في زمنٍ تتسارع فيه التقنيات وتتوسع فيه منصّات الاستثمار الرقمي، تتكاثر في المقابل أساليب الاحتيال المقنّعة بقصص إنسانية مؤثرة، وأسماء لامعة، وسرديات تبدو في ظاهرها مقنعة، لكنها في جوهرها فخاخ مصمّمة بدقّة لاصطياد الضحايا.
خلال الأيام الماضية، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي قصة تزعم أن الفنان اللبناني الراحل فادي إبراهيم ترك خلفه ثروة سرّية داخل منصة استثمار تعتمد على “الذكاء الاصطناعي”، وأن وصيته كشفت عن حسابات رقمية ضخمة وعوائد خيالية.
لكن التدقيق في تفاصيل هذه الرواية يفضح سريعًا أنها ليست خبرًا صحفيًا، بل نصًا تسويقيًا احتياليًا متنكرًا بلباس قصة إنسانية.
سرد درامي بلا مصادر
أولى علامات الشبهة تتمثل في غياب أي مصدر إعلامي موثوق، أو بيان رسمي من العائلة، أو موقف صادر عن نقابة الفنانين أو جهة قانونية. فكل ما ورد في القصة مبني على “شهادات” مجهولة الهوية وأسماء لا يمكن التحقق منها، وهو أسلوب شائع في المحتوى الاحتيالي.
تحريف متعمّد للحقائق التقنية
تستخدم القصة اسم “Arbitrum” على أنه منصة تداول قائمة على الذكاء الاصطناعي، بينما الحقيقة أن Arbitrum هي شبكة بلوكشين تقنية (Layer 2) لتسريع معاملات الإيثيريوم، ولا تعمل كمنصة استثمار تدير أموال المستخدمين أو تولّد أرباحًا تلقائية.
هذا الخلط ليس بريئًا، بل يهدف إلى استغلال اسم تقني معروف لإضفاء شرعية زائفة على مشروع وهمي.
أرقام مصمّمة للإغراء
الحديث عن تحويل عشرات آلاف الدولارات إلى ملايين خلال فترة قصيرة، مع أرباح شهرية ثابتة وسحب فوري للأموال، يشكّل أحد أبرز مؤشرات النصب المالي. فلا توجد في الأسواق الشرعية عوائد مضمونة بهذا الشكل، مهما بلغ تطور الخوارزميات أو الذكاء الاصطناعي.
استغلال صورة الفنان الراحل
الأخطر في هذه القصة هو استغلال اسم فادي إبراهيم، الذي شكّل جزءًا من ذاكرة الدراما اللبنانية، وربطه بسردية مالية مشبوهة لا تمت إلى مسيرته أو شخصيته بصلة. وهو نموذج مؤسف لكيفية تحويل رموز ثقافية إلى أدوات ترويج لعمليات احتيال.
ما يتم تداوله ليس سبقًا صحفيًا، ولا كشفًا عن “سر مالي”، بل نموذج واضح لحملة تضليل تهدف إلى دفع القرّاء نحو التسجيل في منصات مشبوهة.
الوعي هو خط الدفاع الأول.
وأي عرض استثماري يعد بأرباح كبيرة، مضمونة، وسريعة، من دون مخاطر حقيقية، يجب التعامل معه كإنذار أحمر.
في عالم المال، لا تُبنى الثروات الحقيقية في الظلّ، ولا عبر روابط مجهولة المصدر. وحدها القصص الواضحة، الموثقة، والمبنية على شفافية، تستحق أن تُصدّق… أما البقية، فغالبًا ما تكون مجرد أفخاخ مزيّنة بالحكايات.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :