حين يصبح المال والمنصّات أوصياء على الوعي السوري

حين يصبح المال والمنصّات أوصياء على الوعي السوري

 

Telegram

آيكون نيوز - لم يعد الاحتكار في سورية ظاهرة يمكن حصرها في الأسواق أو شبكات المصالح الاقتصادية، بل انتقل إلى مستوى أكثر خطورة وتجريدًا: احتكار الوعي العام. فما يتشكّل اليوم هو نمط جديد من السلطة غير المعلنة، يقوم على تلاقي رأس المال الكبير مع منظومات التواصل الرقمي، ويُنتج شكلًا من الوصاية الرمزية على المجتمع، لا تُمارَس عبر القانون أو المؤسسات، بل عبر التحكم بما يُرى، وبما يتحوّل إلى قضية، وبما يُدفع إلى الهامش أو النسيان.

هذه الوصاية لا تعمل بوصفها قهرًا مباشرًا، بل بوصفها تمثيلًا. فالخطاب المهيمن لا يقدّم نفسه باعتباره رأيًا من بين آراء، بل كصوت الشارع، أو الضمير الجمعي، أو الموقف الأخلاقي الصحيح. وبهذا، يتحوّل المجال العام من ساحة نقاش مفتوح إلى فضاء مُدار، تُختزل فيه السياسة إلى تصنيفات أخلاقية، ويُعاد تعريف الشرعية والانتماء وفق منطق الانتشار، لا وفق منطق الحُجّة أو القاعدة.

ينمو هذا النمط من السيطرة في سياق فراغ مؤسسي مرتبط بطبيعة المرحلة الانتقالية، حيث لم تتبلور بعد قنوات الوساطة السياسية والاجتماعية بصورة مستقرة. وفي غياب أطر حزبية ونقابية وإعلامية مكتملة التشكّل، تقدّمت المنصّات الرقمية كوسيط شبه وحيد للنقاش العام، دون أن تكون مصحوبة بقواعد مهنية أو أطر مساءلة تضبط أثرها في المجال العام.

في هذا السياق، لا تعمل المنصّات بوصفها أدوات تواصل محايدة، بل تتحوّل تدريجيًا إلى فضاء تُعاد داخله هندسة الانتباه. إذ تتكامل آليات التمويل، وشبكات التأثير، والخوارزميات التي تكافئ الغضب وسرعة التفاعل، وتُعاقب التحليل الهادئ والتفكير المركّب. وبهذا، لا يُقصى الرأي المخالف عبر المنع أو الحجب، بل عبر إغراقه أو نزع شرعيته الرمزية، بحيث يفقد قدرته على التأثير حتى وإن ظل حاضرًا شكليًا، وهو ما تعكسه تجارب سورية حديثة معروفة للجميع، أظهرت كيف يمكن لحملات رقمية مركّزة أن تعيد ترتيب أولويات النقاش العام خلال زمن قصير.

الخطر الحقيقي في هذا النمط من السيطرة لا يكمن فقط في تشويه النقاش العام، بل في إعادة تشكيل السياسة ذاتها. فحين يُدار المجال العام بمنطق التفاعل اللحظي، تُستبدل مناقشة السياسات العامة بملاحقة الأشخاص، ويُقاس الموقف بمدى انتشاره، لا بمدى اتساقه أو قابليته للتطبيق. ومع الزمن، تتآكل الثقة الأفقية داخل المجتمع، إذ يتحوّل الاختلاف الطبيعي إلى مصدر ريبة، ويغدو النقاش العام اختبار ولاء، لا بحثًا عن حلول.

وحين تبدأ وظائف الإدانة والتبرئة—بوصفها وظائف اجتماعية ذات طابع مؤسسي—بالانزلاق من فضاء القانون والإجراءات إلى فضاء المنصّات والتفاعل الفوري، تتشكّل سلطة رمزية موازية لا تستمد قوتها من الشرعية أو القواعد، بل من قابلية التعبئة وسرعة الانتشار. عندها، لا تُهدَّد حرية التعبير فحسب، بل تُقوَّض الشروط البنيوية لبناء دولة تقوم على المؤسسية وحكم القواعد، لا على تقلّبات المزاج العام المُدار.

في هذا الإطار، تتحوّل المنصّات إلى ما يشبه محاكم رمزية سريعة، تُصدر أحكامًا اجتماعية فورية، بلا ضمانات إجرائية، ولا حق دفاع، ولا معايير ثابتة. ومع غياب المساءلة، تصبح هذه السلطة الرمزية قادرة على التصفية المعنوية، وإعادة كتابة الوقائع، وفرض أولويات عامة لا تمرّ عبر أي نقاش وطني منظّم.

معالجة هذا الخلل لا يمكن أن تكون أخلاقية أو خطابية فقط، لأنه ليس انحرافًا فرديًا، بل اختلالًا في بنية المجال العام. يبدأ المسار العلاجي بإرساء شفافية صارمة للمال الإعلامي والرقمي، بحيث يصبح الإفصاح عن مصادر التمويل وشبكات المصالح شرطًا أساسيًا للمشاركة في النقاش العام. فالمشكلة ليست في وجود المال، بل في عمله خارج أي إطار مساءلة.

ويتطلّب هذا المسار، في الوقت نفسه، إعادة بناء مؤسسات الوساطة، من نقابات، ومراكز بحث، ومنصّات تدقيق مستقلة، قادرة على استعادة النقاش من منطق المنصّة إلى منطق المؤسسة. وإلى جانب ذلك، لا بد من الاستثمار في رفع مناعة المجتمع عبر التعليم الإعلامي، وتمكين الأفراد من فهم آليات التلاعب والانتباه المُدار؛ لأن احتكار الوعي يضعف كلما ارتفعت كلفة التضليل، وكلما بات الجمهور قادرًا على مساءلة الخطاب، لا استهلاكه فقط.

في المحصّلة، لا تكمن المعضلة السورية اليوم في غياب الأصوات، بل في تركّز القدرة على تعريف الصوت الشرعي. فالمجتمع الذي يُدار وعيه خارج أطر مؤسسية واضحة، ولو بحسن نية، هو مجتمع مهدّد بأن يفقد سياسته قبل أن يبني دولته. ومن هنا، فإن تفكيك وصاية الوعي ليس ترفًا فكريًا، بل شرطًا تأسيسيًا لأي حديث جاد عن تحوّل، أو استقرار، أو مستقبل مشترك.

د. ياسين العلي – خبير اقتصادي وناشط سياسي – سوريا.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram