غالباً لأسباب محددة ومقيدة.
وفي ولايته الثانية، لجأ ترامب إلى قانون IEEPA، مدعياً أنه يمنحه صلاحيات واسعة لفرض الرسوم عبر أوامر تنفيذية، رغم أن القانون لم يُستخدم سابقاً لهذا الغرض ولا يذكر الرسوم الجمركية صراحة، ويمنح القانون الرئيس سلطة تنظيم معاملات مالية خلال حالات الطوارئ، وعادة ما يُستخدم لفرض عقوبات.
واستند ترامب إلى العجز التجاري الأمريكي وتهريب المخدرات عبر الحدود باعتبارهما «حالات طوارئ وطنية» تبرر فرض الرسوم.
وأشار معهد كاتو البحثي الأمريكي، إلى أن المادة 338 من قانون التعريفة الجمركية لعام 1930، التي تتيح للرئيس فرض رسوم تصل إلى 50% على الدول التي تميّز ضد التجارة الأمريكية، قد تكون خياراً محتملاً أيضاً.
وتسمح المادة 122 بفرض رسوم تصل إلى 15% فوراً لمدة تصل إلى 150 يوماً من دون الحاجة إلى تحقيقات مطولة، لكن استمرارها بعد ذلك يتطلب تصويتاً من الكونجرس.
محللون يحذرون من البدائل
غير أن محللين حذروا من أن هذه البدائل، بما فيها المادة 122، لن تكون شاملة بالقدر نفسه الذي كانت عليه رسوم IEEPA التي أبطلتها المحكمة العليا.
وتُقدَّر عائدات الرسوم العام الماضي بما بين 240 و300 مليار دولار، تحمل الجزء الأكبر منها المصنعون والمستهلكون الأمريكيون، وقد تكون كلفة إعادة هذه الأموال باهظة إذا أُلزمت الحكومة بذلك.
وأشارت دراسات إلى أن الشركات الأمريكية دفعت نحو 90% من هذه الرسوم، مع تمرير جزء كبير منها إلى المستهلكين عبر ارتفاع الأسعار، وحتى إذا فُرضت إعادة الأموال، فمن غير المتوقع أن يحدث ذلك قريباً.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :