إنه مجرد مسكّن للألم"...انخفاض النفط كيف ينعكس على الاقتصاد اللبناني؟

إنه مجرد مسكّن للألم

 

 

 

 

في ظل الحديث المتزايد عن اقتراب تفاهم أميركي – إيراني قد يفضي إلى تهدئة إقليمية شاملة وإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الطبيعية، تتجه الأنظار إلى تداعيات هذا التطور المحتمل على أسواق النفط العالمية والاقتصادات المرتبطة بها، وفي مقدمتها لبنان الذي يعاني منذ سنوات أزمة مالية ونقدية حادة.

 
 
 
وفي هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي والأسواق المالية الدكتور عماد عكوش، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أن التأثير سيكون فورياً على مستوى الأسواق المالية، وتدريجياً على الاقتصاد الحقيقي، لافتاً إلى أن أسواق النفط تعمل بنظام "تسعير التوقعات" (Forward-looking). فبمجرد الإعلان عن الاتفاق، أو حتى تواتر الأخبار المؤكدة بقربه، ستشهد أسعار عقود النفط (مثل برنت وغرب تكساس) انخفاضاً حاداً وفورياً بسبب زوال "علاوة المخاطر الجيوسياسية" (Geopolitical Risk Premium) التي كانت مضافة إلى السعر نتيجة إغلاق المضيق.
الاحتياطات الاستراتيجية
 
 
 
وحول محاولات الدول تعويض احتياطياتها الاستراتيجية بما يؤدي إلى بقاء الأسعار مرتفعة، يشير الدكتور عكوش إلى أن الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، استنزفت جزءاً كبيراً من احتياطياتها البترولية الاستراتيجية (SPR) خلال الأزمات السابقة لضبط الأسعار. وبمجرد انخفاض الأسعار، ستدخل هذه الدول السوق لشراء النفط وإعادة ملء خزاناتها. هذا الطلب الحكومي سيشكّل أرضية سعرية (Price Floor) تمنع أسعار النفط من التدهور الشديد، لكنه لن يكون كافياً لإعادتها إلى مستويات الأزمة، أي فوق 90 دولاراً للبرميل، لأن المعروض الإضافي الناتج عن فتح المضيق سيكون كبيراً ومستداماً.
 
ويبقى السؤال الأهم حول تراجع التضخم الذي ارتفعت معدلاته مع إغلاق المضيق وارتفاع أسعار النفط: هل سيشهد تراجعاً؟
يعتبر الدكتور عكوش أن الطاقة هي المحرك الأساسي للاقتصاد، وأن انخفاض أسعار النفط يؤدي مباشرة إلى تراجع تكاليف الشحن والنقل والإنتاج الصناعي والزراعي. ومن هذا المنطلق، يتوقع أن يؤدي الانخفاض في أسعار الطاقة حتماً إلى تراجع ملحوظ في التضخم العام (Headline Inflation).
 
 
 
ونتيجة لذلك، ستشعر البنوك المركزية، مثل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي، بأريحية أكبر لتسريع وتيرة خفض أسعار الفائدة، ما سيحفّز النمو الاقتصادي العالمي، ويسهّل حركة الاستثمارات، ويقلّل كلفة الاقتراض على الدول والشركات.
 
وفيما يخص لبنان، وما إذا كانت الأسعار ستتراجع في ظل غياب الرقابة، يأسف الدكتور عكوش لهذا الواقع، ويقول:
"للأسف، التجربة اللبنانية غير مشجعة، والأسعار في لبنان تتسم بـ'اللزوجة النزولية' (Downward Price Stickiness). ففي الاقتصادات الطبيعية ينعكس انخفاض كلفة الطاقة على أسعار السلع، أما في لبنان، فالتجار يسارعون إلى رفع الأسعار فور ارتفاع النفط عالمياً، لكنهم يتلكأون بشدة في خفضها عند تراجعه، والسبب هو نظام الاحتكارات (Oligopolies) في أسواق الاستيراد، وضعف مؤسسات حماية المستهلك، والغياب شبه التام للرقابة الحكومية الصارمة".
 
 
 
ويلفت إلى أن النتيجة المتوقعة هي انخفاض أسعار السلع المسعّرة مباشرة من الدولة، مثل البنزين والمازوت، لكن الانخفاض في أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية والخدمات سيكون طفيفاً جداً وبطيئاً، ما لم تترافق هذه التطورات مع حملات رقابية قاسية واستثنائية من وزارة الاقتصاد.
تعويض خسائر المصرف المركزي
 
 
 
ورداً على إمكانية تعويض خسائر مصرف لبنان من الاحتياطيات بالعملات الأجنبية، يتوقف الدكتور عكوش عند فاتورة استيراد المحروقات، للكهرباء والنقل والمولدات، باعتبارها من أكبر بنود استنزاف الدولار في ميزان المدفوعات اللبناني.
 
 
 
وبالتالي، فإن انخفاض أسعار النفط عالمياً يعني أن لبنان سيحتاج إلى عدد أقل من الدولارات لاستيراد الكمية نفسها من الطاقة، ما يخفف الضغط عن احتياطيات مصرف لبنان ويقلّل العجز في الميزان التجاري.
 
 
 
ومع ذلك، فإن تعويض الخسائر وإعادة بناء الاحتياطي بشكل حقيقي يتطلبان حلولاً بنيوية، مثل إبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة (FDI)، وتفعيل التصدير. ويشير إلى أن انخفاض أسعار النفط هو مجرد مسكّن للألم، وليس علاجاً للمرض
سعر الصرف
 
 
 
أما عن صمود سعر الصرف في حال لم تنسحب التهدئة على لبنان، فيؤكد الدكتور عكوش أن استقرار سعر الصرف الحالي هو استقرار هشّ ومدار (Managed Float)، وسيكون تحت ضغط كبير.
 
 
 
فإذا شهدت المنطقة انفراجات بينما بقي لبنان في حالة توتر أمني أو حرب استنزاف، فإن الاقتصاد اللبناني سيُحرم من العوائد التي تأتي عادة مع التهدئة، مثل الاستثمارات المباشرة والموسم السياحي القوي.
 
 
 
ويشرح أن مصرف لبنان يعتمد حالياً على سحب الكتلة النقدية بالليرة من السوق، إلى جانب تدخلات محددة للحفاظ على استقرار سعر الصرف. لكن إذا استمرت حالة اللااستقرار الأمني والسياسي، فإن ذلك سيؤدي إلى تقلص التدفقات النقدية الجديدة (Fresh Dollars) القادمة من الخارج، وزيادة قلق المودعين والمستثمرين، وتضرر قطاعات حيوية مثل الزراعة في الجنوب والسياحة في مختلف المناطق اللبنانية.
ويرى أن هذا الأمر سيؤدي، عاجلاً أم آجلاً، إلى استنزاف الأدوات النقدية التي يملكها مصرف لبنان، ما قد يفتح الباب أمام موجات جديدة من تقلبات سعر الصرف وضعف العملة الوطنية، إلا إذا تم التوصل إلى تسوية سياسية وأمنية داخلية تتزامن مع التهدئة الإقليمية

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي