يشكّل انسحاب الولايات المتحدة من قاعدة «التنف» خطوةً إضافية في مسار تقليص حضورها العسكري في مناطق لم تعُد تراها «ذات نفع»، مع تسلّم السلطات الانتقالية الجديدة المهام «الأمنية» المنشودة أميركياً، إلى جانب التحكم الإسرائيلي المطلق بجنوب البلاد.
في إطار مساعي الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لتخفيض نفقات انتشار قوات بلاده في سوريا، خصوصاً بعد التحوّل الكبير الذي شهده هذا البلد، بسقوط النظام السابق وصعود حليف واشنطن، أحمد الشرع، أعلنت الولايات المتحدة سحب قواتها من قاعدة «التنف» جنوبي سوريا عند المثلّث الحدودي مع العراق والأردن، والتي تُعدّ القاعدة الأكبر في البلاد. ويمثّل الانسحاب الجديد، الذي بدا مفاجئاً للبعض، خطوة إضافية من جانب الإدارة الأميركية في مسار تقليص حضورها العسكري في مناطق لم تعد تراها «ذات نفع»؛ علماً أنه كانت سبقت هذه الخطوة إجراءات خفض تدريجية في سوريا خصوصاً. ولمّا كانت «التنف» تؤدّي دوراً في قطع طرق إمداد فصائل المقاومة، فضلاً عن توفير عمق أمني لإسرائيل في الجنوب، فإنه مع تسلّم السلطات الانتقالية الجديدة تلك المهام، وضمانها «انتهاء» وجود أي تهديد مباشر من الأراضي السورية لإسرائيل، بالإضافة إلى تحكّم الأخيرة المطلق بجنوب البلاد، باتت القاعدة تمثّل عبئاً مالياً على واشنطن بلا جدوى مقابلة.
وفي هذا السياق، أعلنت «القيادة المركزية الأميركية» (سنتكوم)، في بيان، اكتمال الانسحاب من «التنف»، موضحةً أن العملية أُنجزت أول من أمس «في إطار انتقال مدروس قائم على تقييم الظروف من قبل قوة المهام المشتركة - عملية العزم الصلب -». وفيما انسحبت القوات الأميركية نحو الأردن، أعلنت وزارة الدفاع السورية تسلّم القاعدة «بتنسيق بين الجانبين السوري والأميركي»، مشيرة إلى أن وحدات الجيش باشرت تأمين الموقع ومحيطه، والانتشار على طول الحدود السورية - العراقية - الأردنية في بادية التنف. كما أكّدت أن قوات «حرس الحدود» التابعة للوزارة ستتولّى «مهامها الرسمية» في المنطقة خلال الأيام المقبلة.
ورغم انسحابها من الجنوب السوري، لا تزال واشنطن تحتفظ بحضور غير مباشر عبر فصيل «جيش سوريا الحرة»، الذي كانت قد درّبته في «التنف»، علماً أن هذا الفصيل انضمّ كتلة واحدة إلى وزارة الداخلية تحت مسمّى «قوات المهام الخاصة ومحاربة الإرهاب». وبعدما انضمّت السلطات الانتقالية إلى «التحالف الدولي ضد داعش»، باتت تعتمد القوات الأميركية على «جيش سوريا الحرة» في تنفيذ عمليات مشتركة مع السلطات الانتقالية ضدّ تنظيم «داعش».
ثمّة شكوك في كون «سرايا أنصار السنّة» تشكّلت جراء تباين في المواقف بين الشرع وكوادر من معسكره
وسبقت الانسحاب من القاعدة الأميركية الأكبر، انسحابات من بعض القواعد شرقي البلاد، أبرزها قاعدة «الشدادي». وجاء ذلك بعد دخول قوات تابعة للسلطات الانتقالية إلى مناطق سيطرة «قسد»، في إطار الاتفاق الذي أُبرم مع الأخيرة، والذي يهدف إلى ترتيب أوضاع الشرق، وإنهاء صيغة «الإدارة الذاتية»، ومنح الأكراد إدارة شبه ذاتية في الحسكة وعين العرب (كوباني). وتزامنت هذه الخطوة أيضاً مع نقل آخر دفعة من سجناء تنظيم «داعش» من السجون التي كانت تديرها «قسد» - وتمّ تسليمها إلى السلطات الانتقالية - إلى العراق، الذي أعلن وصول عدد من نقلوا إلى أراضيه إلى نحو 5 آلاف سجين، في حين كانت تشير بيانات الإدارة الأميركية إلى أن عدد السجناء المُفترض نقلهم يبلغ نحو 7 آلاف. وفي هذا السياق، قال وزير العدل العراقي، خالد شواني، إن المعتقلين لن يُنقلوا إلى سجون في إقليم كردستان، من مثل سجني جمجمال أو سوسة، لكونهما مخصّصَين للسجناء الجنائيين والمدنيين، موضحاً أن هؤلاء يُصنّفون «إرهابيين»، ومن بينهم قادة بارزون في «داعش»، من ضمنهم «أمراء» وشخصيات «شديدة الخطورة»، وأنهم أُخضعوا لإجراءات أمنية مشدّدة.
وبينما يؤشّر الانسحاب الأميركي إلى مستوى عالٍ من «ثقة» واشنطن بالحليف الجديد (السلطات الانتقالية)، تكشف عمليات نقل السجناء نحو العراق، واستمرار الاعتماد على «جيش سوريا الحرة»، عن استمرار وجود فجوة بين الطرفين. ويأتي ذلك تبعاً للخلفية المتشدّدة للسلطات الانتقالية، التي تضمّ في تركيبتها فصائل كانت، حتّى وقت قريب، تمثّل امتداداً لتنظيم «داعش»، الأمر الذي قد يكون سبباً إضافياً لانسحاب القوات الأميركية، وتقوقعها في بعض القواعد ضمن المناطق الكردية، خصوصاً أن تلك القوات تعرّضت لهجوم، في كانون الأول الماضي، من قِبل مسلح يتبع لوزارة الداخلية في تدمر، تسبّب في مقتل جنديين أميركيين ومترجم.
وفي سياق متصل، كشف تقرير أممي عن تعرّض الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، لخمس محاولات اغتيال من قِبل مسلحين يتبعون لتنظيم «داعش». التقرير الأممي الذي أكّد ما حاولت السلطات نفيه، أشار إلى أن تنظيم «سرايا أنصار السنّة»، الذي حاول تنفيذ عمليات الاغتيال، يمثّل امتداداً لتنظيم «داعش»، موضحاً أن هذه الجماعة تمثّل واجهة للتنظيم، علماً أنها ظهرت بعد وصول الشرع إلى السلطة. ويأتي ذلك وسط شكوك في كون هذه الجماعة تشكّلت أساساً جراء تباين في المواقف بين الشرع وكوادر من معسكره، خصوصاً بعد إعلان الرئيس الانتقالي انضمامه إلى «التحالف الدولي ضد داعش»، وميله المطلق إلى واشنطن، التي تصفها أدبيات تلك التشكيلات بأنها «عدو للإسلام».
في التقرير نفسه، والذي نشرت تفاصيله صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، أكّدت الأمم المتحدة، بناءً على تقارير استخباراتية، أن تنظيم «داعش» يملك نحو ألفَي مقاتل ينشطون في المنطقة الحدودية بين العراق وسوريا، مع تمركز أغلبهم في الأراضي السورية لاستغلال الفراغات الأمنية. ويؤكد هذا الأمر، بدوره، استمرار خطر التنظيم، وينفي أي رواية أميركية مستقبلية عن أن الانسحاب من سوريا تمّ بعد القضاء على «داعش»، وهي الذريعة التي استعملتها واشنطن أساساً لتبرير مدّ نفوذها العسكري في الأراضي السورية.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :